Workers are seen at the Kuwait Global Steel Services factory in Kuwait City on December 5, 2018. (Photo by Yasser Al-Zayyat /…
عمال في مصنع حديد في الكويت

ظهرت في مجتمعاتنا الخليجية، القبلية المتجذرة في مفاهيم امتداد العرق والدم، على إثر جائحة كورونا مجموعة من المشاكل "المميزة" التي ربما تخطاها بقية العالم أو على الأقل أحسنوا إخفاءها. 

في كل المجتمعات الإنسانية تظهر في وقت اشتداد الأزمات مشاكلها المزمنة، وربما أحد القواسم المشتركة بين المجتمعات الإنسانية عموما، هو أنها تحت الضغوط والمخاطر سرعان ما تنشق على نفسها وتنفصل في تحزبات صغيرة يتكتل الأفراد فيها طبقا لعوامل تجانس عادة ما لا يكون لها أي علاقة بالمفاهيم المدنية أو الموازنات العقلانية. فما أن تتشكل خطورة حياتية أو تتبدى أزمة اقتصادية، حتى ينقسم الناس طبقا لانتماءاتهم الدينية، لأصولهم العرقية، لطبقتهم الاجتماعية وغيرها من الانقسامات التي لا تنتمي للمفاهيم المدنية ولا للمنطقية الواقعية.

بعض أجزاء من العالم استطاعت أن تتجاوز هذه الانقسامات بمرورها بتجارب تاريخية مريرة أثبتت فشل فكرة التكتل الجزئي لصالح فكرة التكتل الإنساني العام. أجزاء أخرى من العالم، ورغم أنها في مرحلة انتقالية من حيث أنها لم تترك قبليتها خلفها تماما بعد، فإنها تحسن تغطية هذه الانقسامات وتداعياتها. ثم هناك نحن، الشرق أوسطيين، مصلعين وفخورين.

يقول نوبوأكي نوتوهارا في كتابه "العرب: وجهة نظر يابانية" مقتبسا ناقدا يابانيا في تحليله للانغلاق الياباني تجاه الآخر أن "الأنا يعتبر الآخر بيئة فيزيقية فقط، ولا يعتبره وجودا موضوعيا حيا مثله" (19). 

لا تتجلى هذه الأنا المرضية عندنا في علاقاتنا بالأجانب الذين يحيون في بلداننا فقط، بل هي تتعداها إلى علاقاتنا ببعضنا البعض التي سرعان ما تتصدع تحت شراسة الهجوم الانقسامي العرقي والديني.

لا نتصور العمالة الفقيرة أشخاصا حقيقيين، بآباء وأمهات وأسر وماض وحاضر وآمال وأحلام وأفكار تجول في الخواطر وحنين وألم وكرامة تجرح ونفس تكسر

منذ بداية أزمة الوباء، ظهرت مشكلة "الآخر الأجنبي" في بلداننا، وخصوصا الخليجية منها، بوضوح وبدرجة عالية من الخطورة. ففي خضم معركة مواجهة الجائحة استمرارا في البقاء وحفاظا على النفس البشرية والموارد، بدأت الأنظار تتجه "للآخر" على أنه الطفيلي الذي يعتاش على مواردنا، يرفع من نسب إصاباتنا، ويضيق علينا في متاجرنا الغذائية. هذا الشريك القديم الذي ربما هو موجود بين ظهرانينا لعشرات السنوات، مساهما في بناء محيطنا، مشاركا في عيشنا وبناء خدماتنا، أصبح اليوم عبئا ومصدر خطر. 

إلا أن هذه القصة ليست جديدة، هي ليست نتاج الظرف الطارئ، هي قصة كامنة منذ زمن في أعماق ضمائرنا كما الفيروس النائم، تظهر أعراضها بين الفينة والأخرى مشيرة إلى خطورة الحكاية وكارثية النهاية، إلا أن راحة التنفيس ولذة التخفيف عن النفس بالخطاب العنصري أعمت الناس عن خطورة القادم، وها هو القادم قد أخذ قفزة كبيرة باتجاهنا وبسرعة غير مسبوقة.

الآن أصبحت العمالة المغرِقة لدول الخليج (برضى هذه الدول السابق) موقع التنفيس لأهاليها، لتكال الاتهامات لهم على أنهم فاسدون، مقيمون بصور غير شرعية، متكومون بأعداد كبيرة، ينشرون المرض بيننا ويزاحموننا على خدماتنا. هم الأحق بهذه الاتهامات على كل الأحوال، فنحن أولا لا نود (ولا نستطيع أحيانا) أن نكيل الاتهامات لحكوماتنا، ونحن ثانيا في وقت أزمة لذا علينا أن نمتدح أنفسنا ونتغنى بمجتمعاتنا، ونحن، ثالثا وأخيرا، لا نتصور هذه العمالة الفقيرة أشخاصا حقيقيين، بآباء وأمهات وأسر وماض وحاضر وآمال وأحلام وأفكار تجول في الخواطر وحنين وألم وكرامة تجرح ونفس تكسر، لا نستطيع أن نتخيل فعليا حيواتهم المبددة في غربة جسدية وروحية، بلا الشركاء والأبناء، في غرف ضيقة ومساحات مهملة، يحيون كرقم ما على ورقة ما في ملف ما. 

هم عمال، شحنات من أجساد، لا يسكنها ما يسكننا، لا بعد حقيقي لحيواتهم كما لحيواتنا. عزلهم واتهامهم جمعيا لا يضير، فهم هناك، بعيدا في بيوتهم المتهالكة، بيننا وبينهم شاشات التلفونات تحولهم إلى صور متحركة غير حقيقية، تبعدهم عن واقعنا وتبعدنا عن حقيقة مأساتهم.

يقول نوتوهارا "هذا الناقد (المذكور في الاقتباس أعلاه) يؤكد لنا على الوعي المشترك بأننا جميعا بشر وأننا كلنا معا نكون المجتمع الاإنساني، ثم يؤكد على ضرورة وعي الحياة اليومية. وبعد ذلك كله تخيل وجود الآخرين". وهو يؤكد أن خطر مواجهة أي ثقافة مختلفة عن ثقافتنا يتمثل في "الأفكار الجاهزة ومن تلك الأفكار الجاهزة يتم القفز من فكرة إلى أخرى، ليتم الوصول إلى استنتاج أخير حاسم. في هذه الحالة، ننحرف عن الواقع، الأفكار الجاهزة تخرب البحث وتخرب فهمنا للواقع" (20 ـ 21). 

في مجتمعاتنا المغمورة أسفل قبلياتنا العرقية والدينية والأصولية، أفكارنا دائما جاهزة لا مجال لمراجعتها بالتجربة، موثقة بكلمات وتعابير نكررها بعصابية كأننا توارثناها مع قبلياتنا القديمة. 

لا نستطيع أن نتخيل فعليا حيواتهم المبددة في غربة جسدية وروحية، بلا الشركاء والأبناء، في غرف ضيقة ومساحات مهملة، يحيون كرقم ما على ورقة ما في ملف ما

وفي ليلة وضحاها، مع استشراء هذا الوباء، كل الجمر المتقد أسفل الرماد هاج وماج، لتنفجر وسائل التواصل بأحاديث النفور والكراهية تجاه المقيمين في بلداننا، هؤلاء الغرباء الذين في وقت الأمان طلبنا خدماتهم وفي وقت الشدة نطالب بكل أريحية بشحنهم إلى بلدانهم، فهم "بيئة فيزيقية، لا وجود حي".

لكن هذه ليست كل القصة، فالداء يستشري حتى بين أبناء البيئة الواحدة، ليصبح هناك تشكك في كل من لا ينتمي "لأنقى دم" في المجتمع. في تجربتي الخاصة دائما ما تُقرأ ردود أفعالي وآرائي من خلال عدسة إيرانية شيعية بحكم انتمائي العرقي والديني العائلي، وهي عدسة ما لبثت أزمة الوباء أن رفعت من درجة تحدبها. فأنا رغم أنني لا أفهم الفارسة ولم أزر إيران مطلقا في حياتي (مع كل الأسف) ورغم أنني معلنة الموقف الليبرالي اليساري العلماني، أبقى فارسية متآمرة، بدم يحن لشعب لا أعرفه ولسياسة أختلف معها من باطنها لظاهرها.

هذه القصة تذهب لبعد غريب يتطلب مني أن أكون منفصمة أو متعددة الشخصيات. فأنا حين أساند المقيمين الأجانب في بلداننا وأذهب إلى كونهم جزءا مكونا منها ومسؤولية عليها، يتم تذكيري بخليجيتي ودوري الأول كمواطنة لا بد لها أن تدافع عن "ديرتها". وحين أشير للتضخيم المبالغ فيه للخطر الإيراني لصالح التعتيم على الخطر الإسرائيلي أصبح فارسية دخيلة ذات أهداف صفوية. لم أعد أعرف وضعي بالضبط، إذا أنا "فارسية غريبة" لم إذن العتب على موقفي من "الغرباء المقيمين" وإذا أنا خليجية أصيلة لم إذن التشكيك في رأيي تجاه الخطرين الإيراني/الإسرائيلي؟ 

ما أنا سوى مثال صغير غير مهم للمشهد الكبير المهم جدا والخطر جدا، مشهد فيه الكثير من الأمراض العصابية والفصامات الواضحة التي لو لم نستغل فرصة الكارثة الصحية الحالية لعلاجها، فسنعيش معها للأبد وستقضي علينا في آخر هذا الأبد.

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.