Demonstrators partake in communion during a protest calling for the reopening of California, amid the outbreak of the…
متظاهرون يطالبون بإعادة فتح ولاية كاليفورنيا

كثيرا ما حذّرت روايات الخيال العلمي من مستقبل تعمد فيه السلطات، بعد أن طوّرت أدوات الترصد والرقابة المتقدمة، إلى متابعة كافة تحركات المرء، للسيطرة عليه وإخضاعه لرغباتها. خشية العيون التي تلاحق الإنسان ربما هي غرائزية، إذ احتفظ بها من سوابقه من الطرائد في سلم النشوء والارتقاء. قطاع الترفيه استفاد منها على أي حال، وكذلك شركات مبتكرة سوّقت للمستهلكين وسائل مختلفة لتجنب البقاء تحت مجهر "الأخ الكبير". وسواء انضوى الأمر على مبالغات تسمح باستثمار الأمر تجاريا، أو اقتصر على القراءات الفكرية، فإن القناعة الشائعة هي أن صون الخصوصية ومنع التعدي عليها من صميم الحق بالحرية، القيمة العليا في الولايات المتحدة، في الصورة الذاتية والثقافة والدستور.

والريبة من السلطة، في موضوع الخصوصية، ليست حكرا على "يمين" أو "يسار"، وإن اختلف مضمونها.

فالخصوصية بالنسبة للمحافظين هي في عدم تدخل الدولة بشؤون المواطن الحياتية. وإذا كان هذا المطلب بالأمس شاملا ومطلقا، وهو لا يزال كذلك بالنسبة للتوجه العقائدي الحرياتي، فإن المحافظين اليوم يقبلون بمبدأ تسديد الضرائب لتوفير الأرصدة المطلوبة لحسن سير الدولة، رغم ما ينضوي عليه من "تطفّل" بشؤون الدخل، وإن اعترضوا على نسب الضرائب وأوجه صرفها. ولكن، إزاء التبدل الثقافي الذي شهدته الولايات المتحدة في نصف القرن الماضي، فإن المحافظين قد تخلوا عن تحبيذهم للخصوصية بل ساروا باتجاه مطالبة الدولة بالوصاية على المواطنين في عدد من المسائل الاجتماعية، ولا سيما الإجهاض والمثلية.

والقراءة تكاد أن تكون معاكسة لدى التقدميين. فالإصرار على الخصوصية مرتفع لديهم في المسائل الاجتماعية، فيما هم، في مسألة اقتناء السلاح، يدعون الدولة إلى التضييق على ما هو حق دستوري، وما يعتبره المحافظون من مطلق الخصوصية. وخشية التقدميين من اتساع الرقابة وتجاوز الخصوصية في أوجّها فيما يتعلق بالملاحقة التي قد تعمد إليها السلطات للمقيمين غير الشرعيين في الولايات المتحدة، والذين يعتبر التقدميون أنهم مغبونون، وأن تواجدهم "غير الشرعي" متعمد، لاستفادة قطاع الأعمال منهم بأجور منخفضة.

الريبة من السلطة، في موضوع الخصوصية، ليست حكرا على "يمين" أو "يسار"، وإن اختلف مضمونها

الجميع اليوم، محافظون وتقدميون ولامبالون، اليوم أمام تحديات جديدة نتيجة للوباء. بما أن اللقاح والعلاج لا يزالان غير متوفرين، فإن الوسائل المتاحة لمواجهة انتشار الوباء معدودة، وكل منها ينضوي على محاذير بشأن الخصوصية.

فالحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، من وجهة نظر محافظة، هما من التعدي على الحرية الشخصية تحت ستار المسؤولية الجماعية. والقبول بحجة المسؤولية الجماعية في هذا الموضوع الصحي هو المدخل إلى تعميمها في الأوجه الأخرى من تجاوز الخصوصية، كما يراها المحافظون، ولا سيما قضية السلاح.

فتجمهر المعترضين على سياسات الإغلاق في عدد من الولايات التي يتولّى حاكميتها ديمقراطيون تقدميون، والتي تحدى فيها المتظاهرون أمر الحجر والتباعد وهم يحملون السلاح لم يكن من باب التهديد باستعمال العنف، بل كان من وجهة نظرهم ممارسة لحقهم الدستوري بحمل السلاح، وهو حق يعتبرون أنه مهدد في حال رضوخهم لمفهوم المسؤولية الجماعية إذ يسعى إلى تضخيمه التقدميون قبل تعميمه ليشمل منع السلاح.

وفي الصف المقابل، فإن الاعتراض المتكرر من جانب التقدميين هو أن الخوف الذي أثارته سياسات الإدارة الحالية، في استهدافها الممنهج للمقيمين من غير المواطنين، قد تسبب بتأخر هؤلاء وأسرهم عن اللجوء إلى المنظومة الطبية، ما أدى إلى بروز بؤر اجتماعية تفشى بها الوباء بما يتجاوز المعدلات العامة. والمطالبة هنا هي بإقامة جدار من الخصوصية يفصل الرقابة الصحية، بما تتطلبه من التفصيل، عن الملاحقة التي تهدد المقيمين غير الشرعيين.

على أن الامتحان الفعلي لموقف الارتياب إزاء السلطة في موضوع الخصوصية سوف يتحقق مع ما تقتضيه المرحلة التالية من مواجهة الوباء، بعد انحسار موجته الأولى.

فالانحسار لا يعني الانتهاء من الجائحة، بل يفيد أن العدوى قد بلغت حدّها الأقصى نتيجة إجراءات الضبط والتطويق. وحيث أن الاستمرار بهذه الإجراءات إلى ما لا نهاية غير ممكن لاعتبارات عملية وسياسية واقتصادية، فإن رفعها التدريجي الممنهج هو السبيل للعودة إلى ما يقارب الحياة الطبيعية. ولكن الرفع يفتح الباب أمام عودة العدوى. وللمحافظة على النجاح بضبط الوباء، فإنه لا بد من التحرك السريع، عند ظهور حالات إصابة جديدة، لاحتواء الانتشار موضعيا قبل أن يتفشى مستفيدا من غياب الضوابط المرفوعة.

تعقب حركات الأفراد حاصل للتوّ، وإن كان مضعضعا نتيجة تعدد التطبيقات واختلاف التشكيلة منها التي جرى تنصيبها على الهواتف بين شخص وآخر

ولا يمكن لهذا التحرك أن يكون استلحاقيا، حيث أن المسألة هي سباق بين الوباء الساعي إلى الانتشار وجهود السلطات الصحية إلى تطويقه ومنع انتشاره فور ظهوره.

وما تحتاجه هذه الجهود الصحية، لحظة الظهور، لا يقتصر على عزل المريض المُصاب لمنع انتشار العدوى، بل كذلك إلى تعقب كل لقاء سابق لهذا المصاب على مدى أيام وربما أسابيع، لمراقبة من التقى بهم وربما نقل إليهم العدوى من الأصحاء، وللكشف عن المريض السابق الذي كان السبب بالإصابة الحالية.

فعملية التعقب هذه لا تستقيم إلا استباقيا، وإلا تطلبت هدر الوقت الطويل، مع ما يستتبعه من انتشار متواصل للوباء. أي أن الصحة العامة تقتضي اليوم الشروع ببرنامج غير مسبوق من جمع شامل للبيانات حول حركة الأفراد ولقاءاتهم.

قد يبدو الأمر خبرا محزنا لدعاة المحافظة على الخصوصية. غير أن مقدار الحزن لا بد أن يكون ضئيلا نظرا إلى أن هذه البيانات يجري للتوّ تسجيلها وتحصيلها وتحليلها، وإن بما يمكن وصفه بمفارقة "الخفية العلنية".

فالهواتف المحمولة "الذكية" اليوم قد حققت انتشارا يقارب التمام، ويكاد لا يدور المرء حيث دار إلا وفي يده أو جيبه هاتفا ذكيا، وعلى هذا الهاتف في جميع الحالات تطبيقات مختلفة توفّر لصاحبه خدمات تواصل وإرشاد وإعلام وترفيه، كانت إلى أمس قريب من الخيال، أو فائقة الكلفة، وإذ بها اليوم مجانية غبّ الطلب.

هي مجانية، من حيث أنه ليس على صاحب الجهاز أن يسدد ثمنا ماليا فوريا للحصول عليها، ولكنها في معظمها تعود بالأرباح على منتجيها. وذلك يتحقق من خلال اتفاقية استعمال يوافق عليها صاحب الجهاز طوعيا، من حيث النظرية. غير أنه يندر إلى حد الانعدام أن يقرأ المرء نص هذه الاتفاقية، لما هي عليها من طول وتعقيد. وفي العديد من الحالات، ما يوافق عليه المستعمل غالبا دون اكتراث هو أن التطبيق سوف يسجّل بيانات تحركه ويرسلها إلى الشركة، مع مقادير مفترضة من احترام الخصوصية، سواء لتطوير التطبيق أو لتحسين الخدمة المقدمة، أو للاتجار بهذه البيانات لأغراض الإحصاء والرصد وغيرها.

أي أن تعقب حركات الأفراد حاصل للتوّ، وإن كان مضعضعا نتيجة تعدد التطبيقات واختلاف التشكيلة منها التي جرى تنصيبها على الهواتف بين شخص وآخر. نظريا على الأقل، وفي بعض الحالات مثل الصين فيما يتعدى النظرية إلى التطبيق الفاعل، يمكن جمع البيانات من المصادر المختلفة وتنسيقها من أجل تشكيل صورة متكاملة عن تحركات جميع السكان ولقاءاتهم، مع تحديد الأماكن والأوقات.

من شأن دعاة الخصوصية، في الولايات المتحدة وفي العالم أجمع، الاستفادة من حاجة السلطات إلى التعقب، للدفع باتجاه اشتراط تنظيم كنز البيانات الذي أمضت شركات إنتاج التطبيقات أعوام طويلة تستثمره دون حساب

الحديث هنا ليس عن الإمكانيات المثيرة المتوفرة، ولكن غير المفعّلة إلا في حالات استثنائية مثل الإرهاب والتجسس، من تشغيل قسري وخفي عن بعد للهواتف المحمولة كأجهزة تنصت على الأحاديث الدائرة في جوارها، ففي ذلك إشكالات قانونية مكشوفة تحدّ من قدرة الأجهزة الرسمية على استعمالها (لا ينطبق ذلك طبعا على أجهزة الدول الأخرى وهواة الاختراق). بل الموضوع هو في جمع ممكن على الفور لكم هائل من البيانات من شأنها أن تقدم ما يقترب من الرقابة الشاملة التي يخشاها دعاة المحافظة على الخصوصية.

ما اعترض تحقيق هذا الجمع إلى اليوم كان الجدوى، فالمجتمع الحر لا يحتاجها، والكلفة، حيث أن الشركات لن تقدم هذه المادة الثمينة مجانا، ثم التأطير القانوني، والذي يحبّذ الخصوصية وإن كان مليئا بالفجوات.

أما اليوم، مع الحاجة إلى تعقّب الوباء، فإن الجدوى قد ظهرت، والكلفة أصبحت توازن بكلفة إهمال مواجهة الوباء، والإطار القانوني قد يسير باتجاه المزيد من الإتاحة، وإن لم يبلغ الإباحة.

ولكن ما يبدو للوهلة الأولى خسارة فادحة للخصوصية، وإن جاء مصاحبا لحاجة يقرّ بها الجميع، قد لا يكون كذلك. إذ جلّ ما حصل هو انكشاف التعقّب الحاصل للتوّ والذي كان يسير باتجاه الشمولية على أي حال. فالفرصة اليوم قائمة للدفع باتجاه ترسيم الضوابط في جمع هذه البيانات وتحديد أوجه استخدامها، بما في ذلك إدارة قيود تفرض خصوصيتها الأصلية، وتقرر ملكيتها لأصحابها لا للشركات أو الجهات التي جمعتها، وتسمح برفع هذه الخصوصية نتيجة الحالات الطارئة وفق أصول يحددها القانون، على خلاف ما هو الحال اليوم من جمع دون ضوابط، فيما يتعدى وهمية اتفاقيات الاستعمال.

أي أنه من شأن دعاة الخصوصية، في الولايات المتحدة وفي العالم أجمع، الاستفادة من حاجة السلطات إلى التعقب، للدفع باتجاه اشتراط تنظيم كنز البيانات الذي أمضت شركات إنتاج التطبيقات أعوام طويلة تستثمره دون حساب. فيكون في خسائر الخصوصية في زمن الوباء كذلك مكاسب.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.