سليمان فرنجية
فرنجية شريك في زعامة المسيحين، لكنه ليس زعيمهم (مصدر الصورة: حساب فرنجية على موقع انستغرام) | Source: Instagram

لا أحد أكثر تمثيلا للنظام اللبناني من سليمان فرنجية. فالرجل ابن هذا النظام منذ ولادته، وأيضا منذ ولادة فرنجية نفسه، ترافقا في معظم محطاتهما، ولم يفترقا في أحلك الظروف وفي أكثرها انفراجا. وهذا الأسبوع شهدنا واحدة من علامات التصاقهما، إذ ظهر فرنجية في مؤتمر صحفي وكشف لنا ما نعرفه أصلا، لكن هذه المرة سمعناه من "أم الصبي".

الفساد ليس سمة عارضة في لبنان. إنه شيء جوهري، لا تستقيم السلطة من دونه. لا أحد يمكنه أن يمارس السلطة بعيدا منه. سليمان فرنجية زعيم لأنه شريك في هذه المعادلة. قال الرجل إن الدولة تقف عند حدود نفوذه، وهو نفوذ ممتد على مساحة ضيقة على كل حال. ففرنجية شريك في زعامة المسيحين، لكنه ليس زعيمهم، لا بل هو الرقم 3 أو ربما 4 في الطائفة، وهو على رغم ذلك، يمكنه أن يعلن أن موظفا طلبه القضاء اللبناني واتهمه بالفساد، يقيم الآن بحمايته، وهو لن يسلمه للعدالة، وهو إذ يقول ذلك، يعرف أن أحدا لن يجرؤ على تحدي إرادته. هذا هو لبنان.

جرى ذلك في وقت كثفت فيه السلطة التي صدر عنها فرنجية، إجراءات القمع والحد من الحريات

النظام أمد فرنجية بهذه القوة، لكن ما أمده أيضا بها هو يقينه بأن شركاءه في هذه الشركة الفاسدة والمفلسة لا يقلون عنه انتهاكا وامعانا بالفساد. هنا تنتصب المعادلة لتعبر عن جوهر ما يجري اليوم في لبنان. فالنظام يكشف عن وجهه الحقيقي غير آبه بما يعنيه ذلك. سليمان فرنجية حليف "حزب الله" وشريك التيار العوني في الحكومة، وابن علاقة الاستتباع مع النظام السوري، ومرشح سعد الحريري لرئاسة الجمهورية وزعيم زغرتا، كل هذه الأوصاف تكثفت في يوم مؤتمره الصحفي، ونجم عنها إعلانه أنه سيحمي موظفا يتهمه القضاء بالفساد!

جرى ذلك في وقت كثفت فيه السلطة التي صدر عنها فرنجية، إجراءات القمع والحد من الحريات. فعلت ذلك لتفسح لفرنجية وأشباهه الكثر المجال لمزيد من الغطرسة. القضاء العسكري استدعى أيمن شروف بسبب كتابات "نالت من هيبة المؤسسة العسكرية". علينا أن نقرأ هذه العبارة في ضوء كلام فرنجية. فهنا الحديث عن هيبة كل ما تمثله الدولة من معاني. شروف لم يعلن أنه يخبئ فاسدا في منزله، ولم يقل إنه شريك في توزيع مغانم الدولة ولن يقبل بفتاتها. 

والسلطة أيضا استدعت ديما صادق، أيضا بسبب ما قالته أو كتبته، وهنا أيضا علينا أن نستقبل خبر استدعاءها في ضوء كلام فرنجية. كل شاردة وواردة في هذه الدولة وفي هذا البلد علينا أن نعاينه في ضوء ما قاله الشريك الأصغر في هذا التحالف الذي يحكم لبنان منذ ثلاثة عقود.

الدولة العميقة هي "حزب الله" وليست جبران باسيل أو ميشال عون. "حزب الله" لن يترك فرنجية وحيدا

لكن فرنجية محق أيضا، وهو إلى ذلك، يحاول ألا يكذب على اللبنانيين. قال أنا ابن هذا النظام، وأنا شريك فيه، وأريد حصتي منه، وفي سياق كلامه قال أيضا إن لبنان ليس بلدا نفطيا، وإن الفساد الذي يتهم فيه الموظف الذي يحميه، جرى في وزارة على رأسها وزير عوني منذ أكثر من عشر سنوات، وهذه الوزارة تولت إفلاس لبنان، وأن الفشل والفساد لا يقتصر على رَجُلهِ، وهو لن يسلمه إلى قضاء منحاز لخصومه الذين هم شركاؤه في دولة الفساد والارتهان.

كل ما قاله فرنجية صحيح. القاضية التي استدعت الموظف، هي اليوم في منصبها لأن رئيس الجمهورية لم يمرر التشكيلات القضائية التي طلبت نقل القاضية من موقعها. وفرنجية الذي يطالب بحصته من جبنة الفساد، يفعل ذلك مدركا أن حصته أقل من حصة الشركاء الأكبر في الدولة وفي الطائفة وفي الحكومة. وهو إذ ينجح بتعيين مدير في وزارة الطاقة، لا يطمح، بفعل واقعيته، إلى تعيين وزير لهذه الحقيبة التي أدرت ذهبا لأصحابها في التيار العوني، وجرت على اللبنانيين انهيارا اقتصاديا وماليا هائلا.

نظام الفساد والفشل والاستتباع يعيش اليوم أحد تجلياته. السياسيون الفاسدون من أركانه يتقاطرون على القضاء لـ"كشف الفساد"، وهم كانوا بأنفسهم حولوا هذا القضاء إلى جزء من مساحات نفوذهم وقسموه حصصا يتنازعون حولها. وسليمان فرنجية ظهر غاضبا في يوم مؤتمره الصحفي، لأن نصابا سياسيا وقضائيا تم تشكيله في غفلة منه. شعر الرجل أن النظام بصدد الانقضاض عليه، وهو الذي نشأ في ظله وتحت رعايته. انتفض الرجل وأخرج ما بجعبته من أوراق. النظام بدوره لن يخذل ابنه، فالدولة العميقة هي "حزب الله" وليست جبران باسيل أو ميشال عون. "حزب الله" لن يترك فرنجية وحيدا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.