A Tunisian women holds a banner reading "Secularism to live together" during a demonstration on May 27, 2018 in Tunis to…
تظاهرة في تونس رفضا لاعتقال غير الصائمين (أرشيف)

في المغرب، إلى جانب أخبار الجائحة، والتداعيات الاقتصادية، وأرقام العدوى، وعدد الاختبارات التي يتم إجراؤها يوميا؛ يمكنك، ذات صباح، أن تصادف خبرا مفاده "توقيف شابين في الثلاثينيات من العمر ضُبطا متلبسين بالإفطار العلني بين الأشجار"... بينما تتحدث مصادر أخرى عن إيقاف خمسة آخرين في أماكن متفرقة، بنفس "التهمة".

الخبر ليس نكتة... ولا هو موضوع كاميرا خفية رمضانية. هو للأسف ترجمة للبؤس الحقوقي والقانوني... وحتى لبؤس المنطق الذي نعيش به ونتعايش معه؛ وذلك في وقت يمر فيه المغرب (كما العالم) بظروف استثنائية وبأزمة صحية عالمية تقتضي أن تركز الدولة جهودها في التصدي للجائحة صحيا واجتماعيا واقتصاديا.

ومع ذلك، تجد السلطات الوقت والفرصة، بل والتبرير المنطقي، لإلقاء القبض على أشخاص راشدين بتهمة عدم الصوم.

خارج "داعش"، أين تصبح عدم ممارسة فريضة دينية، موجبة لعقاب من طرف السلطة؟

ثم، لنعد لأبجديات القضية: هل نصَّ القرآن على عقوبة السجن (من طرف السلطة) أو العنف (من طرف الأفراد) في حق غير الصائم؟

هناك اليوم في المغرب فصل في القانوني الجنائي يعاقب بالسجن كلَّ شخص عرف بكونه مسلما (كيف يُعرَف بأنك مسلم؟ هل يكفي أن تولَد لأبوين مسلمين لكي تكون بدورك مسلما؟) ضبط متلبسا بعدم الصوم في الفضاء العام.

ليس دور الدولة أن تحرص على دخولنا الجنة. دور الدولة أن توفر الصحة والتعليم والأمن والبنيات التحتية. أن تضمن التعايش بين المواطنين على اختلاف معتقداتهم

وهذا يطرح مستويين من العبث، يفترض في الواقع أن يكونا مصدر ألم حقيقي لكل منا:

أولا، هناك اليوم جائحة صحية عالمية اسمها كورونا. هناك أفراد يخرقون الحجر ويعرضون حياتهم وحياة وصحة غيرهم للخطر. هؤلاء يحتاجون للمراقبة ما لم تكن لهم أعذار معقولة. في كل يوم نسمع عن بؤر جديدة للفيروس... نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لأن تقوم السلطات بدورها في فرض احترام إجراءات الحجر الصحي وتتبع المخالفين. أما من يصوم أو يفطر، فله علاقة مع ربه يجازيه أو يعاقبه عليها.
الحماية من جائحة كورونا أكبر من مراقبة معتقدات الآخرين.

هذا طبعا إن كان من المنطقي أساسا أن نراقب معتقدات الآخرين... قبل كورونا وخلالها وبعدها.

ما الذي يفرقنا عنها حين نعاقب بالسجن النافذ شخصا راشدا اختار ألا يطبق إحدى شعائر دين الأغلبية، حتى لو لم يكن له أي عذر شرعي؟

وهذا هو المستوى الثاني من العبث: لا مكان للفصل 222 من القانون الجنائي في دولة تحترم نفسها ومواطنيها. لا يمكننا أن نعبئ كل أجهزة الأمن والقضاء ومديريات السجون، ونحرم مواطنا من حريته ونمتهن كرامته... بسبب ممارسة (أو عدم ممارسة) دينية. ما الفرق بيننا وبين السلطات الدينية المتطرفة التي تعاقب الناس لأنها، من منظور منطقها الخاص، تراهم مخالفين للشريعة؟ ألسنا نُستَفَزّ من "داعش" التي تعتقل الناس أو تعاقبهم بسبب خصلة شعر ظاهرة أو صلاة لم تؤدَّ في وقتها؟ ما الذي يفرقنا عنها حين نعاقب بالسجن النافذ شخصا راشدا اختار ألا يطبق إحدى شعائر دين الأغلبية، حتى لو لم يكن له أي عذر شرعي؟

منذ متى كان دور الدول والحكومات، مراقبة تدين أو عدم تدين الآخرين؟

لعلنا نحتاج لتكرارها كثيرا، حتى يستوعبها العقل: ليس دور الدولة أن تحرص على دخولنا الجنة. دور الدولة أن توفر الصحة والتعليم والأمن والبنيات التحتية. أن تضمن التعايش بين المواطنين على اختلاف معتقداتهم.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، قد يكون مشروعا أن نعتبر أن للدرك والشرطة دورا أهم بكثير من تتبع وضبط "أشخاص راشدين يأكلون بين الأشجار!".

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.