People buy dried fruits and nuts at a market ahead of the Muslim holy month of Ramadan, during the novel coronavirus pandemic…

مُني الأردن بانتكاسة مفاجئة في حربه ومواجهته مع فيروس كورونا، فبعد ثمانية أيام على خلوه من الإصابات وتسجيله "أصفارا" باكتشاف المرض، صُدم الشارع بتسلل سائقي الشاحنات القادمين من حدود "العِمري" مع السعودية دون حجر صحي يمتد لـ 17 يوما، كما كانت تعلن الحكومة، مما تسبب في نقل العدوى لما يُقارب 50 شخصا عبر أحد السائقين المصاب بالمرض.

أصابت هذه الحادثة الأردنيين بحالة من الذعر، وشعروا بالإحباط، وبالعودة للمربع الأول بعد أن ظنوا أن زمن الخطر صار خلف ظهرهم، وأن الحياة ستعود لطبيعتها عاجلا، وسارع ما وقع من تقصير بالإجراءات الوقائية من تصاعد حملة النقد للحكومة.

حتى الآن انشغل الناس وحتى النخب السياسية والباحثين في التعامل مع التداعيات الصحية والسلامة العامة لجائحة كورونا، وغرقوا في تفاصيل تقييم الإجراءات المتعلقة بـ "أوامر الدفاع" وحظر التجول، وتأثيرها على حياتهم اليومية، وتوقفوا مُطولا عند الأثر الاقتصادي المباشر وغير المباشر للأزمة.

في ظل هذه الجائحة غير المسبوقة لم يقترب الكثير من السياسيين والإعلاميين إلى ما صنعه فيروس كورونا بالسياسة الخارجية، والمتغيرات التي شهدتها المعادلات الإقليمية والدولية، والذهاب أكثر عمقا في التحديات الداخلية بعد أن يطوق الأردن والعالم هذا الفيروس، أو يجدون لقاحا يُنهي حالة الرعب منه.

كورونا العدو البيولوجي الفتاك أشبه بحرب عالمية تخوضها الشعوب المتقدمة والنامية

في غمرة الانشغالات أطلق مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية "كُراسا" تحت عنوان "الأردن ما بعد مرحلة كورونا.. التحديات والخيارات" جمع بين دفتيه مجموعة من الأوراق لسياسيين، وباحثين، ومسؤولين سابقين في الدولة، ورغم حشد الأسماء البارزة في الكتاب، وتعدد عناوين الأوراق التي سعت للإجابة على أسئلة مفصلية، فإن هذا الجهد لم يسلم من سيل الانتقادات، بعضها اعتبر المشاركين من "لون" واتجاه واحد أو مُتقارب، أو كما يقولون من "نفس العُلبة"، أو عابوا عليه غياب أسماء وازنة كان يجب أن تُسهم في تشخيص الواقع الذي تمر فيه البلاد، وآفاق المستقبل.

الكُراس الذي لم يُطبع، ووزع إلكترونيا تضمن ثلاثة فصول رئيسية، الأول عن السياسة الخارجية في عهد كورونا وتداعياته، والثاني عن السيناريوهات الدستورية والسياسات الداخلية، والثالث عن السياسات الاقتصادية في مرحلة كورونا وما بعدها، بالإضافة إلى ملخص تنفيذي، ومقدمة، وخاتمة، ونتائج، ولعب الباحث والوزير السابق محمد أبو رمان دورا هاما في إنجازه.

مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدكتور زيد عيادات في مقدمة الكُراس شرح الرؤى المُتباينة في العالم لجائحة كورونا، فأضاء على أن البعض يرى أن تبعات وأثار هذا الوباء ستطال قواعد اللعبة الدولية، وتغير في موازين القوى وتركزها واتجاهاتها، ويُبشر بعالم مختلف تماما عن الذي نعرفه ونعيشه، مُشيرا أن هؤلاء يعتقدون أن مركز الثقل الدولي سينتقل إلى آسيا، وتلعب الصين دور القيادة والريادة.

وفي مقابل هذا التصور يركز على أن الكثير من خبراء السياسة والعلاقات الدولية يطرحون رؤية مُتناقضة تجزم على أن العالم سيعود إلى سابق عهده من دون سيطرة للصين، وسيبقى تنافس القوى الكبرى، وستزيد التهديدات السبيرانية وحروب التكنولوجيا، والإرهاب.

وبعيدا عن هذا وذاك، فإنه يوضح أن مواجهة وباء كورونا العدو البيولوجي الفتاك والخفي أشبه بحرب عالمية تخوضها الشعوب المتقدمة والنامية معا للحفاظ على حياة المواطنين، والأنظمة الصحية، وهو ما استدعى إعلان حالات الطوارئ.

المهم في أوراق العمل التي يحويها هذا الكتاب البحث في المقاربات التي أحدثها ويُحدثها وباء كورونا في الداخل الأردني، وربما الحديث في المسكوت عنه، فالدكتور عزمي محافظة أستاذ علم الأوبئة والفيروسات في الجامعة الأردنية، ووزير التربية السابق يُشخص الوضع الصحي والوبائي بالقول "الحالات لا تزال قليلة نسبيا وأكثرها قادمة من الخارج"، لكنه يستدرك للتأكيد أن "العدد الحقيقي للحالات أكبر مما هو مُكتشف وهذا أمر منطقي ومتوقع إذا ما أخذنا عدد الفحوصات التي أجريت في الأردن".

في موازاة ما تحدث عنه الكاتب فهد الخيطان في ورقته، عن صورة الدولة التي تُقدم أفضل رعاية لمواطنيها في فنادق خمسة نجوم أبهرت الكثيرين في العالم وأحيت اللفتة مشاعر الولاء الدفين، وأعادت إلى الأذهان أياما حافلة كانت فيها الدولة الأب الراعي والحنون لشعبها، فإن الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة يُحذر من الخطر الأكبر ووصول الغليان المجتمعي الناجم عن الغلق لمعظم مجالات الحياة إلى نقطة يُساوي فيها الفرد بين خطر إصابته بالفيروس وخطر الموت جوعا بسبب الانقطاع الكلي لمصادر الدخل.

الوباء وحّد الشعب بأكمله بعيدا عن الاعتبارات العشائرية والإقليمية فهل تستمر بعد كورونا؟

مع مرور ما يُقارب الشهرين على قانون الدفاع، وإعلان الحكومة لحظر جزئي وشامل أحيانا، لم تعد هذه التوجهات مرحب بها ومرغوبة كثيرا من الشارع رغم طغيان التأييد لها عند بداية الأزمة للحفاظ على سلامة الناس، ولهذا فإن السبايلة يدق ناقوس الخطر، مؤكدا أن استمرار حظر التجول لمدة أطول سيزيد الغليان المجتمعي بصورة مُطردة، وسيزيد عدد من يخرقون الحظر، ويُكمل بالتنبيه إلى خطورة خلق بؤر ساخنة تُهيء لظهور التنظيمات الإرهابية التي ترى في الفوضى مناخا مناسبا لعودتها للمشهد من جديد.

كثيرة هي الأفكار التي بطرحها الكُراس، وما يشغلني كان البحث عن التفاصيل المحلية الغائبة عن البحث في الأزمة، فالاقتصاديون انشغلوا في الإجابة عن المديونية والقروض، وارتفاع معدلات البطالة، ولم يقترب كثيرون من التحولات الممكنة لبنية المجتمع الأردني. لم نسمع إن كانت هذه الوحدة الوطنية في جائحة كورونا ستستمر أم ستتلاشى عند عودة الحياة إلى طبيعتها؟ وهل تُنهي الأزمة ظواهر التنمر على سيادة القانون؟ وهل سيتراجع الحديث عن تفشي الواسطة والمحسوبية والفساد؟ 

وتأتي أسئلة رئيس الديوان الملكي الأسبق الدكتور عدنان أبو عودة لتكشف جرحا غائرا، ففي ورقته يقول إن الوباء وحد الشعب بأكمله بعيدا عن الاعتبارات والمصالح الفئوية، سواء أكانت عشائرية أو طائفية أو إقليمية أو إثنية، ويتساءل هل ستستمر هذه الظاهرة في اليوم التالي لكورونا لتصبح الوطنية هي البنية الرائدة للدولة؟ وهل سيستعيد القانون هيبته في اليوم التالي لمواجهة الفساد؟

منذ عودة الحياة البرلمانية عام 1989 لم تنجح خطط الإصلاح السياسي في الأردن، وبقيت المراوحة بذات المكان سيدة الموقف، أحيانا تستثمر السلطة السياسية في ملفات الإصلاح لعبور أزمة عاصفة، ولكن ذلك مؤقت وعابر، وهو ما دفع السياسي والكاتب جميل النمري ليرى أن الأردن يحتاج لرؤية سياسية ليخرج ويتعافى من الوباء، ويذهب إلى طرح سيناريو ديمقراطي اجتماعي يعتقد أنه البديل لما اعتمد من سياسات في العقود الأخيرة.

انكفاء الدول على أولوياتها الوطنية، وحماية مجتمعاتها كانت المدخل لمطالبات بإعادة المكانة للدولة المركزية، حتى الذهاب إلى الحديث عن تأميم الخدمات العامة، والشركات الكبرى.

النمري يؤكد أن معالجة الأزمة ليس تقنيا وماليا، بل "رؤيوية" مُتعلقة بالخط الاقتصادي الاجتماعي المُقبل، وبوضح فكرته بالقول "يجب التفكير في المفهوم السائد للنمو، والثقافة الجالبة لمفهوم الرفاه والاستهلاك"، ويدعو إلى الذهاب لمفهوم بأن نكون أفقر ولكن أسعد، نعمل أكثر ونعيش بكلفة أقل، والتكيف وفق هذه القيم والمفاهيم".

استعادت الحكومة في أزمة كورونا ولايتها الغائبة، أو هكذا تبدو للناس، وأصبحت مركز القرار، وغابت عن المشهد المرجعيات التي تنهش من صلاحياتها، وتُقزم دورها، وهذا حظي بالتفاف وثقة شعبية، وهو ما يلتقطه النمري للدعوة للتركيز على الحكومة كصاحبة قرار وولاية، بدل التشتت والانفصال في مركز القرار، حتى تستعيد الحكومة الثقة والهيبة والقبول بعدما كانت تواجه بالاستخفاف وقلة الاعتبار والشكوك.

العدد الحقيقي لحالات كورونا في الأردن أكبر مما هو مُكتشف وهذا منطقي إذا ما أخذنا عدد الفحوصات التي أجريت

تحديات كثيرة ناقشتها الأوراق التي قدمها المشاركون بالكتاب، وتستحق البحث المُستفيض بالاتفاق والنقد، تتقدمها فكرة وضرورة اعتماد الأردن على الذات بعد أن ولّى عهد المساعدات الخليجية المباشرة لاعتبارات اقتصادية وسياسية تُتوح الآن بالتراجع الكبير في عائدات النفط.

سياسيا يعود الحديث إلى ما يسمى بـ "صفقة القرن" التي اختفى حضورها في ظل وباء فيروس كورونا، لكن المؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كان المستفيد الأول من الجائحة يتستر بغياب المسرح السياسي، وانشغال العالم لشرعنة الاستيطان، وضم مزيد من الأراضي.

قبل نهاية العام سيكون الأردن مُطالبا بترتيب أولوياته للمستقبل، والتغلب على التحديات الناجمة عن جائحة كورونا، فالزمن لن يتوقف، والدول تُضمد جراحاتها، وتمضي للبناء وشحذ الهمم، وما هو مؤجل عليها أن تتعامل معه وتُعالجه، وربما تكون في قائمة الأولويات مصير الانتخابات البرلمانية التي من المفترض أن تجري هذا الصيف، وهذا يفتح الباب لأسئلة من نوع؛ هل تُريد الدولة أن تُعيد إنتاج المؤسسة البرلمانية التي ظلت في الثلاثة عقود الماضية ليست أكثر من ديكور يُجمل المشهد الديمقراطي لا أكثر، أم آن أوان التغيير الذي فرضته الأزمة؟ وهذا أيضا من الأسئلة الحائرة التي ألقت ظلالا عليها المناقشات غير أنها لم تُحسم.

مناقشة تفاصيل الأوراق لا تُسعفه مقالة، وأزمة الأردن لم تُخلق مع كورونا، بل عمقتها في جوانب، وكشفت عن قدرات خبيئة للدولة انتشلتها في عز الحاجة والجائحة، ويبقى الهاجس كيف نخرج منتصرين ليس في حربنا مع الوباء فحسب، بل ببناء مجتمع جديد قادر على اللحاق بركب التنمية والتطور والإنسانية، ويُنهي حالة الغليان، ويطفئ الجمر المشتعل تحت الرماد؟

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.