الراحل هو أحد كتاب مقالات الرأي في موقع الحرة
الراحل هو أحد كتاب مقالات الرأي في موقع الحرة

منذ أن بدأت جائحة كورونا تزداد انتشارا وتوسعا في معظم دول العالم، وتتموضع بأقسى حالاتها وأشدها ضراوة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، أضع قلبي على يدي كل يوم خشية أن يصلني خبر محزن عن إصابة أحد من الأقارب، أو الأصدقاء من السوريين الذين توزعوا بين المدن الأوروبية والأميركية وباقي دول الشتات، أو من الأصدقاء الأحباء من غير السوريين، الذين يواجهون حتى الساعة، هذه الجائحة بذعر وصبر وترقب، شأنهم شأن معظم أفراد البشرية التي منيت بهذا البلاء العظيم.

خلال الأشهر الثلاث الفائتة، تناقلت المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي أخبارا مؤسفة عن وفاة العديد من السوريين خارج بلدهم  بسبب فيروس كورونا، معظمهم أطباء وعاملون في المجال الطبي، كان لفقدانهم وخسارتهم أبلغ الأثر النفسي لدى مواطنيهم، وكل من تلقى خبر رحيلهم إثر هذه الجائحة الملعونة، ومع كل وفاة لأحدهم، كان الانطباع الحزين السائد، هو الإحساس الطاغي بالخسارة المدوية المضاعفة مرتين، لوفاتهم الفيزيائية المفاجئة أولا، ولعدم المقدرة على إرسال جثامينهم لدفنهم في تراب موطنهم مع ذويهم، بسبب تعطل الطيران، والمخاطر التي فرضها هذا الفيروس فيما يخص آليات مراسم الدفن، والحرمان من المشاركة في طقوس الصلاة، وتلقي العزاء فيهم بما يليق بهم.

رياض عصمت، لم يكن صديقا شخصيا لي وللعديدين فقط، هو أستاذ ودكتور ومثقف سوري بارز، يليق به وبتاريخه واجب التحية والعرفان، إذ يعتبر واحدا من أبرز "الشكسبيريين" المخلصين

أكتب هذه المقدمة وأفشل مرارا في محاولة تقمص الحيادية اللغوية والهروب بالكلمات خشية الوصول إلى هذه النقطة، حيث سأجد نفسي أواجه الحقيقة والقدر، وأنعي صديقا خاصا، هو الدكتور رياض عصمت، الزميل في موقع "الحرة" الرقمي، وأحد كتاب الرأي في "من زاوية أخرى"، الذي تلقيت بأسف شديد، مع كل زملائه ومواطنيه وأصدقائه ومحبيه وقرائه، صدمة نبأ وفاته في وقت مبكر من صباح يوم الخميس الرابع عشر من مايو 2020، إثر إصابته بفيروس كورونا ووفاته في الولايات المتحدة الأميركية.

رياض عصمت، لم يكن صديقا شخصيا لي وللعديدين فقط، هو أستاذ ودكتور ومثقف سوري بارز، يليق به وبتاريخه واجب التحية والعرفان، إذ يعتبر واحدا من أبرز "الشكسبيريين" المخلصين، ممن استطاعوا مقارعة النتاج والأثر الشكسبيري الإبداعي العالمي العظيم، ونقله وترجمته عمليا، ضمن أعمال فكرية وإبداعية كثيرة، تراوحت بين المقال الصحفي والدراما التلفزيونية والعروض المسرحية، والعديد من الكتب التي رفدت الثقافة السورية في هذا الإطار لسنوات طويلة.

الانطباع العام الذي تركه الأستاذ الدكتور رياض عصمت في كل من عرفه، سواء أصدقائه، أو طلابه في المعهد العالي للفنون المسرحي في دمشق الذي درّس فيه لسنوات، أو بصفته عميدا للمعهد لاحقا، أو عموم العاملين في المجال الفني الدرامي والمسرحي الذين جسدوا عمليا نصوصه المكتوبة، أو قادهم كمخرج في العديد من أعمال الدراما، والمسرح بشكل خاص، يتحدثون جميعا عن دماثة ولطف وكياسة هذا الرجل كانطباعات عامة، كانت بارزة وطاغية على شخصيته طوال الوقت. يضاف إليها أبرز صفة من صفاته وهي الانفتاح على العالم وتبنيه الذاتي لمفهوم الانفتاح كسلوك شخصي وعملي من قبله. 

وهي مواصفات لم تتوفر في بعض أبناء جيله من المثقفين البارزين الذي أظهروا في سلوكياتهم كثيرا من الانغلاق والنرجسية والتعالي على الجمهور، كما تعني فيما تعنيه، صعوبة العراك في وسط ثقافي غير صحي، يميل بعض أفراده إلى التوحش أحيانا من أجل نيل الفرص وتحقيق المكتسبات. 

هذه المواصفات الشخصية المذكورة التي تمتع بها الدكتور عصمت، كانت في الحقيقة، جزءا أصيلا من صميم تربيته الأسرية، ومن صميم شخصيته المكتسَبة، قام بتدعيمها وتأصيلها عبر فعل التثقيف الذاتي وناتجه، بحيث حوّل هذا الناتج الثقافي الشخصي، إلى سلوك إنساني مغاير، رقيق المعايير والأدوات، يشبه مفهوم القوة الناعمة، التي تكسر الحواجز الواهية مع الآخر، وتقرب في المسافات وتدعمها، كما تساعد حاملها، على نقل فكره بصياغات لغوية، ذات تأثير ثقافي هام، وأثر إنساني دائم، وبشكل مختصر، وكما جاء في قوله تعالى "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ"، كان يكفي للدكتور عصمت أن يبتسم، حتى تتكشف بثوان طيب الروح والمحيا، وعمق الذات، أضاف إليها اجتهاده وسعيه الطويل للعمل على ذائقته وثقافته الذاتية، التي لم تتوقف حتى قبل وفاته بأيام قليلة.

ساهم الدكتور عصمت، دون معرفة شخصية، ودون تكلف أو منّة، في لعب دوره الثقافي الحقيقي والصادق، وإلقاء الضوء على العديد من المواهب السورية التي تبلورت فيما بعد وتابعت دربها الإبداعي

من الصعب أن يفصل المرء أحيانا بين الشخصي واللاشخصي، وبخاصة في مواجهة خبر مفجع وصادم يتعلق بصديق، هو شخصية اعتبارية، سيتحدث المختصون والأيام اللاحقة عن أثره المدون الذي تركه خلفه، وسيتحدث المحبون عن أثره الإنساني والوجداني الذي تركه في أنفسهم لزمن طويل، وببعض الشفافية، يمكن القول، وكما عبّر المفكر السوري وأحد رواد النهضة العربية عبد الرحمن الكواكبي، بأن مجد الانسان، المجد الحقيقي، هو محبة الناس له.

أدين للدكتور عصمت، شأني شأن الكثيرين من أبناء جيلي من أصحاب الشأن الإبداعي والثقافي، حيث كان للدكتور عصمت الفضل في التعريف بأسمائنا وتعريف الجمهور بإبداعاتنا الأولية، ونحن في بداية تلمس طرقنا نحو تحقيق موطئ قدم في الخارطة الثقافية السورية، ساهم الدكتور عصمت، دون معرفة شخصية، ودون تكلف أو منّة، في لعب دوره الثقافي الحقيقي والصادق، وإلقاء الضوء على العديد من المواهب السورية التي تبلورت فيما بعد وتابعت دربها الإبداعي.

قاس جدا أن أرثي صديقا، وأستاذا، يغيب في غفلة عنا، بعيدا عن وطنه، وأنا أتخيل معاناته المضاعفة الأخيرة وهو يفكر في احتمالات رحيله خارج البلاد، لكن العزاء، كل العزاء، أنه زرع في كل أرض أصدقاء ومحبين كثر، أثق أنهم سيتولون مهمة وداعه بما يليق به، وتقديم الإحاطة العاطفية لأسرته المفجوعة.

وداعا الأستاذ الدكتور رياض عصمت. لروحك السلام، ولأسرتك وأسرة "الحرة"، وجميع محبيك، خالص العزاء.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.