Several hundred Lebanese people protest in the northern city of Tripoli on April 17, 2020 despite the country's coronavirus…
متظاهرون في مدينة طرابلس شمالي لبنان ضد الفساد والهدر

في 21 يونيو 2019 نشرت، في هذه الزاوية، مقالا بعنوان "لصوص... لبنان!". موضوعه معابر التهريب بين لبنان وسوريا.

واليوم، عاد هذا الملف إلى الواجهة اللبنانية مجددا، من النقطة نفسها التي كانت قد أثيرت، قبل أحد عشر شهرا، وكان آخرون قد أثاروها، تباعا، منذ خمسة عشر عاما.

ومن متابعة هذا الملف المرهق ماليا واقتصاديا للبنان، يظهر، بشكل لا لبس فيه، أن المسؤولين اللبنانيين، على تنوع انتماءاتهم، يعرفون أدق تفاصيله، ولديهم خرائط واضحة عن المعابر غير الشرعية، كما عن الثغرات التي يحكم بها غير الشرعيين ضمن المعابر الشرعية نفسها.

وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في كلمة متلفزة خصصها للدفاع عن نفسه صدا لهجوم يتعرّض له، كشف، قبل أسابيع قليلة، كلفة التهريب من لبنان إلى سوريا، فحدد أنه على مدى خمس سنوات استورد لبنان لـ"حاجة غيره" مواد تصل قيمتها إلى عشرين مليار دولار أميركي، موزعة بمعدل أربعة مليارات دولار سنويا.

وهذا الرقم الذي حدده سلامة أوّلي، لأن لبنان كان، على مدى الخمس سنوات الأخيرة، يوفّر الدولارات من الخارج، بفوائد مرتفعة ومتراكمة تتراوح بين 8 و14 بالمئة سنويا.

وتصبح لهذا الرقم ميزة خاصة، عندما نعرف أن الحكومة اللبنانية الحالية تطمح إلى استقطاب ما مجموعه عشرين مليار دولار أميركي، من "صندوق النقد الدولي" ومن الأموال الموعودة لـ"لبنان الصالح" في مؤتمر "سيدر" الباريسي.

وهذا يفيد بأن لبنان، خلال الخمس سنوات الماضية، خسر بتهريب مواد أساسية، مثل الفيول والطحين، من احتياطاته بالعملات الصعبة، ما يفوق حجم طموحاته الاستقطابية الحالية للأموال.

مشكلة وجهة النظر هذه التي يحميها سلاح ومال إيرانيان وعقيدة من الطبيعة نفسهـا، أنها يستحيل أن تفرض نفسها إلا على ركام الدولة

هذه الكارثة المالية ـ الاقتصادية كان يمكن تجاوزها، لو أنها أصبحت فعلا ماضيا، لكن الأمور ليست كذلك، إذ يتضح أنها ليست فعلا حاضرا فحسب بل هي "فعل مضارع"، أيضا.

ومن يراهن على مصداقية الحكومة اللبنانية لوضع حد لهذا التهريب، بموجب مقررات اجتماعها الأخير، يجهل طبيعة التركيبة السلطوية اللبنانية، فالمهربون ليسوا عصابة خفية تخرق القانون بحرفية، بل يشكلون مجموعة من صلب السلطة نفسها، لها "فلسفتها"، وتملك ما يكفي من قدرات لفرض إرادتها.

ويكفي في هذا الإطار، الالتفات إلى ما قاله الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في آخر إطلالاته التلفزيونية، إذ اعتبر أن مكافحة التهريب بين لبنان وسوريا مهمة مستحيلة من دون تنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية.

و"حزب الله" في موضوع التهريب هذا، ليس مجرد صاحب رأي، بل هو "متهم"، بأدلة مادية ومنطقية.

وهذا "المتهم" هو في آن "سيّد الحكومة" التي يراهن عليها البعض، بسذاجة، لوضع حد لواحدة من أسباب إيصال لبنان إلى كارثته الراهنة.

والحل الذي طرحه نصرالله لمكافحة التهريب مثير للسخرية، ليس لأنّ "المتهم" ينصّب نفسه مشترعا وقاضيا، فحسب بل لأنه "يستغبي" اللبنانيين وجميع المهتمين بهذه المسألة الشائكة.

ومرد هذا الاستغباء أن نصرالله يوحي وكأنّ التهريب المشكو منه يجري على بغال وحمير تعبر منافذ وعرة، مما يقتضي انتشارا واسعا على طول الحدود التي تفصل لبنان عن سوريا. في الواقع، إن هذا التهريب يتم، بواسطة صهاريج وشاحنات، و"على عينك يا تاجر".

أكثر من ذلك، إن الجهة السورية التي يشترط نصرالله التفاوض معها لمكافحة التهريب، متهمة هي الأخرى، بالتكافل والتضامن مع "حزب الله"، ذلك أن المخابرات السورية هي التي تستقبل الصهاريج والشاحنات المحملّة بالمواد المهرّبة من لبنان، وتستفيد منها، استعمالا واتجارا وكسبا.

أكثر من ذلك، فإنّ "حزب الله" الذي ألحق أضرارا كبيرة بلبنان، عندما ذهب ليحارب إلى جانب النظام السوري، رغما عن أنف لبنان، كان يمكنه، لو لم يكن متورطا، ورغما عن أنف لبنان أيضا، تقديم خدمة لبلاد الأرز المأزومة ولشعبها المنهوب، بتوسيع تنسيقه مع النظام السوري، لضرب التهريب والمهربين.

على أي حال، فإن تورط "حزب الله" والمخابرات السورية بملف التهريب، شكّل الخلفية التي ظهرت في قرارات الحكومة التي هدفت، في الواقع، إلى احتواء "الفضيحة" وليس إلى وضع حد لها.

هذه الحكومة التي تنبش ملفات خصومها وترفع شعار استرداد المال المنهوب، ضربت، في ملف التهريب الذي يعتبر ثاني أضخم أسباب الكارثة المالية في لبنان بعد ملف الكهرباء، صفحا عن الماضي، وتجاهلت العصابة المنظمة، وكرست اهتمامها على ما تعثر عليه مهرّبا على الطريق، من الآن فصاعدا.

ويشكل ملف التهريب وطريقة التعامل معه على الرغم مما كبده للبنان من خسائر، مجرد نموذج عن المقاربات الرسمية المخادعة للمشكلات اللبنانية المتراكمة.

وهذه المقاربات لا تبشر بمستقبل واعد، حتى لو تغاضى المجتمع الدولي عن المواصفات السياسية والإصلاحية المفترض توافرها في أي دولة، ومنح لبنان بعض الأموال الملحة، درءً للجوع الذي يطرق أبواب اللبنانيين.

إنّ الأزمات الحادة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعجز الحكومات المتعاقبة عن حلها، ولو حسنت نيات القائمين عليها، تكمن في "استثنائية" دولة لبنان، المسكوت عنها، رضاء أم قسرا.

إن لبنان يحتاج إلى جهد كبير وتضحيات جسام، حتى يصبح دولة طبيعية.

ليس المهم من يؤيّد "حزب الله" أو يعارضه، ومن يعتبره "حركة مقاومة" أو "تنظيما إرهابيا"، بل المهم أن يتم احتساب كلفته على لبنان وعلى شعبه.

لبنان، خلال الخمس سنوات الماضية، خسر بتهريب مواد أساسية، مثل الفيول والطحين، من احتياطاته بالعملات الصعبة، ما يفوق حجم طموحاته الاستقطابية الحالية للأموال

أدبيات الجهات التي تعتقد بأنها تنطق باسم الدولة اللبنانية معقولة، ولكنها من دون جدوى، طالما أن "حزب الله" يمسك بالقرار، ليس بفضل حنكته وشعبيته وجهده، بل بفضل سلاحه الذي أذاق اللبنانيين، مرارا وتكرارا، طعمته الدموية المرعبة.

و"حزب الله"، في كل ما يتصل بالدولة اللبنانية، له وجهة نظر أخرى: في الحرب، في العلاقات الإقليمية، في التعاطي مع المجتمع الدولي وقراراته، في موقع إيران، في دور آل الأسد في سوريا، في وظيفة لبنان، في نظامه المصرفي، في دوره السياحي، وخلافه.

ومشكلة وجهة النظر هذه التي يحميها سلاح ومال إيرانيان وعقيدة من الطبيعة نفسهـا، أنها يستحيل أن تفرض نفسها إلا على ركام الدولة.

وفي المقابل، وحتى تاريخه، لا وجود لمن يملك القدرة على التصدّي. حتى الجهات التي كان يرجى منها الصمود تتعرّض للتفتيت. نظرة سريعة على حال القوى التي خرجت من الحكومة، كما على حال ثورة 17 أكتوبر، تكفي.

لسوء حظ الشعب اللبناني أنّ الطبقة السياسية تقدّم له كل يوم عرضا مسرحيا يسلّيه، مثل "صراع الأخوين" و"أطماع العديلين" و"قضاء المظلومين"، فيلتهي عن حقيقة مرة وموجعة ومكلفة، وهي أن الخارجين عن القانون... يحكمونه.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.