One of the Islamic militants from the fundamentalist Jamaa Islamiyya group accused of killing 26 policemen in attacks in 1992…
أحد أعضاء الجماعة الإسلامية، المتهمة بعدد من أعمال العنف في مصر ومن بينها اغتيال فرج فودة، خلال إحضاره إلى جلسات المحاكمة

مات فرج فودة ولم تمت أفكاره. وقف الرجل العظيم بمفرده مقابل جحافل القسوة والطغيان والعنف باسم الدين. لم يتردد، ولو للحظة، في قول الحق الذي لم يستطع أعداؤه من المتطرفين إلا أن يحاولوا قمعه بقتله بوحشية فخلدت أفكاره. شمس فرج فودة وأمثاله من المصلحين لم ولن تنطفئ.

نعم هم قتلوا جسدك يا شهيد القلم، ولكنهم لم ولن يقتلوا روحك الطاهرة التي تنبض حتى هذه اللحظات عبر الأثير وعبر شبكات الإنترنت لتعلن للعالم أجمع أن خفافيش الظلام لم تستطع قتلك يا فودة!

سؤالي اليوم هو: ماذا لو أدرك العالم الإسلامي عظمتك قبل موتك وانتصر لفكرك؟ وماذا كان سيحدث لو لم يحاولوا قتل روح الحق النابضة في كلماتك؟

أقول لك يا شهيد الكلمة ماذا كان سيحدث...

ـ كان العالم الإسلامي ليكون اليوم بلا إرهاب، وكان الملايين من الناس ستنعم بالسياحة العالمية قادمة إلى أوطانهم فيختفي الفقر والعوز عند كثيرين.

ـ ولم يكن تنظيم "داعش" ليولد من رحم الفكر المتطرف، ولم نكن لنرى أسواق النخاسة وبيع النساء في الأسواق يعود ليطل بصورته البشعة علينا في القرن الواحد والعشرين.

فكر من قتلوك يترنح أمام ضربات العقل التي تفتك به كل لحظة وبلا شفقة عبر عالم الإنترنت، فيسقط تدريجيا أمامها فيكون مثل "هشيم المحتظر!"

ـ ولم يكن الضابط الأردني "معاذ الكساسبة" ليموت حرقا بأيدي المتشددين الإسلاميين.

ـ ولم تكن الكنائس لتنفجر وتترك وراءها ثكلى وأرامل ويتامى يتألمون للأبد لفراق أحبائهم.

أقول لك يا شهيد الكلمة ماذا كان سيحدث أيضا لو اتبع العالم الإسلامي فكرك الرائع...

ـ لم نكن لنرى ظاهرة "الإسلاموفوبيا" أو كراهية الإسلام والتي نشأت بعد جريمة الحادي عشر من سبتمبر وانتهت بتدمير العراق ودك أفغانستان.

ـ ولم نكن لنرى إهانات يومية للإسلام وللرسول الذي صوره المتطرفون في كتبهم وكأنه زير نساء يجامع 9 منهن في ليلة واحدة كما روى البخاري.

ـ ولم نكن لنرى اتهامات للرسول بأنه مصاب بشذوذ ممارسة الجنس مع الأطفال كما ذكرت كتب تراثهم أنه تزوج طفلة ودخل بها وهي بنت 9 سنين!

ـ ولم نكن لنرى العالم يقول عن الإسلام إنه دين إرهاب بعدما قال لهم المتطرفون إن رسول الإسلام قال "عَن ابن عُمَر رَضِيَ اللَّه عنْهَما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلاَّ بحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى اللَّهِ" (مُتفق عليه).

ـ ولم نكن لنرى العالم يقول عن رسول الإسلام إنه مجرم حرب يسترق النساء في الحروب لاغتصابهن كسبايا حرب كما روت لهم كتب التراث عنه في قصة صفية بنت يحيى وغيرها من سبايا الحرب كما جاء في القصة التالية في كتب التراث "أن كنانة بن الربيع (زوج السيدة صفية بنت حييّ) والذي كان من يهود بني النضير رفض أن يدل المسلمين على كنوز قومه فأمر الرسول الزبير بن العوام ليعذبه حتى يدل المسلمين على مكان الكنز ولما أصر على عدم الاعتراف دفع به الرسول إلى محمد بن مسلمة فقطع عنقه ثم بعد ذلك قام عليه السلام بسبي امرأته صفية بنت حييّ وتزوجها في مقابل إطلاق سراحها!".

لو انتصرت أفكارك يا شهيد الكلمة وينبوع الحق لكان الآلاف من ضحايا الإرهاب يعيشون بين أحبائهم حتى يومنا هذا!

ـ ولم نكن لنرى العالم يقول عن الرسول الكريم إنه سفاح يفتك بمن يخالفه الرأي، كما ذكروا لهم في تراثهم المظلم الذي قال إن رسول الإسلام قتل امرأة عجوزا اسمها أم قرفة بصورة وحشية، لا لشيء إلا لأنها قالت شعرا تهجوه فيه، فكما جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد: "عمد قيس بْن المحسر إلى أم قرفة، وهي عجوز كبيرة، فقلتها قتلا عنيفا: ربط بين رجليها حبلا ثُمَّ ربطها بين بعيرين ثُمَّ زجرهما فذهبا فقطعاها".

لو انتصرت أفكارك يا شهيد الكلمة وينبوع الحق لكان الآلاف من ضحايا الإرهاب يعيشون بين أحبائهم حتى يومنا هذا!

كل هذا كان سيحدث لو سمع العالم الإسلامي كلامك يا فرج فودة!

لله درك يا فرج فودة فأنا أكاد أراك الآن تبتسم وأنت ترى أن فكر من قتلوك يترنح أمام ضربات العقل التي تفتك به كل لحظة وبلا شفقة عبر عالم الإنترنت، فيسقط تدريجيا أمامها فيكون مثل "هشيم المحتظر!".

أعرف أن كثيرين تكلموا عن وهاجموا المدعو "أحمد الرافعي" والذي حاول إهانتك وأنت لا تملك حق الرد عليه، ولكني لم أتكلم عنه في هذه الرسالة لأنه أقل من أن يذكر بجانبك يا شعلة الحق الخالدة: فرج فودة

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.