Men carrying relief walk along a deserted street as the sun sets during the fifty-two day of the lockdown imposed by the…
كل كائن بشري هو مشروع إنسان وبإمكانه أن يتطور في هذا الاتجاه والذي هو الغاية من وجوده

ثمة في كتابات المفكر السوري أدونيس الكثير مما يستفز، ولكنه دائما استفزاز جميل يحرض الفكر على الحركة والخروج من منطقة الأمان الثقافي والمعرفي، إلى مساحات لا مفكر فيها.. وهو الخروج الضروري واللازم لحدوث أي عملية تغيير أو إبداع حقيقية.

رفض الإنسان

يتساءل أدونيس: "لماذا يُعذّب أو يقتل الإنسانُ الإنسانَ انطلاقا من مُعتَقَد خاصّ هو غالبا ديني ـ عنصُري؟ علما أن الطبيعة لا تُعذّبه. وأن ما وراء الطبيعة لا يعذبه أيضا، وأن أسبابَ شقاء البشر ليست إلهية، وليست شيطانية، وأنها تصدر عن الإنسان ذاتِه، ومنه هو ذاتُه.

لماذا لا يكون شقاءُ الإنسان الشّغلَ الشّاغلَ الأوّل للإنسان، إذا كان إنسانا حقا؟

وبأيِّ عَدْل إذا أو دين يمكن العربيّ اليوم، أن يكره الفكرَ أو التعقُّلَ العلمانيّ، أو الحقوق المدنيّة، أو الحريات، أو يقبل بعدم المساواة بين الرجل والمرأة، أو بثقافة التكفير؟ أليس هذا كله رفضا للإنسان ذاته؟".

الكائن البشري وعيه متدن، وهو مقيد ضمن محدوديته، فلا يرى ما هو خارجه إلا انطلاقا من ذاته ومن مصلحته ومن معياره ومن قيمه ورغباته

الإجابة المباشرة على السؤال الأخير بالذات، بلى إنه رفض للإنسان، ولكن هذا ليس من قبل الإنسان نفسه. وإنما من قبل الكائن البشري الذي لم ينضج ولم يصل بعد إلى مرحلة الإنسان. هذا يحيلنا، إجبارا، إلى التمييز بين ما هو بشري وما هو إنساني، وما إذا كنا نتحدث عن إنسان أم عن بشر. قد تبدو هذه من قبيل المترادفات، لكنها ليست كذلك.

عمل إضافي

في أي مكان تنتشر الكراهية ويسود منطق الغلبة والعنف فاعلم أنه وإن يكن هناك بشر فإنه لا يوجد إنسان. فالإنسان ليس نتاجا لعملية بيولوجية كما يحدث مع سائر المخلوقات، بما فيها الكائنات البشرية. ولا يكفي وجود أبوين لخلق إنسان. الإنسان هو أعلى مرحلة في سلسلة تطور المخلوقات وهو نتيجة عمل إضافي يمر به الكائن البشري كي يتحول إلى إنسان.

فالكائن البشري من الناحية الجوهرية لا يختلف عن باقي المخلوقات، إذا تعلق الأمر بالوظائف الرئيسية، مثل الحركة والتكاثر والسعي للحصول على الطعام والاستحواذ على وسائل إنتاجه... إلخ. وحتى العقل واللغة لديه هما بمثابة الحواس التي عوض بها نقصه الجسماني كي تساعده في الصراع من أجل البقاء.

بينما الإنسان من الناحية الأخرى يتفرد من بين المخلوقات، من بين ما يتفرد، بإدراك أنه من أجل أن يبقى فإنه لا يحتاج إلى أن يخوض أي صراع. لأن فكرة الصراع والعنف الناجم عنه لا تليقان بالإنسان. فالبقاء ليس مرتبطا بأي من الوظائف الرئيسية تلك. إنه بقاء مستمر ومستمد من قيمة أعلى من الوجود نفسه.

بمعنى أن وجود الإنسان ليس مرتبطا بما يحيط به من موجودات، سواء كانت في يديه أو في أيدي الآخرين، وإنما في إدراكه بأن وجوده الحقيقي ليس معرضا للتهديد من أي شيء، لأنه لم يبدأ كي ينتهي.

الإنسان والبشر

في منطقتنا العربية، كما في مناطق أخرى في العالم، يمكن للمرء أن يجد الكثير من البشر حقا، ولكن ليس من السهل العثور على إنسان.

ما الذي يميز الإنسان عن الكائن البشري؟ الإنسان يملك وعيا متطورا وهو يستطيع أن يخرج من حيزه الصغير وأن يتجاوز ذاته، إلى ما هو أبعد منها، فيرى كل ما في الحياة، بما في ذلك الآخرين من منظورهم أيضا وليس فقط من منظوره الشخصي. وهو حين يفعل ذلك لا يمكن أن ينشأ بينه وبينهم أي تعارض أو تناقض. فاختلاف الآراء أو الأفكار هو اختلاف في زاوية النظر للأشياء وفي التجربة الشخصية لكل واحد، وليس اختلافا في الجوهر أو الأصل الكامن في كل منهم.

كل كائن بشري هو مشروع إنسان وبإمكانه أن يتطور في هذا الاتجاه والذي هو الغاية من وجوده

بينما الكائن البشري وعيه متدن، وهو مقيد ضمن محدوديته، فلا يرى ما هو خارجه إلا انطلاقا من ذاته ومن مصلحته ومن معياره ومن قيمه ورغباته. بالنسبة له فإن الآخرين ذوات منفصلة ومنافسة، إما أن يخضعوا لمصلحته ومعياره ويوافقونه الرأي، وإلا وجب عليه مواجهتهم والتغلب عليهم بطريقة من الطرق. والحروب والنزاعات والمشاحنات والمكايدات ليست سوى تعبير عن هذا الاتجاه، وإن لم تكن التعبير الوحيد، وإن اتخذت لها أسماء أو عناوين شتى.

رحلة التحول

وبالعودة إلى أسئلة أدونيس، فإن الذي يرفض الفكر ويرفض التعقل العلماني أو الحقوق المدنية أو الحريات أو الذي يرفض الآخر ليس هو الإنسان هنا، ولكنه الكائن البشري. والذي يقتل ويمارس العنف اللفظي والجسدي على هذا النطاق الواسع، والمنفلت من كل عقال، هو أيضا الكائن البشري وليس الإنسان. 

وقد كان من المتصور أن الأديان أو العقائد المختلفة تساعد الكائن البشري في التحول إلى إنسان. لكن من الواضح أنها، في حين قد توفر له هذه الإمكانية، فإنها لا تضمنها. بل أكثر من ذلك فإن الكائن البشري يستخدمها هي الأخرى لضمان تفوقه وإخضاعه للآخرين.

لحسن الحظ فإن كل كائن بشري هو مشروع إنسان وبإمكانه أن يتطور في هذا الاتجاه والذي هو الغاية من وجوده. ولعل أول خطوة على هذا الطريق هي أن يراقب المرء أفكاره وأقواله وأفعاله ومشاعره كي يعرف بالضبط أين موقعه في هذا السلم. فمتى عرف ذلك أصبح من السهل عليه أن يبدأ رحلة التحول.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.