A woman walks past Christ the Savior cathedral in central Moscow on May 14, 2020, amid the outbreak of COVID-19, caused by the…

أضرت جائحة كورونا مباشرة بصورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعطلت مسلسل انتصاراته الخارجية والداخلية. إلى درجة أنها وضعت مستقبله السياسي ومبايعته قائدا لروسيا إلى الأبد على المحك.

فبين عدم الشفافية بمصارحة الروس حول حجم تفشي الوباء منذ بدايته من أجل تمرير الاستفتاء الذي كان مقررا في 22 أبريل الماضي، حول مجموعة تعديلات دستورية تضمن بقاء طويل الأمد لبوتين في السلطة، وبين تخليه عن دوره في قيادة مواجهة وطنية ضد كورونا وتركها للقادة المحليين، ولجوئه إلى التعامل "بلا مركزية" لتخفيف الأعباء على موقعه، دفع الروس إلى التساؤل الجدي عن قدرات رئيسهم القيادية، وعن مدى سيطرته مستقبلا على مفصل صنع القرار.

فالقيصر الجديد  الذي استعرض على مدى عقدين قدراته الدولية، ومارس خداعه الجيوسياسي، وعطل قرارات الأمم المتحدة في عدة شؤون دولية، لم يتردد في نقل المسؤولية إلى السلطات المحلية، باستثناء خروجه العلني الوحيد في أواخر شهر مارس مرتديا بدلة وقاية صفراء أثناء تفقده لمستشفى الفيروسات التاجية الرئيسي في موسكو، ومن ثم توارى عن الأنظار متخليا عن صورته القيادية القوية.

تزيد كورونا من عزلة القيصر، وهو يتجنب إلى الآن لقاء أقرب رجالاته

هذا ما دفع عالم السياسة ألكسندر كينيف إلى الاعتقاد أن بوتين فقد صورة "الرجولة" التي دعمت حكمه لفترة طويلة، وقال: "لم يعد يبدو قائدا قويا. لسنوات عديدة، كانت شخصيته الكاريزمية استعراضية، وهذا أكسبه الاحترام حتى من أولئك الذين لم يكونوا سعداء به لكنه يبدو الآن وكأنه ذئب قديم مريض".

هذا الطعن في قدراته القيادية دفع إلى مقارنته بأقرانه الغربيين وكيفية تعاطيهم مع جائحة كورونا وكيف استغلوها من أجل تحسين صورتهم أمام ناخبيهم وفي رفع نسبة المؤيدين لهم. على سبيل المثال، شهدت معدلات تأييد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ارتفاعا بنسبة 17 نقطة إلى 51٪ بحلول أبريل، وفقا لاستطلاع أجرته شركة Ipsos، مما عزز صورة حزبه المحافظ.

فموسكو اليوم عالقة ما بين عجز الرئيس وبين شيخوخة الدولة، وهي حالة أخطر من شيخوخة النظام، خصوصا أن النظام يرتبط عادة برأس الهرم، ولكن الدولة العاجزة عن تدوير زوايها، تصبح كيانا مهددا في استقراره العام، وهذا التهديد الذي فضحه الوباء، هو بالأساس نتيجة أوبئة سياسية تقع تحت ضغوط صحية واقتصادية تهدد استقرارها الاجتماعي، نتيجة عوامل عدة أهمها ضعف التنمية وتراجع الخدمات والعجز في الميزانية نتيجة صراعات خارجية أدت إلى فرض عقوبات مالية واقتصادية.

مما لا شك فيه أن تداعيات كورونا وما بعدها قد عززت فرضية حصول أزمة اقتصادية قاسية في روسيا قريبا، فقد أكد رئيس غرفة التدقيق الروسية يأليكسي كودرين أن البطالة يمكن أن تزيد إلى 10 في المئة، بينما يتوقع خبراء بنك ألفا أن الأجور الحقيقية قد تنخفض بنسبة تصل إلى 5 في المئة، ما دفع إلى حديث عن ضرورة تخفيف قيود العزل التي فرضتها الدولة من أجل تفادي هذه الأزمة خصوصا أن استطلاعا للرأي نشره مركز استطلاع VTsIOM التابع للدولة، أشار إلى أن 80 في المئة من المستطلعين يؤيدون قرار الرئيس بإعادة البلاد إلى العمل.

وأمام هذه الضغوط الاقتصادية اضطر الرئيس الروسي إلى الإعلان يوم الإثنين الفائت أنه "ابتداء من 12 مايو ستنتهي فترة منع العمل بأكملها ولجميع القطاعات الاقتصادية"، وأضاف بوتين "من صالحنا جميعا أن يعود الاقتصاد إلى طبيعته بسرعة". 

تداعيات كورونا وما بعدها قد عززت فرضية حصول أزمة اقتصادية قاسية في روسيا قريبا

ولكن الصدمة كانت بالارتفاع الهائل بحجم المصابين الذي تجاوز إلى الآن 250 ألف، مع نسبة تفشي تجاوزت 10 آلاف في اليوم، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم، وضعت روسيا في المرتبة الثانية عالميا بحجم المصابين والوفيات بعد الولايات المتحدة مباشرة، لكن مع فرق واضح في قدرات البلدين الصحية والاقتصادية، وفي حضور شبه يومي للرئيس الأميركي والغياب شبه التام للرئيس الروسي، الأمر الذي دفع الباحثة في مؤسسة مشروع التحليل السياسي R.Politik تاتيانا ستانوفايا إلى القول "لقد فقد بوتين اتصاله بالواقع"، وأضافت "يبدو أنه لا يفهم أي بلد موجود فيه".

تزيد كورونا من عزلة القيصر، وهو يتجنب إلى الآن لقاء أقرب رجالاته خصوصا بعد إصابة المتحدث باسمه دمتري بيسكوف، إضافة إلى خمسة وزراء في حكومته. فتهديد كورونا منعه من إجراء الاستفتاء ومن الاحتفال بيوم النصر على النازية في 9 مايو، وهو يجبره اليوم على التخلي عن سلطته العمودية لصالح حكام الأقاليم كأنه يريد أن يكون الناجي السياسي الوحيد من تداعيات ما بعد كورونا.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.