تنفيذ آلى حميدي
تنفيذ آلى حميدي

التحديق في الموت

يحتاج الدماغ أجزاء قليلة من الثانية ليحلل ماهية الجسد القريب منه، إدراكه، تخزينه؛ بينما عملية نسيان جسد مقطوع الرأس أو منتهك الأطراف مجهولة التقدير.

كنت أتذمر من أمي عندما تقلي السمك وتقدمه لنا بجسده الكامل دون أن تقطع رأسه. أعني كنت أفضل التهام سمكة مقطوعة الرأس موضوعة بعناية في طبق "نظيف"، على أن أنكّل بلحمها أثناء تحديق عيونها الجاحظة نحوي، بفم مفتوح. بعدها توقفت ستة عشر سنة عن التهام اللحوم.

في اللغة العربية؛ التحديق هو الإمعان المستمر في النظر مع شدّة التركيز لفترة من الزمن. يُقال إن أصل فعل التحديق ـ بـ اختلاف إسقاطاته ـ المتوارث في المجتمعات البشرية الحديثة، يعود إلى حس المراقبة والترقب عند الإنسان العاقل الأول. أنشأتها ظروف وحاجات الحياة البدائيّة؛ من صيد وافتراس ودفاع عن جسد مهدّد، ضمن فضاء مليء بأجساد حيوانات مفترسة تفوقه قوة وعدائية.

في فيلم "كلب أندلسي" سرد وإخراج "لويس بونيول" بمشاركة الفنان "سلفادور دالي"، تحدق أحد الشخصيات داخل ثقب محفور في باطن يده، ثقب مظلم يخرج منه الكثير من النمل ويعود بحركة مكررة إلى جوفه. يحدّق باستغراب دون أي فعل مقاومة كأنها يد جسد آخر، التبرير الذي يفسر لاحقا بأن المشهد محاكاة حرفية لحلم رآه "سلفادور دالي" رغب في إعادة تشكيله. 

إمعان النظر ـ أحيانا ـ إلى أجساد مقطعة، وجثث منكّل بها يحيل إلى التبلّد والتعوّد

في الأحلام يصعب التحكم في إيقاع أجسادنا وتوجيهها ونكون بوضعية المتفرج. تأتي امرأة تشاركه التحديق في الثقب. ينتقلان إلى النافذة، يحدقان إلى الشارع نحو جموع من المحدقين المتدافعين حول رجل "يداعب" يد مقطوعة لجسد غير حاضر. هيجان من التحديق. ينتهي تحديق أحد الشخصيات (امرأة) بمرور شفرة حلاقة أفقيا داخل عينها بالتزامن مع مرور سحابة قاطعة سطوع قمر مكتمل (full moon) إلى نصفين. ليتحول دور العين الأساسي من أداة ترجمة بصرية للمحيط من أشكال وألوان إلى سواد تام، شبيه بوكر النمل المحفور في باطن يد الشخصيّة المحدقة.

نظريتي الخاصة تقول إن التحديق خادع وخطير، إذا ما وجه خارج حدود الجسد الحي. إمعان النظر ـ أحيانا ـ إلى أجساد مقطعة، وجثث منكّل بها يحيل إلى التبلّد والتعوّد. كثافة المواد الصورية الثابتة والمتحركة في عالمنا الحالي قادرة على تحوّل الاستثناء والشنيع إلى مشاهد مألوفة مؤرشفة، لا تحفّز أية اعتراض، أو رغبة جدية في محاربة مرتكبيها. السيناريو الأسوأ، الإصابة بلذة التحديق نحو المُنتَهك. هذا ما يحصل عندما تخوض بقعة جغرافية ما حربا وتصبح أجساد الموتى أرقاما حسابية، مجردة من فردانيتها وخصوصيتها. ترتعش العين من الحواف الحادة، والصور المكدّسة بالجثث والأشلاء تعادل سماكة حافة السكين.

التحديق خارج سياقات الموت والتنكيل السابقة، أيضا اختراق لحرمة الجسد وخصوصيته "بوضعيته الحية". في بعض المجتمعات يتحدث الرجل إلى المرأة مطأطئ الرأس، مرخيا عينه نحو الأرض. دلالة على الحشمة وغض البصر عن جسد لا يملكه أو تربطه به علاقة قربى أو رابط ديني/ قانوني يشرع فعله البصري ويطهره. فالتحديق المغاير جنسيا يثير الشهوات والغرائز الذي بدوره ـ كما يعتقد ـ يحيل إلى المحرمات وارتكاب المعاصي. كما التحديق في شاشة هاتف أحد الغرباء في المواصلات العامة فعل غير محبّب، يضع فاعله بخانة التعدي والتلصص على حريات الآخرين وأدواتهم، بمرتبة أقل فدحا من السرقة واللمس.

التحديق الجمعي

في برلين تنتشر فعاليات من جميع الأنواع والرغبات، حيث وجود مهرجان سنوي للأفلام الإباحية واحتفال صانعيها ونجومها مرتدين الأقمشة والملابس احتفاء بالحياة، لا ينفي ولا يشوش على الحضور الجسدي التابع والممثل عن الحملات التبشيرية، الجسد الزاهد الداعي إلى التقرب الروحي من إله الخلاص، اللامرئي. 

بابتسامة ورعة وأداء جسدي مضبوط، يرفق أحيانا بحمل كتاب ديني أو لوح رقمي ثابت على نص من تجارب بعض "المتعافين" إثر التطهر الروحي والعثور على طريق الهدى. في محاولة منهم لاستقطاب مريدين "طوعا" منتشرين في مداخل محطات القطارات والساحات العامة. الفعاليتان، كلاهما مألوف وصانعان لمشهد المدينة.

السيناريو الأسوأ، الإصابة بلذة التحديق نحو المُنتَهك. هذا ما يحصل عندما تخوض بقعة جغرافية ما حربا وتصبح أجساد الموتى أرقاما حسابية، مجردة من فردانيتها وخصوصيتها

مثلا تنظم دوريا حلقات جماعية تمارس التحديق، بجهود جماعات ومنظمات "مستقلة" يؤمن أفرادها بإسقاط التصنيفات القائمة على اللون، الجغرافيا، والهوية الجنسية. تتوزع بين فضاءات مختلفة في المدينة كرغبة في زيادة التواصل الإنساني بين الأشخاص، خارج نطاق العمل والأماكن الشائعة، والمساحات المجهزة للاحتكاك الاجتماعي. وذلك بهدف خلق نوع من "الألفة" وهدم الخوف من الآخر / المختلف / الغريب، أيا كان. وكسر الجليد المكسو، ضمن أجواء صاخبة سريعة تنتهي فيها العلاقات في بعض الأحيان قبل أن تبدأ. 

لا أسباب خبيثة خلف هذا النوع من ديمومة العلاقات، لكن المدينة تفرض ـ بشكل غير مباشر ـ على ساكنيها السرعة والرغبة في التجربة المستمرة، الاستمرارية المشروطة بتنوع التجارب التي تتحقق بالتغيير والتجديد واللعب. واستخدام الحلقات الجماعية مفهوم "التحديق" محاولة في اكتشاف الذات والآخرين خارج نطاق الحوارات المعتادة.

التحديق في المرآة 

يستدعي فعل التحديق بشكله العام إلى شكل أكثر تحديدا؛ التحديق في المرآة مثلا. أتذكر كلام أمي المتكرّر خلال فترة طفولتي ومراهقتي، عندما تلاحظ جلوسي الطويل أمام المرآة والتحدث إليها، بأن الفعل الذي أقوم به مُحرّم، سيودي بي إلى الجنون وإصابة عقلي بالمس من قبل الجن. ما سيدفعني للوقوع في شهوة جسدي إذا ما تجرأت بإظهار انعكاسه عاريا، خاصة في الليل، وهذا ما حصل. مما دفعني إلى الهوس في المرايا والأسطح الشفيفة / العاكسة أكثر والتعمق في خصائصها. متجاوزة الوظيفة الأساسية لها؛ الاطمئنان على أناقة انعكاسي ووجوده.

في سياقات فن الأداء، تبنت الفنانة والمؤدية "مارينا أبراموفيتش" مفهوم التحديق باختلاف توظيفاته؛ جزئية التحديق بين شخصين غريبين، ضمن عرض أداء أقيم عام 2010 في متحف الفن الحديث في نيويورك MOMA، استعادة لعمل يحمل عنوان "الفنان حاضر/موجود" (The artist is present).

جلست أبراموفيتش لأكثر من 700 ساعة ضمن شهور العرض، على كرسي من اثنين تفصلهما طاولة، منتظرة توافد زوار العرض بالتناوب، الراغبين في ممارسة التحديق أمامها وإليها في حرية تامة لاختيار زمن الجلوس، إنهاؤه، وردات الفعل. أغلبهم حدقوا لدقائق، بعضهم حدق ليوم كامل بشكل متواصل.

نجح العرض في نسف الاكتفاء بدور المتلقي العابر أمام العمل الفني. تبادل التحديق أشرك الجمهور في العمل الفني وتشكيله والتورط به. حولت نفسها إلى مرآة تعكس ما قد يراه المحدق في نفسه العميقة أو احتمالية فشل رؤية شيء بسبب رهبة الحضور والتجربة الجديدة، ومنافسة فنانة قادرة على ضبط الأداء البدني بحرفية مما يحيل أحيانا إلى الهروب من جدية المواجهة، بالضحك والابتسامات الخاطفة.

في يوم الافتتاح يظهر الفنان "فرانك أوي ليسبن" (أولاي) شريكها الروحي السابق من بين الجمهور، يجلس أمامها، وسط ترقب الحضور، وانتظاره ردة فعلها. متحولة (أبراموفيتش) إلى موضوع مُراقب بعكس السياق الجاري قبل وصوله.

اقتطع المشهد وذيل بعناوين مختلفة "لقاء الحبيبان" و "لحظة لقاء هذين الفنانين ستجعلك تبكي"، اكتسح الفيديو وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات مختلفة، مرفق بعبارات وتوصيفات رومانسية. تم مشاركة المقطع مع التغني بعمق وديمومة مشاعر الحب بين ثنائي استثنائي، رغم سنوات الانفصال والتباعد الطويلة. انحصر تداول العمل بالمقطع الخاص باللقاء، متجاوزا الهدف الأساسي للعرض الأدائي الذي أصبح بدون تخطيط "هامشيا" أمام بكاء أبراموفيتش في لحظة فتح عيونها ورؤية "أولاي" جالسا في الطرف المقابل للطاولة.

التحديق المغاير جنسيا يثير الشهوات والغرائز الذي بدوره ـ كما يعتقد ـ يحيل إلى المحرمات وارتكاب المعاصي

في كتاب "قوة الإثنين" لـ "جوشوا وولف شينك" (joshua wolf shenk) يذكر الكاتب فيه عن انجذابه الشديد للعمل الفني الصادر من تعاون اثنين في العملية الإبداعية وما تؤول إليه من نتائج على حياة الاثنين اليومية والمهنية. نوه عن الكثير من التعاونات الثنائية في مجالات الكتابة والفن والموسيقى؛ كان منها نموذج الثنائي مارينا أبراموفيتش وأولاي.

إعجابه بأحداث نهاية علاقتهما "الودي" عند سور الصين العظيم، ولحظة اللقاء في عرض "الفنان حاضر" دفعته للبحث عنهما أكثر كثنائي جدير ذكره في الكتاب. لكن اتضح لاحقا أثناء حديثه مع "أولاي" عام 2013 أي بعد ثلاث سنوات من عرض الأداء، أن العلاقة بينهما أعقد من ردات الفعل المرافقة لمقطع "لحظة لقاء هذين الفنانين ستجعلك تبكي".

يتحدث "أولاي" عن قراره بالذهاب للعرض والجلوس أمامها وتبادل التحديق، لاعتقاده بأن عرض "الفنان حاضر" نتاج تعاون قديم بينهما وتعود ملكيته الروحية لهما معا. يضيف بأنها لم تخبره أو تطلب منه أي شيء، وعوضا عن حضوره، حل محله آلاف الزوار الراغبين في التحديق لها. داعما وجهة نظره الاعتراضية بكلام متداول بين بعض العاملين في الحقل الثقافي، بمنطقية تغيير عنوان العرض من "الفنان حاضر" إلى "الفنان غير حاضر". كناية ساخرة عن تلاشي جسد كان شريكا أساسيا في هذا النتاج.

أخذ التحديق بين أبراموفيتش وأولاي منحى المواجهة من طرف تجاه الآخر، بينما تراءى للجميع لحظة لقاء رومانسية تسبب الرغبة في "البكاء".

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.