Swiss Islamologist Tariq Ramadan takes part in a conference on the theme "Live together", on March 26, 2016 in Bordeaux. (Photo…
مؤخرا ظهرت فضيحة جديدة في ملف محاكمة طارق رمضان

يبدو أن الفضائح الجنسية لأعضاء في جماعة "الإخوان المسلمين" سلسلة لن تنتهي. مؤخرا ظهرت فضيحة جديدة في ملف محاكمة طارق رمضان، حفيد مؤسس تنظيم "الإخوان"، عن محاولته الحصول على معلومات شخصية عن إحدى ضحاياه بطريقة "غير مشروعة".  

ففي التقرير الموجه ضده اتهمته إحدى ضحاياه في جرائم الاغتصاب بالقيام بعملية تقصي وتتبع غير قانونية عنها، بهدف ابتزازها والضغط عليها للرضوخ في مجريات المحاكمة التي يخضع لها حيث أن عملية التقصي غير القانونية تمت من خلال "شبكة الإنترنت أو الـ"دارك ويب" والتي تجري من خلالها العديد من الأنشطة غير القانونية.

وقد ذكر التقرير أيضا أن طارق رمضان وعميل في المخابرات الفرنسية يدعى "حورس" استغلا المعلومات الشخصية التي حصلوا عليها ووجهوا للضحية "كريستيل" تهديدات وابتزازات للتراجع عن الاتهامات التي توجهها لحفيد مؤسس الجماعة. فقد اتهمت كريستيل طارق رمضان بالاعتداء عليها بفندق في ليون عام 2009 ويواجه رمضان أيضا تهما جنائية بالاغتصاب من نساء أخريات في فرنسا والولايات المتحدة وسويسرا.

قد تصيب هذه الحقائق البعض بالصدمة، خاصة المخدوعين بتاريخ الجماعة سواء من المسلمين أو غير المسلمين، لكنها لا تثير الدهشة إطلاقا لمن يعرف تاريخ وحقائق هذه الجماعة منذ تأسيسها. فمغامرات وجرائم طارق رمضان الجنسية ليست الأولى في تاريخ الجماعة، بل سبقه كثيرون لكن لسوء حظه أنه ارتكبها في دول غربية والتي تطبق فيها القوانين وتكشف بها الحقائق أكثر من غيرها.

المشكلة الحقيقية في هذه الفضائح الجنسية لدى أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين ليست في تلك الفضائح بحد ذاتها بقدر متاجرتهم بالدين لخدمة أجنداتهم السياسية

فتاريخ التنظيم منذ بدايته شهد الكثير من حالات التحرش والاغتصاب، فقبل 74 عاما، كانت هناك العديد من الاتهامات وجهتها نساء الجماعة، بالإضافة لشكاوى قُدِّمت من قبل أعضاء الجماعة، ضد صهر حسن البنا (زوج شقيقته)، والسكرتير العام لجماعة الإخوان "عبدالحكيم عابدين"، والذي وصفه حينها أحد أعضاء الجماعة "حازم أمين" بـ "راسبوتين الإخوان".

ووفقا لدراسة صادرة من مركز الشرق الأوسط للدراسات، لم يكن أمام المرشد إلا إجراء التحقيقات، التي لا يعرف أحد أين ذهبت وثائقها، وبعد انتهاء التحقيقات تم التأكد من إدانة واضحة لعابدين. وقد اختار المرشد العام لملمة الأمر والتكتم عليه، لكن مع ذلك ظل عبد الحكيم عابدين صاحب نفوذ واسع في الجماعة حتى بعد اغتيال حسن البنا.

وقد نشر موقع إيلاف تقريرا يذكر فيه أن فضيحة عبد الحكيم عابدين أسفرت عن خروج عدد كبير من التنظيم، وأثارت الشكوك لدى كثيرين عن مدى مصداقية القائمين عليها، وكان على رأس المنشقين أحمد السكري، وكيل الجماعة والذراع الأيمن لحسن البنا والسياسي المحنك. فقد كانت فضيحة عابدين السبب الحقيقي لانشقاقه وخروجه، لكن السبب الآخر هو فقدان الثقة بينه وبين المرشد بسبب هذه الفضيحة.

وفي عهد محمد مرسي أثناء حكم الجماعة في مصر، في منتصف العام 2012، انتشرت مقاطع فيديو جنسية لقيادي في الجماعة هو رشاد عبد الغفار، ظهر فيها مع فتاة في أوضاع إباحية، إلا أنه خرج نافيا تلك الاتهامات.  

وأيضا أثناء تولي الإخوان السلطة في مصر، تولى الصحافي والقيادي في الجماعة، صلاح عبد المقصود منصب وزير الإعلام، وأطلق عليه لقب "المتحرش باسم الحكومة"، بسبب ارتكابه ثلاث وقائع تحرش جنسي لفظي بالصحافيات والإعلاميات، منهن الإعلامية السورية زينا يازجي. وقد أطلقت حركات نسائية حملات لإقالته من منصبه، لكن لم يستجب أحد، إلى أن اندلعت ثورة 30 يونيو 2013، وسقط حكم الجماعة.

هذه الفضائح لا تشوه صورة مرتكبيها بشكل فردي، بل تشوه صورة الإسلام والمسلمين جميعا خاصة عند غير المسلمين ومن ليس لديه دراية بحقيقة ازدواجية معايير هذه الجماعة

ولم يتوقف الهوس الجنسي عند أعضاء محددة من "الإخوان"، فالقائمة تضم أسماء بارزة من قيادات الجماعة، مثل فضيحة يوسف القرضاوي، مع السيدة الجزائرية التي هددها بسحب الجنسية القطرية منها بعد مقاضاته.  كذلك فضيحة أحمد منصور، مذيع قناة الجزيرة، الذي أصدرت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالعاصمة المغربية الرباط مذكرة لملاحقته بعد قيامه بالنصب على سيدة مغربية تدعى كريمة فريطس، عضوة بلجنة العلاقات الخارجية بحزب العدالة والتنمية. فقد أنكر زواجه العرفي، ولم يقم بتوثيق زواجه منها، الأمر الذي دفع السيدة كريمة لإقامة دعوى قضائية ضده عام 2015 بعد إنكاره الزواج ومن ثم رفض مذيع قناة الجزيرة المثول أمام القضاء.

إن المشكلة الحقيقية في هذه الفضائح الجنسية لدى أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين ليست في تلك الفضائح بحد ذاتها بقدر متاجرتهم بالدين لخدمة أجنداتهم السياسية. فكونهم يعرفون أنفسهم على أنهم إسلاميين ويتحدثون في الدين طيلة الوقت على أنه المدخل الوحيد لنجاح الأمة، ففضائحهم هذه لا تشوه صورة مرتكبيها بشكل فردي، بل تشوه صورة الإسلام والمسلمين جميعا خاصة عند غير المسلمين ومن ليس لديه دراية بحقيقة ازدواجية معايير هذه الجماعة.

فالفضائح الجنسية المتعددة لحفيد مؤسس البنا لم تهز كيان التنظيم فحسب، بل هزت صورة المسلمين في كثير من دول العالم وفي أوروبا تحديدا، لا سيما أن طارق رمضان هو أحد أهم وأقوى وجوه التنظيم الدعائية في أوروبا، وله العديد من المؤلفات والكتب ومحاضر في الكثير من الجامعات لترويج فكرة التنظيم وما يسمى بـ "الإسلام المعتدل" في الأوساط الأوروبية.

إن عرض التلفزيون الفرنسي، لفيلم وثائقي بعنوان "الشيطان في جسد"، الذي قام بعرض شهادات من تم اغتصابهن من قبل طارق رمضان حفيد البنا، يجب أن يعلق عليه كل المسلمين غير المنتمين لأيديولوجية الجماعة والتأكيد على أن ما تمارسه هذه الجماعة وباقي جماعات الإسلام السياسي الانتهازية ـ التي تتظاهر بالورع والاعتدال لكنها متطرفة وفاسدة في باطنها ـ لا تمثل سوى نفسها وهي مرفوضة من غالبية المسلمين.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!