A handout picture released by the Jordanian Royal Palace on May 25, 2020 shows Jordanian King Abdullah II giving a speech from…
الملك عبدالله في كلمة له بمناسبة عيد الاستقلال

"الفأس وقعت بالرأس" بمثل هذا المثل الشعبي القاسي أطلق رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي صرخته محذرا من تفاقم وتعاظم الأزمة من الأردن.

لم يكن الكباريتي المعروف بحنكته السياسية ومهاراته في المناورة راغبا في تجميل الواقع، أو دفن رأسه بالرمال، بل أصر على القول إن القادم مؤلم.

بفارغ الصبر يترقب كثيرون في الأردن حديث الكباريتي الذي يتجنب الظهور الإعلامي، ويزداد كلامه أهمية اليوم بعد أن كُلف برئاسة صندوق "همة وطن" الذي أسس لمساندة جهود الدولة في جمع التبرعات المالية لمواجهة جائحة كورونا، وأكثر ما يقلق تصريحه بالخط العريض أن الاستجابة لـ "همة وطن" جفت، وأنها مخيبة للآمال.

لا يلقي الكباريتي باللوم على الناس، وإنما يؤشر بوضوح إلى فقدان الثقة بين الدولة والمواطن، ويطالب بالتكاتف والمكاشفة، وأول الطريق لتحقيق ذلك ترميم جسور الثقة والمشاركة السياسية الحقيقية، والاستناد والاتكاء إلى الدستور والميثاق نصا وروحا، لا شكلا.

الكباريتي في حديثه غير المسبوق لجريده الرأي اللندنية الإلكترونية يقترح تشكيل لجان خبراء مستقلة يسميها "لجان الشريط الأزرق" ـ على غرار ما يحدث في أميركا ـ تقوم بجهد استقصائي لتشخيص المشكلة، واقتراح الحلول، وتتمتع باستقلالية سياسية في عملها.

الصدمة التي أحدثتها تصريحات الكباريتي كان موجعا أكثر منها الرسم الكاريكاتوري للفنان رأفت الخطيب الذي صور رئيس الحكومة عمر الرزاز يضع قدمه على عنق مواطن أردني في محاولة للإشارة إلى حجم الضغط الاقتصادي الخانق الذي يعيشه الناس خلال جائحة كورونا، مستدعيا بذلك صورة ما حدث في أميركا، وجريمة مينيابوليس التي أدت إلى مقتل جورج فلويد بعد معاملة عنيفة، وانتهاكات مارسها رجال الشرطة.

أوامر الدفاع التي سمحت باقتطاعات من رواتب الموظفين تهدد بصدام وشيك

هذه المقارنة والاستحضار المؤلم دفعت الإعلامي المخضرم بسام بدارين ليكتب بالقدس العربي تحت عنوان "فلويد الأردني تحت أقدام الرزاز مقارنة قاسية"، وما يهم أن الاندفاع بهذه التشبيهات القاسية رغم ابتعادها عن سياق الحالة الأردنية يشي بوضوح أن "الكيل طفح"، وأن أوامر الدفاع التي أصدرتها الحكومة وسمحت لصاحب العمل أن يدفع 40 بالمئة من رواتب الموظفين والعمال تهدد بصدام مجتمعي وشيك.

خبراء اقتصاديون يرون أن الحكومة تنصلت من مسؤولياتها ووضعت أصحاب العمل والعمال في مواجهة مباشرة، ولم تطلع الحكومة بدورها في تقديم خطة إنقاذ، أو مساعدات مالية مباشرة لا للشركات، ولا للمواطنين والمواطنات، وهو ما يرفع سقف المطالبات بإلغاء قانون الدفـاع ـ الطوارئ ـ، ودعوة الحكومة لتقديم كشف حساب بما أنفقت وما قبضت من مساعدات، ومنح وهبات.

أكثر من مسار للأزمة يتعمق بالأردن في ظل استمرار جائحة كورونا، وما يُعاب على الحكومة حتى الآن أنها تتعامل بالقطعة، ويوم بيوم، ولا تقدم خطة، ولا تجيب عن شواغل المستقبل.

حدود الأزمة تتجاوز التعامل مع فيروس كورونا وتعطل الحياة العامة، والأكثر مدعاة للقلق رصد تجاوزات على الحقوق والحريات العامة، وتكرار حالات التوقيف والاعتقال في خرق لتوجيهات العاهل الأردني الملك عبد الله ألا يمس قانون الدفاع الحقوق السياسية والمدنية، والحق بحرية التعبير.

وعلى الطرف الآخر من المشهد والأردن مُنشغل في التعامل مع جائحة كورونا، يقترب الخطر الإسرائيلي بضم غور الأردن والمستوطنات في الأراضي الفلسطيني المحتلة، وهو ما يزيد الترقب والهواجس في عمان، ويصبح خطر التوطين و"الترانسفير" إلى الأردن ليس مبالغات وتنظير سياسي، بل استحقاقات على حساب أمنه الوطني، وحتى التابوهات الأردنية بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية تتعرض للابتزاز بعد تسريبات صحيفة "إسرائيل هيوم" عن محادثات سرية سعودية إسرائيلية برعاية أميركية لإدخال الرياض على خط الوصاية على المقدسات، وهذا يعني مزاحمة الأردن على الشرعية الدينية لنظامه السياسي.

يسود شعور بالخذلان أن الكثير من رجال الأعمال الذين أثروا تحت سمع وبصر السلطة لم يساهموا كما يجب لإنقاذ البلاد

وسط حالة "الهرج والمرج" على خط الداخل والخارج الأردني تطفو على السطح قصص وحكايات عن مداهمات أمنية لشخصيات سياسية واقتصادية معروفة جدا تحت يافطة "شبهات الفساد" و/أو التهرب الضريبي، وتشيع صالونات عمان قصصا وتفاصيل كثيرة عن أبعاد هذه الملاحقات والرسائل السياسية التي تلازمها في هذا الوقت بالذات حيث تتعمق الأزمة الاقتصادية، ويسود شعور بالخذلان بأن الكثير من رجال الأعمال، والطبقة السياسية الذين أثروا تحت سمع وبصر السلطة السياسية لم يقدموا، ولم يساهموا كما يجب في مساعدة البلاد وإنقاذها خلال الأزمة.

راجت دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو لتأميم أموال وممتلكات الأثرياء، وأصحاب الثروات التي تضخمت بشكل غير معروف مصادره، وانبرى البعض للمطالبة بالاستحواذ على الأموال المودعة بحساباتهم البنكية.

الحكومة وأجهزتها تعرف عن كل فلس بحسابات رجال الأعمال، ورصدت كل الشراكات و"الزواج" بين الأثرياء ورجال السلطة، وتُروج إحصائيات وأرقام أن ما لا يزيد عن 50 شخصية أردنية يُشار لهم بالبنان يملكون أكثر من 50 بالمئة من الأموال المودعة بالبنوك.

هذا الجو المشحون بالمؤامرات، والمطاردات، والشائعات، والأقاويل دفعني لاستحضار تجربة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حين قرر اعتقال عشرات من الأمراء والأثرياء ورجال السلطة في فندق ريتز كارلتون، والضغط عليهم لإعادة ما اعتبرها أمولا مسروقة، أو تحصلوا عليها بطرق غير مشروعة.

المقاربة لا تستقيم بين الواقع الأردني والسعودي وتبدو من أفلام الخيال، ولكن سياسي مرموق همس في أذني عن سيناريو التوقيف والملاحقة القانونية سندا لقانون الجرائم الاقتصادية، وهو القانون الذي يمنح الحكومة حق إجراء مصالحات إذا ما قبل المتهمين بسداد ما يتفق عليه كتسويات مالية، أو الذهاب باتجاه محاكم الضريبة وحجز أموال المشتكى عليهم إلى حين السداد.

وسط حالة "هرج ومرج" تطفو قصص عن مداهمات أمنية لشخصيات سياسية واقتصادية تحت يافطة شبهات فساد وتهرب ضريبي

كل هذه السيناريوهات وما يمكن وصفه بالواقعي، أو ما يمكن أن يُطلق عليه وهما وخيالا تترسم مع الأحاديث المتزايدة عن تغيير حكومي وشيك، لا أراه مقبلا وأجده مستبعدا، أو تعديل وزاري لا أرى له ضرورة طارئة قبل تفكيك أزمة كورونا، والحسم في ملف مواعيد الانتخابات البرلمانية التي عادت بقوة إلى طاولة البحث.

حفل عيد استقلال الأردن الذي صادف في الخامس والعشرين من شهر مايو الماضي كان مناسبة للاحتفاء بقوة الدولة الاردنية على مواجهة الأزمات، غير أنه كان مناسبة لطرح الأسئلة عن سر غياب رؤساء السلطات جميعا عن الحفل الذي أقيم بالديوان الملكي الهاشمي، وهو ما زاد منسوب الوشايات التي تجزم أن الملك ليس راضيا عن أداء الجميع، وأن التغيير قادم لا محالة.

الأردن تتقاذفه المخاطر الداخلية والخارجية، واستطلاعات الرأي تكشف عن صورة قاتمة حين تشير إلى أن 78 بالمئة من الأسر الأردنية لا تكفي مدخراتها لأسبوعين في ظل حظر التجول، والأخطر الأرقام التي نشرها مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية عن أن 40 بالمئة من الأردنيين والأردنيات فقدوا أعمالهم، وأن 79 بالمئة تراجعت دخولهم خلال الأزمة.

ملخص القول؛ حال الأردن لا تسر صديقا ولا عدوا، والمشكلة ليست مختزلة في حكومة لا تعرف خطواتها للمستقبل في ظل عالم مضطرب، وإنما أزمة بنيوية تحتاج مقاربات مختلفة غير سياسة ترقيع الحلول، و"تلبيس الطواقي"، وترحيل الأزمات، حتى تستطيع أن تعبر إلى ضفة الأمان.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.