A demonstrator wearing a protective mask attends a Black Lives Matter protest in the aftermath of protests against the death of…
متظاهرة هولندا ضد العنصرية

لم تعد الكلمات المُتحشرجة التي تلفظ بها جورج فلويد قبل مقتله "لا أستطيع التنفس" صرخة، أو شعارات تدك بنيان العنصرية والتمييز في أميركا، بل صارت مُلهمة لكل الحركات التي ترنو لفجر تعم به قيم العدالة والمساواة بكل بقعة في العالم.

صورة جورج فلويد وركبة الشرطي "الأبيض" فوق عنقه ستظل تلاحق ليس فقط الشرطي المتهم بالقتل "ديريك شوفين" وحده، ولن تتوقف عند أكثرية رجال الشرطة في الولايات المتحدة الأميركية، وإنما ستلاحق كل الذين يبثون عنصريتهم وفاشيتهم. وحين يجثو قادة وسياسيون، وشرطة، وفنانون على ركبهم تضامنا واستنكارا؛ فإنهم يخلدون فلويد، ويبعثون رسالة مفادها أن الصبر قد نفذ، وهذا أوان المحاسبة والتغيير.

لو كان الزعيم نيلسون مانديلا على قيد الحياة، ماذا كان سيقول للرئيس الأميركي دونالد ترامب حين خرج يُهدد المحتجين في الشوارع بعد مقتل فلويد بقوله "عندما تبدأ السرقة يبدأ إطلاق النار"؟!

لا تخلو كل دول العالم من نزعات العنصرية، وما حدث مع فلويد الأميركي من أصول أفريقية يتكرر في مدن كثيرة وبأشكال مختلفة، بعضه وقليل منه يظهر إلى سطح الأحداث، والغالب يبقى تحت الرماد دفينا بفعل بطش السلطة، أو تواطؤ المجتمع.

لم يُثن وعيد وتهديد ترامب المحتجين من تزايد التظاهرات، ولم يوقف كلامه المعسول "عن العدالة المتساوية تحت سقف القانون، وأن كل أميركي سيحظى بمعاملة متساوية كل مرة يواجه فيها سلطات القانون بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو العقيدة" بركان الاستقطاب السياسي مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر المقبل، واستغلال مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن ليرد على ترامب "محاولة الرئيس وضع كلمات على لسان جورج فلويد جديرة بالازدراء".

المُضحك المُبكي أن تلتقف أنظمة مُستبدة حركة الاحتجاجات في أمريكا لتبيع بضاعة سياسية فاسدة وهي تعيش عصر ما قبل الدولة

في بلد مثل أميركا يعيش الديمقراطية على طريقته، أتفهم هذا الصراع، لكن المُضحك المُبكي حين تتلقف أنظمة مُستبدة حركة الاحتجاجات في أميركا، وحادثة مقتل فلويد لتبيع بضاعة فاسدة سياسيا، وتتحدث بثقة عن مناهضتها العنصرية وغياب العدالة، وهي تعيش عصر ما قبل الدولة، وقيم المواطنة والمساواة لم تُشرق بعد على مواطنيها.

الدقائق التسع التي جثا الشرطي بركبته على عنق فلويد ربما تكون هي الأطول والأخطر في تاريخ أميركا، وقد تكون بوابة لتغيير سياسي إثر أزمات عاصفة عاشتها وتعيشها الولايات المتحدة بعد أن ضرب فيروس كورونا نظامها الصحي؛ فسجلت أعلى أعداد الإصابات والموتى بالعالم، وكانت قاصمة في إخراج 40 مليون أميركي من سوق العمل إلى قارعة الطريق.

شهدت أميركا في العقود الثلاث الماضية أحداث عنف متعددة راح ضحيتها أميركيون سود بسبب عنف الشرطة، وعمّت مظاهر الاحتجاج والشغب على غياب العدالة والمساءلة الحازمة، وكلها ثقوب في الحياة الأميركية لم تُعالج، والأرقام والإحصائيات كاشفة؛ فـ 23 بالمئة من "الأميركيين السود" يعيشون تحت خط الفقر، وكذا الأمر فإنهم يسجنون خمسة أضعاف "الأميركيين البيض"، وثمانية من كل عشرة مواطنين سود يعتقدون أن إرث التمييز العنصري ما زال يؤثر في حياتهم، و50 بالمئة من السود لا يتوقعون أن تكون هناك مساواة في أميركا في يوم من الأيام وفق معهد بيو عام 2019.

تُروج منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي فيديوهات لأحاديث وكلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه شبيه بخطابات زعماء عرب سقطوا بالربيع العربي بعد أن هددوا شعوبهم بالعقاب، وطالبوا الجيش والأمن بالتصدي لهم، واتهموا حركات الاحتجاج والتظاهر بالتخريب والعنف، ويعتبرون أن ترامب يحمل "جينات" تنتمي لهؤلاء الزعماء العرب.

قرار ترامب بنشر الجيش، ودعوته لاستخدامه لوضع حد للتظاهرات وما اعتبرها أعمال تخريب ـ وهي الدعوة التي لم تجد ترحيبا من وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان، ووزير العدل ـ دفعت فورين بوليسي وعلى لسان خبراء عسكريين وأمنيين للذهاب بعيدا في انتقادها حد القول "الشعب الأميركي قد يجد نفسه وقد أصبح العدو" في استنكار ورفض لزج الجيش في مواجهة الشعب الذي يخرج للشوارع مُنددا بالعنف والعنصرية.

وبعد التهديد بإطلاق النار وجد الرئيس ترامب ضالته في حركة "أنتيفا" التي اتهمها في تغريدة له بالعنف والتخريب مع جماعات يسارية متطرفة تُروع الأبرياء وتحرق الشركات، داعيا إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية، وهو ما استدعى جريدة نيويورك تايمز لتضيء على هذه الحركة المناهضة للفاشية، والتي بدأت جذورها في أوروبا، واسمها مشتق من كلمة ألمانية تعني مُعارضة النازية.

الحركة ظهرت بالثمانينيات في أميركا، وبدأت في التوسع والنفوذ بعد فوز ترامب وتمدد نفوذ اليمين، وحسب مؤلف كتاب "أنتيفا مناهضة الفاشية" لكاتبه مارك براي فإن اتباعها ينضمون في تكتلات سرية، وليس لهم قادة رسميون، ويرتدي أعضاؤها أقنعة لإخفاء هويتهم، ويحاولون لفت الأنظار بالتمرد عبر سلوكيات عنيفة، مع التأكيد على سلمية حركتهم، وأن عنفهم له ما يُبرره إذا سُمح للعنصرية والفاشية بحرية العمل لأنهم سوف يستهدفون بالعنف المجتمعات المُهمشة.

الحكومات العربية سعيدة حين ترى هروات الشرطة في شوارع واشنطن تنهال على المحتجين، أو قنابل الغاز المسيلة للدموع تُقذف عليهم، فهناك من يُشبههم في البلاد التي تُعرف بأنها موطن الديمقراطية

شهدت أكثر من 75 مدينة أميركية احتجاجات صاخبة، وتلفزيون "إن بي سي نيوز" في استطلاع أجراه يكشف أن 80 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن الأمور خرجت عن السيطرة، و59 بالمئة قلقون من ممارسات الشرطة ومقتل جورج فلويد، وبعيدا عن الاستطلاعات والإحصائيات فإن تأجج نيران العنصرية والاحتجاج بات القصة الأكثر تأثيرا في الانتخابات المقبلة، والمؤكد أن الديمقراطيين يلعبون على وترها لاستقطاب أصوات الأميركيين من أصل أفريقي في معركتهم القادمة، ومنذ الآن يُروج سيناريو أن بايدن سيتجه لاختيار نائب رئيس امرأة سوداء لاستقطاب الناخبين الملونين والذين يُشكلون ثقلا انتخابيا لا يُستهان به.

قصة فلويد ستكون مادة للمساجلات، فالديمقراطيون يتحركون لتقديم مشروع لمكافحة عنف الشرطة وغياب العدالة بين الأعراق، والرئيس السابق باراك أوباما يعتبر ما يجري من احتجاجات صحوة سياسية لتوحيد البلاد لتحقيق العدالة العرقية، ويدعو لمعاقبة ترامب بالتصويت مقابل الاحتجاج.

انتفاضة الشعب الأميركي ضد العنصرية وجرائمها لن تُسقط ترامب، وحملة التنديد العالمية بمقتل فلويد تشوه صورة الرئيس، ولكنها لا تحجبها عن الأضواء، وإلقاء تمثال تاجر الرقيق إدوارد كولستون رمز العبودية في نهر مدينة بريستول البريطانية يشي عن تداعيات عابرة للحدود، وأن العنصرية تُعشعش في بؤر كثيرة، وأن الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن لم يتمكن من اقتلاع العبودية رغم إلغائها.

الديمقراطية الأميركية تملك ديناميكيات واضحة للتعامل مع أخطائها وخطاياها، وخاصة ما يتعلق باستبداد زعمائها، ولكن أدهشني ممازحة وزير حين سألني باستغراب لماذا لم تُصدر مؤسسات المجتمع المدني بيانات تُندد بالعنصرية الأميركية، وقمع الشرطة والحرس الوطني للمحتجين في الشوارع، وكأنه يُذكرني ويُعايرني بمواقفنا الرافضة للإفراط في استخدام القوة في بلادنا، وسكوتنا عن ما يحدث في أميركا!

ربما لم يكن الوزير جادا في كلامه ودعوته، ولكن المؤكد أن معظم الحكومات العربية سعيدة حين ترى هروات الشرطة في شوارع واشنطن تنهال على المحتجين، أو قنابل الغاز المسيلة للدموع تُقذف عليهم، فهناك من يُشبههم في البلاد التي تُعرف بأنها موطن الديمقراطية.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.