A Lebanese protester throws back a tear gas amid clashes with riot police following a demonstration in central Beirut on June 6…
متظاهرون في بيروت للمطالبة بحل الأزمة الاقتصادية

استيقظ الرئيس السوري بشّار الأسد، من قيلولة بعد ظهر الخميس الفائت، وراح يركض حول سريره الوثير، وهو يصرخ: Eurêka.

ضحك لنفسه هذه الضحكة المعهودة، فهو وجد كلمة إغريقية لا حرف "سين" فيها، ليُبلِغ نفسه بنفسه، بفحولة قلّ نظيرها، أنه "وجدها".

وكما أرخميدس وجد "قاعدة الطفو" التي حلّ بموجبها مشكلة معدن تاج ملك سيراكوز، كذلك وجد الأسد "قاعدة الطفو" لحلّ مشكلة الانهيار المالي ـ الاقتصادي ـ الأمني ـ العسكري لبلاده، فأطاح برئيس حكومته عماد خميس.

كبرياء سلطويي لبنان أكبر من كبرياء بشّار الأسد. لم يشبّهوا أنفسهم بأرخميدس الذي أكل الدهر عليه وشرب، بل ذهبوا الى مُلهِمهم الأعظم، فاقتدوا، فخورين، بالرئيس السوري نفسه، فسارعوا إلى توزيع المناصب على "أزلامهم"، وعطّلوا التشكيلات القضائية حتى يحموا "أزلامهم" الآخرين، وفي محاولة متجدّدة لإطاحة رأس رياض سلامة، وهو "عماد خميس" النظام النقدي في لبنان، سَحَروا من جالوا، يوم السبت الماضي، مهدّدين بحرب طائفية، برفعهم شعار" شيعة. شيعة. شيعة"، فحوّلوهم إلى علمانيين، فأصبحوا ينادون" إسلام. مسيحية. يلعن إم الطائفية".

تريدون الخروج من الكارثة، أخرجوا لبنان من الارتهان. هذا هو الحل

"قاعدة أرخميدس" في سوريا التي أصبحت "قاعدة الأسد" في لبنان، تسخر من كل المعايير العالمية المجرَّبة، وهي تقوم على المعادلات الآتية:

الردّ على قانون قيصر، يكون بتوسيع قاعدة الترهيب.

الردّ على فقدان الثقة، يكون برفع حالة الشك.

الردّ على شح البضائع، يكون بإقفال المحال التجارية.

الردّ على غضب الناس، يكون بتقديم ما يتوافر من أكباش للمحارق.

الردّ على السلاح الشرعي، يكون بإسقاط الشرعية.

الردّ على ضحالة المداخيل، يكون بالسطو على ما تبقّى للمواطنين من مال وممتلكات.

"وجدوها" في لبنان وسوريا، فلا قيمة لا لوطن ولا لشعب ولا لاقتصاد ولا لمجتمع. القيمة الوحيدة متداخلة بين عشّاق التسلّط وبين مرتزقة "الأجندة الإيرانية". ومن أجل هذه القيمة السامية كل الكوارث تهون.

إن أمثال هؤلاء لا يتركون للشعب خيارا: إمّا هم وإما هو.

هم أقوى، لأنهم من أجل السلطة والارتزاق لا يتوانون عن توسّل كل الموبقات، بحق الشعب.

كثيرون يطرحون، ليلا نهارا، سرا جهارا، السؤال الأبدي الذي تولّده المشاكل: ما الحل؟

وكأن هؤلاء لا يعرفون أن الحلّ الوحيد لمشكلة اندلاع الحرائق يكون ببذل الجهد لإطفائها؟

إن غياب الثقة الدولية بالحكم اللبناني الذي يخضع لإرادة "حزب الله" أفقد لبنان الثقة الواجبة في بيوت الاستثمار، فشحّ تدفّق الأموال

مشكلة لبنان المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية، لا حلّ لها إلا بتدفّق العملات الصعبة.
فمن أين تأتي؟

هذا سؤال في مكانه الخاطئ، لأن الجواب عنه موجود في المخطوطات، منذ اختراع الحرف، وفي الكتب، منذ اختراع المطبعة، وفي المنصّات الإلكترونية، منذ اختراع الإنترنت.

السؤال الواجب طرحه: لماذا لم تعد تتدفّق هذه العملات الصعبة على لبنان؟

قبل الاتفاق على جواب شافٍ عن هذا السؤال، سيبقى لبنان يتدهور من درك إلى درك في الجحيم الذي رُمي فيه.

وللوصول الى هذا الجواب لا بد من وضع كل مسبّبات الكارثة على الطاولة، وهي كثيرة ولكنّ لا ألغاز فيها، ومنها:

• إنّ دخول لبنان، من خلال "حزب الله" المسيطر على القرار الرسمي اللبناني، في حروب المنطقة، وفق أجندة "الحرس الثوري الإيراني"، أَفقَد الحكم اللبناني كل مصداقية في المنتديات الاقتصادية الدولية كما في منظمات المجتمع الدولي.

وما من دليل أسطع على ذلك من طريقة إخفاء "إعلان بعبدا" الذي أعلن لبنان بموجبه، تعهّده، بالنأي بنفسه عن صراعات المنطقة.

• إنّ فقدان لبنان لهذه المصداقية جعله قاصرا عن تنفيذ تعهّداته السيادية المتوافرة في قرارات مجلس الأمن الدولي المتداخلة، فعلى سبيل المثال لا وجود للقرار 1701 من دون القرار 1559 المحظور ذكره في لبنان.

• إصرار المجتمع الدولي على ربط مساهماته (كمؤتمر "سيدر" مثلا) في إنقاذ لبنان من أزمته التي أصبحت اليوم كارثة، بإثبات أنّه دولة تملك ناصية قراراتها.

وحتى اليوم، بقيت المساهمات مجرّد تعهدات، لأن لبنان أثبت عجزه عن الالتزام بتعهّداته.

• إن غياب الثقة الدولية بالحكم اللبناني الذي يخضع لإرادة "حزب الله" ـ رضائيا أم اضطراريا ـ أفقد لبنان الثقة الواجبة في بيوت الاستثمار، فشحّ تدفّق الأموال.

• بدل أن يذهب لبنان إلى معالجة أخطر أمراض الاقتصاد الوطني، أي فقدان الثقة، أمعن في تخفيض المناعة، من خلال إعلان تعثّره عن دفع ما استحق عليه، بالتزامن مع "مصادرة" الودائع، الأمر الذي ربط سقوط الثقة الخارجية بسقوط الثقة الداخلية، فجرّ السقوطان لبنان إلى هاوية انسداد ما تبقى من "معابر نافعة" لتدفقات العملات الصعبة.

"وجدوها" في لبنان وسوريا، فلا قيمة لا لوطن ولا لشعب ولا لاقتصاد ولا لمجتمع. القيمة الوحيدة متداخلة بين عشّاق التسلّط وبين مرتزقة "الأجندة الإيرانية"

• إن لبنان من دول قليلة تتمتّع بميزة إقرار الجميع من دون استثناء باستفحاش آفة الفساد فيه، ولكن بدل معالجة هذه الآفة يلجأ الحكّام إلى الإمعان فيها، بحيث تتنافى شعاراتهم الإصلاحية مع نهجهم السلطوي، وبدل إدخال تغييرات جذرية على هذا النهج، يبيعون الناس أوهاما، من خلال تقديم "كبش محرقة" من هنا و"كبش محرقة" من هناك، مرفقة بوعود "همايونية" كقدرة السيطرة على تدهور العملة الوطنية التي إن صدقت تعني تصفية ما تبقى من احتياطات استراتيجية شحيحة في خزائن "مصرف لبنان".

• إن العجز أمام واجب مكافحة الفساد يبدو للكثيرين لغزا، ولكنّه، في حقيقة الأمر هو ركن أساسي في الفساد السيادي، فمن يساهم بتقديم رأس لبنان على طبق من فضة للأجندة الإيرانية، يواظب على قبض "الثلاثين من الفضة" المتأتية من الفساد واللصوصية ونهب المال العام.

تريدون الخروج من الكارثة، أخرجوا لبنان من الارتهان. هذا هو الحل.

إن حل الأزمة في لبنان ليس تِقنيا، بل سياسي.

وهذا الحل، لا يكون برمي المشكلة على الموظفين، مهما كانوا رفيعي المستوى، لأنّ المشكلة نابعة من السياسة ومنبثقة من السياسيين.

وهذا الحل واضح وضوح الشمس، وصارخ صراخ الأنين، وصلب صلب الجوع، وهو لا يحتاج إلى مستشارين بل إلى شجعان.

يوم نعثر على هؤلاء الشجعان، حينها، نحن من سوف يصرخ: Eurêka.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.