A Yemeni youth riding a donkey waits to fill jerrycans with water from a cistern at a make-shift camp for the internally…
فتى يمني ينقل المياه إلى عائلته

منذ مئات السنين، تتناقل الأجيال المتعاقبة خلاصة حكمة الأجداد في جدوى الادخار لمواجهة الأزمات العصيبة المحتملة، عبر المثَل الشعبي الدارج "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود". والقرش الأبيض هنا، يستعمل مجازيا ويراد به الحديث عن أحد أنواع العملة التي استعملت في دول عربية وغير عربية، إبان الحكم العثماني لها، والذي كان قطعة كبيرة من الفضة البيضاء الخالصة، قبل التحول لاحقا إلى تداول النقد الذهبي ومن ثم الورقي.

في نظرة عامة للأوضاع المعيشية الصعبة التي تعيشها اليوم معظم شعوب الدول العربية، وبشكل خاص العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى المصاعب الاقتصادية التي ألمت بدول الخليج الثرية جراء تأثير انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا الأخيرتين، وفي مقدمها السعودية التي أوقفت بدل غلاء المعيشة عن المواطنين مع رفع ضريبة القيمة المضافة، تشير بمجموعها، ليس بأننا "ذاهبون نحو الهاوية"، التي تداولها اللبنانيون مؤخرا كجملة لغوية وظفت في سياقات تعبيرية متهكمة، تسخر ممن أطلقها وأوصلهم إليها، بل تشير إلى أننا، ومنذ زمن بعيد، نقبع في قعر هذه الهاوية.

قصص الجوع القادمة من بعض الدول مثل السودان أو العراق أو اليمن أو سوريا، يصعب تصديق قسوتها

بين ليلة وضحاها، صُدمت القلة من المدّخرين على طريقة أجدادهم، بحقيقة أن قروشهم البيضاء، التي احتفظوا بما تيسّر منها تحت البلاط، باتت تعني لا شيء، ولا تساوي في قيمتها الشرائية، إلا الهباء. أما الشطّار من العصريين، ممن اقتطعوا من رفاهيتهم وأودعوا لأجل مستقبلهم، بعض المال، والكثير من الثقة، في المصارف الحديثة ذات الصروح الفخمة والأنيقة، استيقظوا على صوت صرير الجرذان الضخمة المتوحشة، تقرض جنى أعمارهم، تحت أعين القوانين ومبررات صانعيها.

في الواقع، لم يمتلك عموم الناس، خلال العقود الزمنية الثلاث الماضية على الأقل، المقدرة على الادخار، إذ ساهم الغلاء المقيم والمتصاعد، والضرائب الكيدية التي لا تتوقف، على امتصاص كل ما يجنى من أرزاق، تتوزع إما لتسديد إيجارات البيوت وأثاثها، أو المحلات التي تستثمر للعمل، أو لتسديد أقساط سيارة تستعمل للخدمة، أو أقساط المدارس والجامعات، ومواجهة النفقات الباهظة الحديثة مثل الهواتف الذكية وأجور الإنترنيت. وما تبقى، إن تبقى، ينفق للطعام والشراب والطبابة، وفي جميع الأوقات، من النادر أن تعثر على أسرة لا تغرق في الديون نهاية كل شهر، بحيث تتفاقم ديونها بشكل مضطرد، ويصبح من المتعسر سدادها.

لم يكن عموم الأفراد مترفين أو مرفهين يوما بحسب فلسفات بعض أرباب السلطة وتحليلاتهم العبقرية، بل كانوا يعيشون بتوازن حسابي استثنائي ضمن الحدود الدنيا لمستويات المعيشة، وعوملوا دوما، وبازدراء مقصود، على أنهم يد عاملة رخيصة، يتم التفاخر برخصهم خلال مؤتمرات وبازارات جلب وجذب الاستثمارات العالمية.

فيما أدى سوء إدارة الموارد والثروات، واتباع سياسات اقتصادية مريبة، إلى إنجاب معادلة حسابية فذة ومبتكرة تسجل لأصحابها، ترجمت بالإثراء الممنهج للنخبة، على حساب الإفقار الممنهج للعامة، وهي معادلة سرعان ما تم الإعجاب بها والتماهي معها، وتقليدها من قبل العديد من الدول الشقيقة.

النتيجة، تحصد معظم الشعوب العربية اليوم، الفقر الشديد، والمرتقب تصاعده من الآن وحتى سنوات قادمة، وهو فقر، لا يزداد ويتفاقم نتيجة لحالات طوارئ، أو التأثر بتراجع اقتصادات العالم مؤخرا، بل ثبت في الحقيقة أنه شريك مقيم وراسخ ومتوحش، زرع بين الناس منذ زمن طويل، وبقصدية سُمّية، يهدف إلى "تتفيه" الفرد، وتجويعه، وتجريده من أي طموح، أو المقدرة على الحلم برغد العيش، واجتراع كل الوسائل والذرائع، التي تمكن باستمرار من تضييق كل خناق عليه، ليظل مثل أسير صخرة سيزيف، يقضي عمره وهو يلهث ساعيا لإبعادها عن كاهله، لكنها سرعان ما تنزلق بسهولة وتتدحرج لتسحقه من جديد.

قد يبدو ما تقدم شديد السوداوية، وتشاؤم مبالغ به، لكن الحقائق على الأرض أقسى بكثير من هذه الكلمات التي ستبقى مجرد كلمات، في بلاد لا تقدم فيها الكلمات، ولا تؤخر

قصص الجوع القادمة من بعض الدول مثل السودان أو العراق أو اليمن أو سوريا، يصعب تصديق قسوتها، وهي بلاد عرفت منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، بأنها ليست من أغنى البلاد فقط، بل في مقدرتها الحقيقية على إطعام العالم لخصوبة أراضيها وجودة محاصيلها ووفرتها، وعرفت كنبع ثري لا ينضب من اللحوم ومشتقات الألبان، والتي باتت اليوم تشكل ترفا خالصا، وحلما من أحلام اليقظة، شأنها شأن الفاكهة التي يتعذر على بعض الشعوب شراؤها، وهم من أهم الدول المنتجة والمصدرة للفاكهة، مثل لبنان المنكوب.

لا ينكر أحد تأثير الحروب التي عانت منها بعض هذه الدول، وتأثير العقوبات الاقتصادية الدولية التي دفعت الشعوب ثمنها، لكن هذه الأعذار، لا تبرر أو تعفي مسؤوليها من تحمل نتائج سياساتهم الاقتصادية الخاطئة التي مورست لسنوات، وإن كانت أراضي هذه الدول ما زالت خصبة والمحاصيل وفيرة، إلا أن النكبة الحقيقية قد وقعت وباتت تكمن في شح المال لدى الأفراد وانعدام القدرة الشرائية، وبالتالي يمكن توقع تدهور قريب للصحة والمناعة العامة، وتفشي الأمراض، وتدهور المظهر العام، مع ارتفاع أسعار الثياب ومواد التنظيف وغلاء الكهرباء والماء والمشتقات النفطية، وارتفاع نسب الجريمة والسرقة والانحلال الأخلاقي وأعمال العنف المجتمعي إلى أرقام فلكية، يضاف إليها تدهور التعليم وتراجع مستوياته، مع عدم مقدرة الأهالي على إرسال أولادهم للمدارس، ومواجهة المستحقات التعليمية الباهظة، والتي تبتدئ بعدم المقدرة على وضع "سندويشة صغيرة" في حقائب أطفالهم المدرسية.

قد يبدو ما تقدم شديد السوداوية، وتشاؤم مبالغ به، لكن الحقائق على الأرض أقسى بكثير من هذه الكلمات التي ستبقى مجرد كلمات، في بلاد لا تقدم فيها الكلمات، ولا تؤخر. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.