سارة حجازي.. لعنة الاضطهاد من الحياة إلى الموت
هي أدانت العالم لأنه كان قاسيا، وهذه إدانة سياسية في لحظة النهاية

ليس سهلا أن تكون إنسانا في عالم معجون ومنقوع بمزيج تراكمات من "وهم المقدس" والعادات والتقاليد والموروثات العصية على النقد. كل ذلك ليس أكثر من طبقات متراكمة وسميكة تغطي جوهر الإنسان وتخفيه وربما في حالات كثيرة تلغيه.

وكذلك، ليس سهلا أن تحمل ادعاء "إنسانيتك" في عالم كانت إنسانيتك مضطهدة فيه لزمن طويل، بسبب معتقد أو انتماء أو توجه اخترته أو وجدت نفسك به، فيصبح رد الفعل الكاره للجميع والمطالب بأن يكون توجهك أو انتماؤك أو معتقدك هو الغالب على الجميع بحكم الاضطهاد التاريخي.

أن تكون إنسانا، معناه أن تكون أنت هو أنت، بكل تركيبك الشخصي بالغ التعقيد وبكل مركبات التكوين الخاصة التي تميز الفرد عن سواه، والأهم أن تقبل بالاختلاف، الاختلاف القائم على مفهوم "الإنسان" وحقوقه الطبيعية جميعا.

أن تؤمن بإله "وربما آلهة" أو لا تؤمن بالمطلق، فهذا يدخل بباب الاعتقاد، حق شخصي كامل لك مطلق الحرية فيه، ومطلق المنع أن تصادره من سواك.

تماما مثل الراحلة سارة حجازي، التي انتهكت الدولة البوليسية إنسانيتها بالتواطؤ مع "الجهل المقدس" باسم الدين، والذي لا يزال ينتهك حقها الإنساني ـ حتى بعد الموت ـ بطلب الرحمة لروحها

أن يكون لك حق في انتقاد السلطة السياسية، حق مشروع بل ربما يكون واجبا لضمان استمرار تداول السلطة لا احتكارها، غير المشروع أن تلغي من يخالفك، فهذا أول الاستبداد.

أن تكون لك رؤية أو توجه فكري يعمل على تنظيم حياة الناس وأحوال عيشهم ومعاشهم، فتلك حرية فكرية تعني أن رؤيتك مطروحة للجدل والنقاش ضمن رؤى أخرى متعددة، والتعددية هي وحدها من يضمن دوام العيش ورخاء المعاش.

كل ذلك مما سبق ذكره، خطر ببالي كتأملات شخصية أجملت فيها ما قرأت وسمعت وشاهدت في حياتي بكل منعطفاتها، وقد انتهيت "متعبا جدا ومجهدا" من قراءة كل تداعيات وردود أفعال حادثة انتحار السيدة سارة حجازي، السياسية المصرية المقيمة في كندا.

♦♦♦

الراحلة سارة حجازي، حالة مذهلة من التحولات والمنعطفات في سيرة حياة قصيرة جدا اختارت هي لحظة إنهائها وبترها بنفسها.

وبصراحة لم يكن اسمها ليعلق بذاكرتي لولا انتحارها وما أعقبه من تداعيات مختلفة، لكن متابعة ما تيسر "وهو كثير" عنها ومن مختلف الزوايا ومشاهدة الصور يجلني أتوقف عند فتاة مصرية مجالها العلمي والعملي هو تكنولوجيا المعلومات، مما يعني أنها متمكنة جيدا بأدوات العالم الحديث ولغته، وهي يسارية رغم ذلك، وهذا مرده ببساطة أنها ترفض الظلم السلطوي الذي يمثله النظام السياسي في بلدها فاختارت خندق خصوم يتناسب مع قناعاتها الاجتماعية والدينية، وكان يمكن لها أن تناهض السلطة أيضا من خندق اليمين المتدين، لكن ذلك بعيد عن قناعاتها الشخصية.

كانت ناشطة حقيقية، تؤمن بالمساواة والعدالة الاجتماعية والاشتراكية، وعملت كقيادية لتؤسس مع أقرانها حزب العيش والحرية "تحت التأسيس" لسنوات، وربما تعلمت "كما أقرانها" أن الحيلة الخبيثة في أنظمة تدعي الديمقراطية تكمن دوما في التفاصيل، فلم يستطع المؤسسون طوال خمس سنوات أن يجمعوا التواقيع المطلوبة للتأسيس حسب قانون تم تفصيله ليبقى القائد الأوحد والملهم خيار الضرورة الوحيد.

كانت هويتها الجنسية ثغرة يمكن من خلالها تمزيق الإنسان فيها، تصفيته وبتواطؤ مع المعتقد الديني والموروث الاجتماعي معا

شخصيا، لم أكن لأنتسب لحزب "العيش والحرية" ببرامجه التي لا أرى فيها واقعية سياسية أو رؤية عملية للحكم. لكن حق الحزب ومنتسبيه بطرح رؤاهم حق شرعي تم وأده منذ البداية.

لم تكن المرحومة سارة حجازي تشكل خطورة على الأمن القومي المصري بسبب ميولها الجنسية، ولم تكن هويتها الجنسية استهدافا لأمن الدكتاتور وسلطته، بل كانت هي بشخصها نموذجا صارخا للتحولات الثورية المتمردة على السلطة والزعيم، ورؤيتها السياسية المخالفة بوضوح لكل ما يمثله النظام العسكري المستبد والفاسد كانت خطرا على أمن الدولة، تلك الدولة المختطفة من العسكرتاريا، كانت أنثى في مجتمع تم تغييب نصفه باسم الدين والعادات والتقاليد، وروحها الثورية ـ على شدة هدوئها الشخصي ـ مشروع يقظة لنصف المجتمع، وهذا غير مسموح في دولة العسكر.

لذا كانت هويتها الجنسية ثغرة يمكن من خلالها تمزيق الإنسان فيها، تصفيته وبتواطؤ مع المعتقد الديني والموروث الاجتماعي معا، وهذا ما حصل، فلم يكن تعذيبها واعتقالها التعسفي في مراكز أمن السلطة قضية تستحق الذكر. لكنها في الواقع كانت إنسانا يتعرض للتعذيب في زنزانة، ربما كان في الزنزانة المجاورة لها إنسان آخر مختلف عنها يتعرض لذات التعذيب، ويشترك معها برفض الاستبداد.

♦♦♦

اختيارها لنهاية حياتها "وأنا ضد الانتحار عموما" كان يحمل وجه شجاعة رغم أنها صرحت بأنه ضعف، وتلك الشجاعة تلقت جرعة رومانسية إضافية برسالتها الأخيرة، كان يمكن أن تجعل من قصتها حالة "جان داركية" فاعلة، لكن سلطة العسكرتاريا في مصر، لا تسمح بحدوث ذلك، وبخبرة تلك السلطة الأمنية في قيادة الدمى والمغيبين، استطاعت أن تثير الجدل الكبير حول الراحلة وتجريدها من إنسانيتها، ومحاكمة هويتها، ووضعها في قفص اتهام أمام نص مقدس، بل وتضخيم الحالة كلها من خلال وضعها خصما شخصيا أمام الله نفسه، وهو ما سيدينها أمام غالبية جمهور المحلفين في العالم العربي الغارق في ملاحقة الخبز، وتعاطي الحشيش الفكري، ومطاردة ضوء القمر.

لكن في المقابل، كان تعاطي المتعاطفين مع الراحلة سارة حجازي، غالبيتهم للإنصاف، لا يختلف كثيرا عن تطرف "الجهل المقدس" الذي هاجمها، وكان ذات التركيز على هويتها الجنسية كمصدر بطولة مع أنه "هوية جنسية" لا أكثر ولا أقل، والتغافل عن تمردها السياسي على السلطة، وهو مكمن شجاعتها الحقيقي، ذلك كله ظلمها في رحيلها الذي اختارته برسالة ختامية بسيطة ومؤثرة.

هي أدانت العالم لأنه كان قاسيا، وهذه إدانة سياسية في لحظة النهاية تشمل رؤية بانورامية سريعة لكل ما اختبرته الراحلة، ومن ضمن ذلك الرؤية السياسية التي تعرضت للاعتقال والتعذيب السادي الذي انتهى بها بتفكك نفسي مدمر، يشبه ذلك التفكك النفسي الفظيع الذي نراه مع ناشط سياسي مصري آخر مثل وائل غنيم.

♦♦♦

بالتزامن، كانت الأخبار تحمل فيديو مسرب من ترهونة الليبية، ومجموعة من عسكرتاريا الإسلامويين الذين يرون في إسطنبول عاصمة خلافة (وهؤلاء حالة ميؤوس منها فعلا)، وهم يقومون بتعذيب وانتهاك حقوق مجموعة "عمال مصريين" يعملون في ليبيا التي تمزقها الحرب.

بعض الأطراف قالت إنهم أفراد مرتزقة أو مجموعات مسلحة من الجيش المصري، تحارب إلى جانب "المشير" خليفة حفتر (وهو مستبد عسكري آخر في حروب العبث الشرق أوسطية).

كل ذلك لا يبرر بالمطلق أن يتعرض هؤلاء لانتهاكات جسيمة مثل تلك، وليس لك أن تفترض إلا أنهم عمال يبحثون عن أسباب عيش وقد ضاقت بهم في بلادهم بحكم الفساد والاستبداد. (أي ضيق أكثر من أن تبحث عن عمل في وسط جحيم حرب؟).

أن يكون لك حق في انتقاد السلطة السياسية، حق مشروع بل ربما يكون واجبا لضمان استمرار تداول السلطة لا احتكارها، غير المشروع أن تلغي من يخالفك، فهذا أول الاستبداد

المضحك، كان في الهتافات التي كان يطلب السجان الليبي من هؤلاء أن يصرخوا بها، هتافات عالية تشيد بأبطال ترهونة، وأسماء فصائل ليبية مقاتلة "أو قاتلة"، تقاتل فصائل ليبية أخرى مقاتلة "أو قاتلة".

محاولة طفولية تشبه "مناوشات أولاد الحارة" لكن بانتهاك إنساني بشع، ثم ننتهي بأحدهم ـ ربما ـ في المستقبل جنرالا عسكريا يحمل على صدره نياشين البطولة في تلك الحرب الساذجة.

ما علاقة كل ذلك بالراحلة سارة حجازي رحمها الله؟

حسنا.. فلنفكر قليلا، وبعمق أكثر.

هذا الذي أهانته ميليشيا الجهل المقدس في ترهونة، لو كان من العمال الباحثين عن عيشهم في وسط الحرب فعلا، فهو ضحية دولة فساد ونظام بوليسي اضطرته لكل ذلك، فانتهكت إنسانيته إلى أقصى حد لينتهكها بعد ذلك أرباب الجهل المقدس والدولة الدينية في ليبيا.

تماما مثل الراحلة سارة حجازي، التي انتهكت الدولة البوليسية إنسانيتها بالتواطؤ مع "الجهل المقدس" باسم الدين، والذي لا يزال ينتهك حقها الإنساني ـ حتى بعد الموت ـ بطلب الرحمة لروحها.

وأن تكون إنسانا، معناه أن تحزن كثيرا وكثيرا جدا بنفس السوية على كل تلك الإنسانية المهدورة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.