حسنا كان أن أطلق مقتل جورج فلويد العنان في أرجاء العالم لإدانة العنصرية البنيوية التي لا تزال متأصلة في أوجه عديدة من الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من فعل ارتقاء مستمر منذ ما يقارب ربع الألفية من الأعوام، فإن الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى ما تريده لنفسها من الحرية والمساواة. وكل صوت، من أينما جاء، يدعو إلى تفكيك نظم التمييز التي تعترض سبيل العدل هو دفع بالاتجاه السليم.
بل تستحق الولايات المتحدة أن تساءل عن التناقض، بالتأكيد، بل ربما النفاق، في دعوتها الآخرين إلى التصويب والتصحيح والتقويم فيما هي تهمل ما في لدنها من تفرقة وتمييز.
ولا شك أن الاحتجاجات التي تشهدها المدن الأميركية منذ أكثر من ثلاثة أسابيع هي نقطة تحول هامة في تاريخ هذه البلاد، وامتحان جدي لتجربتها السياسية القائمة على أساس مبادئ "الأنوار"، القيم البديهية والطبيعية والعالمية، وحقوق الإنسان.
ولكن كي لا يكون اتهام الولايات المتحدة بالنفاق بدوره نفاقا، لا بد للناقد من مساءلة ذاتية تصاحب استهجانه للحالة الأميركية. ينطبق هذا القول على العالم بأسره، الصين وروسيا وإيران خاصة، كما ينطبق، وهنا بيت القصيد، على المحيط العربي.
علاقة المجتمعات التي تشكل المحيط العربي اليوم بالاستعباد وفروعه لم تكن أقل وحشية، ولكنها لم تجد السبيل إلى الوعي السياسي في الدول التي تشكلت في القرن الماضي
والواقع أن مراجعات قليلة من هذا القبيل تحصل اليوم بالفعل، على مستوى الخطاب كما على مستوى الحراك، ومن المشرّف منها على سبيل المثال مواقف شابات وشبان في لبنان استفادت من ارتفاع الوعي حول "حياة السود ذات شأن" لتبرز قضية غالبا ما تطمس، حول حياة العاملات المنزليات الأجنبيات وكرامتهن وحقوقهن المالية، على أنها هي أيضا ذات شأن، في مجتمع يمعن في إهمال هذه المسائل، ضمن تراتبيته الاجتماعية التي استوعبت الكثير من أشكال الحداثة وأهملت الكثير من مضمونها، وضمن نظام إداري يشجّع هذا الإهمال بالتخفيف من عواقب ارتكابه.
على أن هذه الحالات تبقى نادرة أمام اجتماع عاملين طاغيين يمنعانها من التطور باتجاه التأثير البناء على الوضع القائم.
العامل الأول هو العداء المبدئي للولايات المتحدة، والمبني على استثمار معنوي ومادي وفكري، قائم على التركيز على مدى عقود على خطايا الولايات المتحدة وأخطائها وهفواتها، لبناء صرح عقائدي يجعل منها أساس الشر، أصله ومصدره، ويصل إلى ما يقارب حد افتراض اقتصار صدور الأذى عنها.
ليس أن الولايات المتحدة منزّهة عن السياسات والممارسات التي تستحق النقد والإدانة، بل السخط والغضب. ولكن المسألة هي في التصوير والمقادير. تجاوزات الولايات المتحدة وجرائمها، في معظم الناتج السياسي العربي، لا تغتفر. أما ما يقترفه غيرها وإن فاق ما أقدمت عليه بأشواط، فهو إما منسي، أو أهميته مقلّلة، أو يعود توجيهه ونسبته للولايات المتحدة نفسها. والتاريخ المدان يبتدئ عند ردة فعلها، لا عند الفعل الذي أثار الرد. والصفح لغيرها متاح، بل هو الأصل، أما لها، ولإسرائيل طبعا، فلا غفران ولا نسيان، بل إمعان بالاستعداء، وإن كان الثمن المزيد من الضرر والضرار. لا جدوى من خوض سجال استعراض الأفعال وأوزانها مع المعتنقين لدين بغض الولايات المتحدة هذا، فتفسيراتهم دائما حاضرة. بل هي غيبية كما في سائر الأديان.
على أن دين بغض الولايات المتحدة هذا يأتي مرفقا بمغامرة أهوائية أخرى تشكّل العامل الثاني الذي يعيق التقدم باتجاه النقد الذاتي، وهي التربيت الذاتي المستمر على الظهر تحت شعار "الحمد لله على نعمة الإسلام".
لا خلاف بالطبع أن يعتز أي مؤمن بدينه. ولكن لا تسليم بالمقابل بهذا الاعتزاز كأساس مشترك للقراءة التاريخية خارج إطار الحلقة الدينية المعنية. الدين، أي دين، في كافة تعابيره وظواهره ومراحله، ونصوصه وفرائضه، سواء أكّد المؤمنون به أزليتها أو اختلفوا حول دقائقها، هو موضوع سؤال على الأقل، إن لم يكن مساءلة. يكاد الإجماع أن يكون أنه لا خلاف على هذا المبدأ إزاء أديان الآخرين. أما فيما يتعلق بالدين الحق، أي كل دين بالنسبة لأتباعه، فالمسألة فيها نظر واعتراض.
غالبا ما يأتي مسعى كبح هذا السؤال بصيغة "من أنت لتسأل؟". المعترض الساعي إلى الكبح يستدعي مرجعية دينه ليؤكدها وينزهها عن السؤال. المغالطة هي أن هذا الاستدعاء دائري وإيماني ولا يشكل مرجعية مشتركة. والرد على مسعى الكبح من خارج الحلقة الدينية هو بسؤال "من أنت لتمنع السؤال؟".
بل قد يأتي السؤال من داخل الكسوة الإيمانية، بأن يسعى السائل المؤمن لأن يفقه الغاية العليا لغياب ما يفهمه من كمال في موضوع إيمانه. له أن يذهب مذهب من يقول إنه غير قادر على بلوغ الحكمة العليا، فيما هي حقيقة على أية حال، وله أن يرى أن قدره المحسوب هو أن يسأل ويبحث ويجد ما هو على مقاسه.
أما من خارج الإطار الإيماني، فللسائل أن يرى في إباحة الاستعباد علة أصيلة في الدين لا تصحّحها كفارات عتق الرقاب ولا دعوات الرفق بالعبيد. بل له ابتداءً أن يرفض المقاربة، والتي تشير إليها عبارة "الحمد لله على نعمة الإسلام" في سياق اعتبار ما تشهده الولايات المتحدة، إذ تعارض بين نظرية إسلامية لا تتجاوز تلطيف العبودية، وبين تطبيق يبقى قاصرا في تكرر سقطاته إلى اليوم في الحالة الأميركية.
كي لا يكون اتهام الولايات المتحدة بالنفاق بدوره نفاقا، لا بد للناقد من مساءلة ذاتية تصاحب استهجانه للحالة الأميركية
أي إما أن تكون المقارنة بين النظرية الإسلامية، والتي تبيح الاستعباد والاسترقاق وملك اليمين، وإن أدرجت بعض الشروط والقيود والتي يمكن للمسلمين من العبيد والرقيق والسبايا أن يستفيدوا منها إلى حد ما، وبين النظرية "الأنوارية" والتي تقول إن الناس أحرار بالمطلق، ومتساوون بالمطلق، ومستحقون للكرامة بالمطلق. أو أن تكون المقارنة بين التاريخ الإسلامي وتاريخ الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية التي سعت إلى التزام قيم الأنوار.
تاريخ الولايات المتحدة متخم بالعيوب. وإذا كان ثمة كشف لهذه العيوب فلأن هذا المجتمع، أي أحفاد الذين حفرت الأسواط أجسادهم كما أحفاد الضاربين بالأسواط، وإن على تفاوت، يفندون هذا التاريخ ويسعون بخطوات صعبة، ويحققون تقدما دؤوبا، وإن شابه بعض التراجع، نحو المراجعة الذاتية التي من شأنها الدفع باتجاه الوعد بالمساواة.
في المقابل، علاقة المجتمعات التي تشكل المحيط العربي اليوم بالاستعباد وفروعه لم تكن أقل وحشية، ولكنها لم تجد السبيل إلى الوعي السياسي في الدول التي تشكلت في القرن الماضي. ما لا يجوز هو الخلط بين ضياع ذاكرة هذه الفصول وبين افتراض أن المحيط العربي، وامتدادته الإسلامية كافة، براء من هذه الممارسات، بأشنع صورها.
هي فصول تتجول، في الماضي القريب وحسب، من "عبيد البخاري" في المغرب الأقصى إلى "الآغاوات" في قصور الدولة العلية، مرورا بالأسرى من النصارى في الجزائر وتونس وطرابلس، وحصاد الزنوج من زنجبار والسواحل إلى عمان وسائر الخليج، والجواري على اختلاف المسميات وعلى مدى الممالك المحروسة، وصولا إلى الحراتين في تراب البيضان، ومراكب جدة بحمولتها من السودان، وحملات وادي النيل إلى بربرستان.
كل فصل من هذه الفصول، وكثير غيرها، يستحق التدقيق والتقصي والتحليل والمساءلة، بقدر ما يستحقه استعباد الإنسان "الأسود" في العالم الجديد.
بدلا من العناية تلقى هذه الفصول بمجملها الإهمال، والاستخفاف، والإنكار. هي تحظى طبعا بـ "ماذا عن...؟". قطعا، الفلسطينيون أصحاب شأن، والروهينغا أصحاب شأن، والأويغور أصحاب شأن، والكشميريون والشيشان والمسلمون في أفريقيا الوسطى أصحاب شأن. وإن كاد ذكرهم لدى من يطرح السؤال يقتصر على طرح السؤال.
أميركا، كم أنت بحاجة إلى الارتقاء. وكم المحيط العربي بحاجة إليه كذلك
الطعن الممنهج بإنسانية "الزنجي" كان قاسما مشتركا في الطروحات الفكرية بين ضفتي المتوسط. ولكن في حين أن المجتمعات الأوروبية ثم الأميركية ولّدت تحديا داخلها لهذا الطعن، وأنتجت حركات إعتاق أعادت ترتيب المصالح لتنتظم مع القناعات، فإن المحيط العربي الإسلامي لم يشهد شيئا من هذا القبيل.
لا بأس بأن تزعم تونس بأنها أول من حظّر الاستعباد في العالم الإسلامي، أو أن تعتز تركيا بأن الفرمان السلطاني قد حرّمها قبل دول أوروبية مختلفة. ولكن الواقع هو أن هذه الخطوات جاءت تلبية لمطالب قاهرة من دول أوروبية، ولا سيما بريطانيا، وليس نتيجة تدرج فكري أخلاقي معنوي محلي طالب برفع هذا الظلم.
لا، لم تحصل المراجعة الذاتية التاريخية لتاريخ مرهق بالاستعباد. والحصيلة ليست مجرد مشاهد متناقضة، إن لم تكن منافقة، في استنكار الظلامة التي تطال الأفارقة الأميركيين. بل هي، وهنا الجانب الأهم، تستّر متعمد أو وليد سهو خطير، عن واقع أن الاستعباد لا يزال حقيقة واقعة على مدى العالم العربي. أشكاله عديدة ومختلفة، ولكن ربما أكثرها شدة وصراحة هي حالة السيدات السريلانكيات، الفيليبينيات، الأثيوبيات، البنغلادشيات، اللواتي جئن للعمل لينلن مصير من سبقهن من أمات العصور الغابرة.
أميركا، كم أنت بحاجة إلى الارتقاء. وكم المحيط العربي بحاجة إليه كذلك.

