رفض مجلس الشورى السعودي، أواخر الشهر الماضي، توصية تقدمت بها النائبة، إقبال درندري، تطالب بمنح المرأة البالغة حق تزويج نفسها دون الحاجة إلى موافقة ولي أمرها، وتضمن نص التوصية "إصدار إجراءات تضمن حق المرأة البالغة الراشدة، في أن تعقد زواجها بنفسها، أو أن توكل غيرها، دون اشتراط إذن ولي أمرها".
وجاء في مبررات الرفض من قبل اللجنة القضائية بمجلس الشورى أن التوصية تتصادم بصورة صريحة مع "النصوص الشرعية التي تعتبر وجود الولي في عقد النكاح شرطا من شروطه"، إضافة لتعارضها مع العُرف الذي يعتبر مصدرا من مصادر التشريع، حيث أن "عُرف المجتمع السعودي يعتبر وجود الولي في عقد النكاح أمرا لا بد منه".
لا شك أن موضوع "الولاية" يعكس إشكالات حقيقية تتعلق في أساسها بحالة الجمود التي أصابت العقل الإسلامي جراء التراجع الحضاري المستمر منذ عدة قرون وما ارتبط به من تمسك شكلاني بالموروث التاريخي الذي تجاوزه العصر مما انعكس في حالة من الاغتراب الزماني أوقعت المجتمعات الإسلامية في أسر التاريخ.
الاغتراب الزماني يعني تمثُل حالة فكرية أو مفاهيمية أو قيمية سادت في وقت مضى والعمل على استدعائها من أجل مواجهة قضايا ومشاكل معاصرة ومُستجدة، حيث يتم الاستناد على مرتكزات فكرية ماضوية مستمدة من الفقه الإسلامي في القرون الوسطى من أجل مخاطبة تحديات الحاضر والمستقبل.
من المعلوم أن آراء الفقهاء حول موضوع الولاية قد تشكلت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة عن التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين، حيث صارت المرأة شريكا للرجل في العمل والمجتمع
تكمن علة الاغتراب الزماني الأساسية في محاولة التشبث بالموروثات الفكرية بوصفها أحكام وقوانين سرمدية عابرة للتاريخ، ثوابت لا تتأثر بمتغيرات الزمان والمكان، ولا تتعرض للتمحيص والنقد، حيث تتم استعارة الماضي بحسبانه يمثل صورة النجاح المكتملة وبالتالي يتم تجاهل مبادئ التجربة الذاتية، والركون إلى المفاهيم والأفكار والحلول الجاهزة التي أوجدها أصحابها لمواجهة تحدياتهم الخاصة المختلفة زمانيا.
عندما جاء الإسلام لم تكن للمرأة في مجتمعات الجزيرة العربية حقوق تذكر، فقد كانت ملكا للرجل بكل ما تعنيه الكلمة، فهي على سبيل المثال كانت تُورَّث مثلها مثل الناقة والخيمة، ولكن القرآن منحها حقوقا لم تكن تحلم بها في ذلك السياق التاريخي، حيث باتت ترث نصف الرجل وشهادتها نصف شهادة الرجل وكان هذا بمثابة ثورة كبيرة على الأوضاع الاجتماعية السائدة في ذلك الزمن.
كان مؤملا من الفقهاء السير في اتجاه تعزيز مكتسبات المرأة التي منحها لها الدين الجديد، ولكن بعضهم ـ كما يقول خليل عبد الكريم ـ سار نحو تحجيمها بشكل يتعارض مع التوجه الذي أرساه القرآن، فنجد مثلا أن فقيها مثل "ابن تيمية" يفتي بأنه ليس من حق المرأة أن تأخذ نقودا في يدها حتى لشراء ملابسها الداخلية وأن الرجل هو الذي يشتريها لها وأن على المرأة كذلك أن تخدم زوجها وأولادها وكذلك "عبيد" زوجها!
في هذا الإطار تكونت آراء المذاهب الفقهية حول موضوع الولاية الذي يشمل العديد من الجوانب من بينها ضرورة إشراك رجل (ولي) لإتمام زواج المرأة، حيث رأى فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة أن الزواج يكون باطلا دون مشاركة الولي بينما اختلف معهم الأحناف وجوَّزوا تزويج المرأة لنفسها دون الحاجة لولي.
الذين اشترطوا وجود الولي استندوا على الحديث الذي أخرجه ابن حبان والحاكم وأبو داؤود منسوبا للرسول والذي يقول: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، فضلا عن الحديث الآخر الذي رواه بعض أصحاب أحمد وأبو داؤود: "أيما امرأة نكحت بدون إذن وليها فنكاحها باطل".
أما الأحناف فقد استندوا في جواز تزويج المرأة نفسها على الحديث الذي رواه ابن عباس وقال فيه إن فتاة جاءت إلى النبي فقالت يا نبي الله إن أبي زوجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة، فقال لها أجيزي ما صنع أبوك فقالت لا رغبة لي في ما صنع أبي، قال فاذهبي فانكحي من شئت، فقالت لا رغبة لي عما صنع أبي يا رسول الله ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء.
استدل أبو حنيفة على تعضيد رأيه بالحديث أعلاه من عدة وجوه، منها قول الرسول "فانكحي من شئت" وفيه عدم إنكار لقولها "لا رغبة لي فيما صنع أبي"، مما يثبت حقها وكذلك فإن قول الرسول "أجيزي ما صنع أبوك" يدل على أن العقد الذي أبرمه أبوها غير نافذ عليها دون إجازة منها.
موضوع "الولاية" يعكس إشكالات حقيقية تتعلق في أساسها بحالة الجمود التي أصابت العقل الإسلامي جراء التراجع الحضاري المستمر منذ عدة قرون
قرر القرآن أن الولاية في الإسلام تقوم على شرط واحد هو "الإيمان" وليس هناك شرط سواه، وهو الشرط الوارد في سورة التوبة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم).
إن اشتراط وجود الولي في إكمال عقد الزواج لا يخالف القرآن فحسب، بل يتعارض مع حقوق المرأة التي تضمنتها اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي انضمت إليها المملكة العربية السعودية عام 2001، وهي اتفاقية تلزم الدول الموقعة بضمان حقوق النساء في العديد من النواحي من بينها تزويج نفسها بمحض إرادتها.
من المعلوم أن آراء الفقهاء حول موضوع الولاية قد تشكلت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة عن التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين، حيث صارت المرأة شريكا للرجل في العمل والمجتمع، واكتسبت حقوقا لم تكن تدر بخلد أولئك الفقهاء فصارت رئيسة للقضاء ووزيرة للخارجية في بلد مثل السودان، كما نالت بعض النساء الولاية الكبرى (الرئاسة) مثل "بنازير بوتو" في باكستان والشيخة "حسينة واجد" في بنغلاديش.
وإذ نالت النساء تلك الحقوق الكبيرة، فإنه يصبح من غير المفهوم أو اللائق استمرار العمل بنظام الولاية في هذا الزمان، وهو نظام يلزم المرأة العاقلة والراشدة بالحصول على موافقة وتصريح من ولي أمرها الذكر (والدها أو أخيها أو أحد أقاربها) لتزويجها فضلا عن قضاء أبسط احتياجاتها مثل السفر أو استئجار منزل للسكن أو رفع دعوى قانونية!

