تسارعت التطورات في ليبيا خلال الأسابيع الماضية بحيث انتهت ساعات الصفر العديدة التي أعلن عنها الجنرال خليفة حفتر "لتحرير" طرابلس إلى سلسلة من الانسحابات التكتيكية على طريقة البيانات العربية خلال حرب يونيو 1967 التي مرّت ذكراها قبل أيام؛ وذهبت كل التحضيرات العسكرية والمناورات السياسية التي بدأت في أبريل 2019 لإعادة إنتاج نظام قذافي جديد أدراج الرياح، رغم كل ما رافقها من ضخ أموال ودعم عسكري خارجي وشراء ولاءات بعض قادة الميليشيات في الغرب الليبي.
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوّل من سلّم بهزيمة حفتر، فتمّت دعوة نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق إلى موسكو، حيث التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وأكّد على أن روسيا شريك مهم جدا في استقرار ليبيا وأن لا حل عسكري للصراع الليبي.
وانعكس موقف بوتين الجديد في تغطية أكثر موضوعية لأحداث ليبيا في الإعلام الروسي. لكن داعمي حفتر العرب لم يستطيعوا حتى على سبيل المناورة السياسية ادعاء الحياد، ولم يحاولوا فتح قنوات اتصال مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وما زال إعلامهم يهاجم هذه الحكومة ويلومها على استعانتها بالأتراك رغم أنهم هم من دفعوها إلى ذلك عند محاولتهم احتلال طرابلس مستعينين بمرتزقة أجانب.
تشبه أجواء الخلافات العربية وما يرافقها من مكائد ودسائس ما كان يحدث في الماضي بين دويلات الطوائف، حيث تأخذ الصراعات طابعا شخصيا
بل لا يبدو عليهم أنهم تعلّموا شيئا من مغامرتهم الفاشلة مع حفتر، لأنهم يكرّرون اليوم نفس الاتصالات الدولية التي قاموا بها قبل خمسة عشر شهرا لتحريض قادة عالميين ضد حكومة الوفاق مع ترديد اتهاماتهم السابقة ذاتها بأنها إسلامية، بدل محاولة العمل على كسب ود الشعب الليبي في مختلف الأقاليم والعمل على تحقيق مصالحة وطنية شاملة ومساعدة الليبيين على بناء دولة ديمقراطية عصرية. لا بل ما زالوا يراهنون على حفتر الذي ذهب بعد هزيمته إلى القاهرة التي قدمت مبادرة للحل بمشاركته من المستبعد قبولها في طرابلس نتيجة موقف القاهرة البعيد عن الحياد.
وواقعية بوتين في تعاطيه مع الوضع الليبي تجعل من غير المستبعد أن يتعامل مع القضية السورية بطريقة مشابهة. إذ قال قبل أيام سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي بأن روسيا مستعدة للحوار مع الولايات المتحدة حول "التسوية السياسية للأزمة السورية بالتوافق مع القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن". وكتب كولين كلارك وويليام كورتني في نيوزويك أن "بوتين بدأ يسأم من الشراكة مع الأسد".
وظهرت مؤشرات على إيقاف روسيا مساعداتها الاقتصادية والمالية للنظام السوري مما أدى إلى انهيار كبير في سعر صرف الليرة السورية وتردّي غير مسبوق في الوضع الاقتصادي، في حين انقسم العرب حول سوريا بين من يدور في فلك إيران ويراهن على انتصار نظام الأسد، وبين من يرى أن مواجهة النفوذ التركي تكون بدعم هذا النظام، أي اتفق الطرفان على الوقوف ضد تطلعات غالبية الشعب السوري بالحرية.
ويقدّم تعامل بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أوضح مثال على واقعيّته السياسية، فقد حافظ على علاقة حسنة معه حتى بعد أن قامت طائرة أف 16 تركية بإسقاط طائرة سوخوي روسية نهاية عام 2015، بما يعتبر إهانة كبيرة لدولة نووية عظمى يصرّح إعلامها ليلا نهارا بأنها أصبحت في عهد بوتين قوة مكافئة عسكريا للولايات المتحدة. ورغم أن هذه الحادثة كشفت عن المستوى المتواضع للأسلحة الروسية مما قد ينعكس بشكل سلبي على مبيعاتها التي تشكل المصدر الثالث لدخل روسيا، حافظ بوتين على علاقته مع إردوغان حتى بعد إغتيال السفير الروسي في أنقرة على يد عنصر أمن تركي، لأن بوتين يرى أن علاقته المتينة مع إردوغان مفيدة له شخصيا ولبلده، وفي الجانب المقابل يستطيع العرب أن يتخلّوا بكل سهولة عن المنافع التي يمكن أن تعود على بلادهم من علاقة حسنة مع تركيا لأنهم مختلفون سياسيا مع إردوغان.
وذلك لأن الهدف الأول لبوتين من السياسات التي يتبناها أن تنعكس عليه وعلى صورته أمام العالم بشكل إيجابي ثم أن تخدم بلده، بينما الهدف الأول للكثير من المواقف والسياسات التي تتبنّاها أغلب الحكومات العربية هو تحقيق شكل من أشكال الانتصار على خصومها، ومن المقبول في سبيل تحقيق ذلك تحمّل تضحيات وخسائر طالما كانت تترافق مع إلحاق ضرر بمن تعتبرهم أعداءً.
ويقدم الخلاف الخليجي الذي دخل في شهر يونيو الحالي عامه الرابع أوضح الأمثلة على الطبيعة الكيدية للسياسات التي تتبعها الحكومات العربية والتي تكلّفها ثمنا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا باهظا، فقد عانت اقتصاديات دول الخليج خلال السنوات الثلاث الماضية من خسائر جسيمة نتيجة هذه الأزمة، مثل انخفاض أسعار العقارات في قطر والخسائر الكبيرة لشركات طيرانها وفقدانها مصادر هامة للغذاء والمواد الأولية؛ وفي المقابل قالت وكالة بلومبرغ إن السعودية والإمارات قد عانت أيضا من خسائر كبيرة، فقد كان القطريون من كبار المستثمرين في سوق العقارات الإماراتي، كما أن السعودية فقدت السوق القطري لبيع منتجاتها الغذائية بالإضافة لسوق الإعمار والبناء، هذا بالإضافة إلى تشتّت العديد من الأسر الخليجية، وتقويض مجلس التعاون الخليجي الذي كان من الممكن أن يتحول إلى كيان سياسي واقتصادي كبير له دور مؤثر.
واقعية بوتين في تعاطيه مع الوضع الليبي تجعل من غير المستبعد أن يتعامل مع القضية السورية بطريقة مشابهة
تشبه أجواء الخلافات العربية وما يرافقها من مكائد ودسائس ما كان يحدث في الماضي بين دويلات الطوائف، حيث تأخذ الصراعات طابعا شخصيا، وتنحدر أحيانا إلى مستويات بالغة الخطورة يعبّر عنها التسجيل الصوتي المسرّب الذي انتشر مؤخرا لحديث بين معمر القذافي ووزير خارجية عمان عن مخطط لتقسيم السعودية، لم يتحدث القذافي فيه عن مواجهة النظام السياسي السعودي الذي يختلف معه، بل عن تفتيت السعودية إحدى أكبر الدول العربية إلى كيانات ودويلات صغيرة!
فعندما تنحدر الخلافات السياسية إلى هذا المستوى يصبح كل شيء مباح وتضيع الأولويات، فتتحالف حكومات عربية مع أطراف إقليمية ودولية لدعمها في صراعها ضد دول عربية أخرى، وتتكفّل هذه الحكومات بكافة الأعباء المالية للتحالفات المصطنعة التي تحاول بناءها والتي لا تستند إلى أسس حقيقية، كما تنفق هذه الدول أموالها في عواصم الدول الكبرى على مكاتب علاقات عامة ومراكز أبحاث ووسائل إعلام بهدف الإساءة لصورة خصومها قبل العمل على تحسين صورتها، وبالنتيجة تتكبّد هذه الدول خسائر مالية واقتصادية دون أن تتمكن من تحقيق فوائد سياسية تذكر.
واليوم يقرع انهيار أسعار الطاقة والآثار الاقتصادية الكارثية لجائحة كورونا جرس إنذار قد يدفع الدول العربية لتبنّي سياسات أكثر نضجا وأبعد نظرا، فهي في النهاية في مركب واحد، والأخطار الحالية التي تواجهها غير مسبوقة ومصيرية وتشمل جميع الدول.
كذلك من المفترض أن يحفّز هذا الأمر المثقفين والإعلاميين من مختلف الدول العربية على العمل على رأب الصدع، بدل استخدام الخطابات التحريضية التي تظن أن إظهار الولاء للبلد يكون عبر التفنن في مهاجمة الخصوم، بدل الدفع باتجاه تبنّي سياسات واقعية تحقق مصلحة بلدانها على المدى القريب والبعيد.

