A Lebanese protester stands in front of burning tyres and debris in the area of Jal el-Dib, on the northern outskirts of the…
لك الأمر، ونحن الرعايا المهزومين في جمهوريتك ننتظر قطار الشرق السريع لكي يأخذنا إلى بكين

من الواضح أن خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله الأخير كان موجها للبنانيين يظن أن اعتقادا ساورهم بمبادلة سلاحه بالاستقرار المالي والاقتصادي. ونصرالله هو القوة الوحيدة في لبنان، ولسبابته وقع على معنويات خصومه الذين لطالما نجح بتأديبهم. وها هو اليوم يذكرهم بما سبق أن جرى لهم حين ساورتهم الأوهام. لا سيما وأننا خسرنا في المواجهة السياسية وفي الشارع وفي الانتخابات. لا بأس علينا إذا تصرفنا كمهزومين منتظرين من يملي علينا برنامج الهزيمة، ولنفسح لخطى السيد وللشركات الإيرانية التي أنجزت المهمة في طهران العامرة بنظامها وباقتصادها، وهي بصدد الانتقال إلى بلادنا.

الأمين العام رسم خطة بديلة "متكاملة" للاستعاضة عن الغرب بالشرق وعن الدولار الأميركي بالليرة اللبنانية، ولاستبدال أميركا بالصين وأوروبا بإيران. وبما أنه السيد، وهو لا يُنَاقش، ومعرفته لا تخطء ولا تهتز، وبما أننا على شفير الاختناق، لا بد من أن نبحث عن وجهة أخرى ندفع إليها يأسنا ونصرف بها خيبتنا.

لنعطي الـ"جمل بما حمل" للسيد. فلنسلمه الاقتصاد ومصرف لبنان وعلاقات لبنان الخارجية ونظامه السياسي والاجتماعي والتعليمي والمالي. هذا حق له أصلا، فهو انتصر في المعركة معنا، ويجب أن يُعطى فرصة وأن ينفذ برنامجه. نحن غير مؤمنين بما قاله ولا نعتقد أن الشرق يمكن أن ينقذنا من الإفلاس ومن الانهيار، لكننا مهزومون ولا نقوى مواجهة حزب السيد ومحور السيد وسلاح السيد. علينا أن نسلم أمرنا له، وأن نتركه يدير دفة الاقتصاد والتعليم والثقافة والصحة. 

"حزب الله" نفسه لم يستعض عن الدولار بالليرة اللبنانية. لنتخيل مثلا أن السيد دفع رواتب عناصر حزبه بالتومان الإيراني!

وبما أننا نعتقد أن نصرالله سيفشل، وأنه يعتقد أنه لا يفشل ولن يفشل، فلا خيار أمامنا إلا أن نتركه في هذه المواجهة، ولننتظر النتيجة. لا خيار أمامنا أصلا. لكن الفارق هنا، هو أننا سنكون مجرد مراقب لا حول له ولا قوة في هذه المعادلة وفي هذه الخيارات.

لكن يا أيها اللبناني الحذق عليك ألا تنسى أن هذا السيناريو هو ما يجري اليوم. "الجمل بما حمل" بيد السيد. الرئاسات ثلاثتها، والحكومة والمجلس النيابي، جميعها له، وعلى رغم ذلك يُشعرنا نصرالله أن ثمة من لا يعتقد بخطته الاقتصادية البديلة! فهو يخوض سجالا مع أحد لا نعرفه. أحد خارج الرئاسات وخارج الحكومة وخارج المجلس النيابي. لكنه "أحد" قوي إلى حدٍ يشعر معه نصرالله، الرجل الأقوى في لبنان، أن عليه أن يقنعه لكي تستوي الخطة، خطة الانتقال من الشرق إلى الغرب ومن الدولار إلى الليرة، ومن واشنطن إلى طهران!

لك الأمر، ونحن الرعايا المهزومين في جمهوريتك ننتظر قطار الشرق السريع لكي يأخذنا إلى بكين

من هو هذا الشخص المهم الذي لم يقنعه كلام السيد؟ من هو هذا الشخص القوي الذي لا يستوي الانتقال من الغرب إلى الشرق من دونه؟ فالجمهورية كلها بيد الحزب، إذا ثمة سر في حرص نصرالله على السجال.

الأرجح أن هذا الشخص المهم هو نصرالله نفسه. الرجل يحاول إقناع نفسه، ذاك أنه في نفس الخطاب، وفي سياق آخر، أخبرنا أن "حزب الله" يُدخل دولارات إلى لبنان ولا يخرج منه دولارات. الحزب نفسه لم يستعض عن الدولار بالليرة اللبنانية. لنتخيل مثلا أن السيد دفع رواتب عناصر حزبه بالتومان الإيراني! أو أنه استعاض عن سيارات الدفع الرباعي الأميركية الصنع التي يقودها عناصره بأخرى صينية أو إيرانية! عندها ستنافس شركة "لادا" الروسية "حزب الله" على قلوب مناصريه. ثم هل يريدنا السيد أن نصدق أن إيران نفسها تخففت من عبء الدولار الأميركي؟ الصين نفسها تستثمر هناك في تلك الاقتصادات العدوة يا سيد، وأنت تعرف ذلك جيدا.

لكن بما أن السيد يعرف ذلك، فمن يناقش إذا، وعلى من يصرف كل هذا الجهد؟ هذا شأن أصحاب الكاريزما من قادة وزعماء. لا بد من استثارة شغف المستمعين بخطب لا وظيفة لها سوى شد العصب. ثم أننا علينا ألا ننسى أن السيد هدد من تساوره نفسه بأوهام مبادلة السلاح بالاستقرار. الرسالة وصلت، ولن نسمح لهذا الوهم بأن يساورنا. لكن عليك يا سيد أن تقترح وجهة وبديلا. خيار التوجه إلى الشرق نكتة غير مقنعة، وصاحب السلطة عليه مسؤوليات خصوصا في لحظات مصيرية كالتي نعيشها. قدم لنا خيارا منطقيا، ويمكنك بعدها أن تحاسبنا إذا ما ساورنا وهم بنزع سلاح حزبك.

لك الأمر، ونحن الرعايا المهزومين في جمهوريتك ننتظر قطار الشرق السريع لكي يأخذنا إلى بكين.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.