شعب متدين بطبعه... وشعب مسالم بطبعه... لكنه يمارس أبشع أشكال العنف الجسدي والنفسي، لمجرد أن تعبر عن اختلافك معه.
النماذج هذه المرة تأتينا من مصر ومن الصومال.
البداية مع شاب صومالي اعتنق المسيحية وكان يعيش دينه الجديد بسلام... إلى أن تمت الوشاية به للسلطات الدينية في المنطقة التي يعيش بها، فتم رجمه حتى الموت! قتل بشع يرتكبه حمقى متطرفون، باسم الله! كم من المرات نسمع في الإعلام والمساجد عن مسيحيين تحولوا للإسلام؟ نطبل للحدث ونستمر في اقتراف الحياة. لكن، أن يتحول شخص منا لدين آخر، فهذا يستوجب قتله!
ألسنا نحتاج لزيارة عيادة الطبيب النفسي لكي يعالجنا من هذه النرجسية المفرطة؟ تحول الآخر لديننا موضوع فخر واحتفال؛ لكن تحول شخص منا لدين اختاره يعطينا الحق في معاقبته بأبشع الطرق، من عنف معنوي (إقصاء، سب، نبذ) أو جسدي (سجن، قتل)! مرض نفسي حقيقي يجعلنا نضع ذواتنا في مركز الكون، ليس فقط كأفراد، بل كجماعات.
حين تمارس الجموع القمع والعنف المعنوي والجسدي والإهانة ضد شخص، لمجرد اختلافه الديني والجنسي، أليس ذلك شروعا في القتل؟
النموذج الثاني لشابة مصرية مثلية (سارة حجازي) تدافع عن المساواة وحقوق النساء وتعبر بحرية عن موقفها من الدين والانتماءات الجنسية المختلفة. انتحرت سارة في كندا بسبب حالة اكتئاب، قبل أن تبدأ شعوب فيسبوك في التمثيل بالجثة شماتة وسبا. بل أن الغباء وصل بالبعض حد اعتبار انتحارها دليلا قاطعا على أن اختياراتها في الحياة خاطئة. لماذا، مثلا، لا نطبق نفس وجهة النظر على الانتحاري الذي يقتل نفسه والآخرين دفاعا عن الأرض أو الدين؟ أم أن سياسة الكيل بمكيالين جزء من تعريفنا الهوياتي ومن حمضنا النووي؟
نحن الآن أمام شابين (كانا) ينتميان لجغرافيات البؤس والقمع السياسي والاجتماعي والديني والحقوقي. لا تكتفي الجموع بقتلهما، بل وتستمر في القتل... حتى بعد القتل! تستحوذ على مكان الله لتقرر من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها. ولعل في ذلك، مجددا، بعضا من النرجسية التي تحدثنا عنها سابقا: ما الذي يجعلك تعتقد، في أعماق نفسك، أنك برفض الاستغفار لشخص معين، تحرمه الجنة؟ ما الذي يجعلك تتخيل أنك تملك سلطة المساهمة في قرار دخول شخص الجنة أو النار؟ ألست بهذا تعطي نفسك حجما أكبر من حجمها الحقيقي في هذا الكون وفي علاقتك وعلاقة دعائك بالله نفسه وبالجنة والنار؟
اليوم، هل نستطيع أن نقر بأن سارة حجازي انتحرت فعلا؟ أم أنها في الواقع قتلت؟ حين نستحضر كمّ العنف الذي تعرضت له من الدولة... ومن الأفراد؛ عنف ما زالت تتعرض له حتى بعد موتها؛ فإن السؤال يصبح مشروعا!
حين تمارس الجموع القمع والعنف المعنوي والجسدي والإهانة ضد شخص، لمجرد اختلافه الديني والجنسي، أليس ذلك شروعا في القتل؟
حملات الشتم والإهانة والحط من الكرامة... الضغط العائلي... الإقصاء... كل هذا، أليس شروعا في القتل؟
يمكنك أن تكون مثليا، لكن لا تفصح عن الموضوع. اختر زوجة (أو اختاري زوجا) وتظاهر بأنك تعيش بشكل طبيعي
هل يمكننا أن نتخيل حجم الضرر الهائل الذي نخلفه على الآخرين بتعليقات السب والإهانة، ونحن نعتبر أنفسنا متدينين مدافعين عن الأخلاق وقيم المجتمع؟ أي قيم وأي تدين يعطيك الحق في السب والشتم والإهانة والحط من كرامة الآخر وإيذائه وإيلامه؟
ثم، ما معنى أن أقول لك: "أنت حر في اختياراتك، لكن لا تعلن عنها!". بمعنى أنك حر ما دمتُ لا أعرف. بمجرد ما أعرف، سأعنفك وأسبك وأهينك... وقد أقتلك أو أبرر قتلك من طرف الآخرين. ونِعْم الحرية! ألا نخجل من أنفسنا؟
في الواقع، نحن نُعَلِّم الأفراد النفاق والكذب. يمكنك أن تكون ملحدا أو أن تغير دينك، لكن تظاهر أمامنا بأنك مسلم. صلِّ وصُم، حتى لو لم تكن مقتنعا.
يمكنك أن تكون مثليا، لكن لا تفصح عن الموضوع. اختر زوجة (أو اختاري زوجا) وتظاهر بأنك تعيش بشكل طبيعي.
لا تهمنا قناعاتك ولا مشاعرك... المهم والأهم، أن تعيش وسط القطيع وتعطيه الانطباع أنك مثله تماما.
هذه هي قيم المجتمع التي نسعى للحفاظ عليها.

