Shannon Greaves helps lead a Juneteenth Awareness Walk to demonstrate against racial inequality in the aftermath of the death…
تظاهرة في بوسطن للمطالبة بالعدالة لجورج فلويد والحد من عنف الشرطة

يحار الإنسان في تفسير كل هذا "اللامعقول" الذي يتفوه به بعض السياسيين وزعماء الدول هذه الأيام. هم لا يفعلون ذلك من باب الهزل أو المزاح أو لخلق جو من الدعابة مثلا. كلا، إنهم جادون وفي قمة وعيهم. وهم لا يحتفظون بما يقولونه لأنفسهم أو في دوائرهم المغلقة، وإنما ينشرونه على الملأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة. فما هو تفسير ذلك؟

تفسيرات عجائبية

لم نكد نستفيق من نظريات المؤامرة والتفسيرات الغريبة وراء انتشار وباء كورونا، حتى عاجلنا هؤلاء بما هو أغرب في تفسير حادث القتل العنصري في مينيابوليس.

ضاحي خلفان، نائب قائد شرطة دبي، يعزو ما يحدث في أميركا اليوم ـ أي ردة الفعل على حادث مينيابوليس ـ إلى التعاون بين الديمقراطيين وجماعة الإخوان المسلمين. بالنسبة له فإن الديمقراطيين والإخوان هم الذين تسببوا في "تأجيج" ما عرف فيما بعد بموجة الربيع العربي، وهو يقول "اليوم تعاد الأمور في أمريكا. يتعاون الديمقراطيون مع الإخوان والفعل نفسه: شرطة تتسبب في قتل مواطن أمريكي. الهدف: إسقاط ترمب".

كل هذه التصريحات الغريبة، هي مقصودة ومدروسة بعناية، بهدف التضليل وخلق انطباع مرغوب فيه أو صرف النظر عن انطباع غير مرغوب

أما الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فقد أقسم بأغلظ الإيمان على وجود علاقة بين منظمات الأكراد في بلاده وفي شمال شرق سوريا بهؤلاء الذين يتظاهرون في المدن الأميركية على مقتل جورج فلويد، ويطالبون بإنهاء الممارسات العنصرية.
وقال الرئيس التركي "التعاون بين بي كا كا/ي ب ك، ومنظمة أنتيفا، الإرهابية أمر ذو دلالة، وأبلغت السيد ترامب بذلك، كما أن الدعم الذي يتلقونه هؤلاء ذو دلالات أيضا".

طرف سياسي

أما الرئيس دونالد ترامب فبالنسبة له كل شيء ملفق ما لم يصب في مصلحته أو يتفق مع آراءه. فأن تدفع الشرطة في نيويورك مسنا فيسقط على الأرض وهو ينزف ويتم تجاهله، فهذا حادث ملفق دبره الرجل السبعيني بنفسه (بدليل ـ والحديث هنا لترامب ـ أنه وقع بصورة أقوى مما تحتمله الدفعة. ولا أدري كيف تمكن من قياسها!). وأن يخرج مئات الآلاف من الأميركيين، من مختلف المشارب والاتجاهات لكي يدافعوا عن القيم الأميركية، ويشجبوا عنف الشرطة والممارسات العنصرية، فهذا تدبير من المنظمات اليسارية والمناهضة للفاشية... إلخ.

المؤسف أن الرئيس ترامب لا يتصرف حاليا كرئيس لكل الشعب ولكل البلاد وإنما يعتبر نفسه طرفا في صراع سياسي، وهو يوجه طاقته وجهوده كلها في هذا الاتجاه. ويمكن أن يكون ذلك مقبولا في الأوقات العادية، لكن في الأزمات الكبرى فإن ما يتوقعه الناس من رئيسهم هو الارتقاء إلى مستوى الحدث والتصرف كزعيم للبلاد كلها.

الواقع الموازي

حسنا كيف يمكن أن يتعامل أي إنسان عادي مع هذه الهستيريا السياسية التي تنطلق من مسؤولين وزعماء في دول يفترض أنهم يزنون ما يقولون ويتحدثون انطلاقا من المعلومات والحقائق؟

الأمر محير دون شك. وما أسهل الجري خلف نظريات المؤامرة فهي دواء لكل داء سياسي! ولكن إحدى الفرضيات التفسيرية هي أن هؤلاء ربما يعيشون في حالة انفصال تام عن الواقع. هذه الحالة معروفة في علوم النفس والاجتماع والسياسة. وهي ترتكز على خلق واقع ذهني موازي للواقع الذي نعيش فيه، بحيث تكون قدرة الأفراد الفاعلين على تشكيل هذا الواقع والتلاعب فيه كبيرة وغير مقيدة، وأكبر مما يستطيعون أن يفعلوه في الواقع الفعلي. ومهمتهم الحقيقية تكمن في الترويج بكل قوة ودأب لهذا الواقع الموازي.

لمهم هنا هو ليس ما إذا كان القول يحمل أية حقيقة أو معلومة صحيحة، وإنما الهدف هو إقامة الصلة أو الربط بين حادث ما، وبين فكرة يريد القائل لها أن تنتشر أو تتداول

في السبعينيات افترض الفيلسوف "جان بودريلارد" أن الحداثة قد انتهت عندما أصبحنا مهووسين بمحاكاة الحياة، مثل التلفزيون. ووصف الفترة الجديدة بـ"ما بعد الحداثة"، وهي فترة من "الواقعية" المفرطة ـ عندما يبدو التقليد أكثر واقعية من الواقع نفسه ـ وتنبأ بأن التمييز بين الحقيقة والخيال سيكون ضبابيا حتى يزول.

التلاعب والتضليل

ثمة تفسير آخر، وشخصيا أميل إليه، وهو أن كل هذه التصريحات الغريبة، هي مقصودة ومدروسة بعناية، بهدف التضليل وخلق انطباع مرغوب فيه أو صرف النظر عن انطباع غير مرغوب. فالمهم هنا هو ليس ما إذا كان القول يحمل أية حقيقة أو معلومة صحيحة، وإنما الهدف هو إقامة الصلة أو الربط بين حادث ما، وبين فكرة يريد القائل لها أن تنتشر أو تتداول، أو على الأقل تتنافس مع أفكار أخرى رائجة.

فعلى سبيل المثال، معظم الناس يعلمون أنه لا يمكن أن تكون هناك أية علاقة من أي نوع بين الحزب الديمقراطي والإخوان المسلمين أو بين المتظاهرين الأميركيين والمنظمات الكردية، ومع ذلك فإن الربط بينهما في جملة واحدة، وعندما يصدر من مسؤول في دولة من الدول، فإنه يدفع بعضا ممن يستمعون أو يقرأون هذا التصريح، إلى الاعتقاد (وإن على سبيل الافتراض) بوجود مثل هذه الصلة. وإذا كان هذا التصريح محظوظا بما فيه الكفاية، فقد تتحول جميع الآراء في القضية الواحدة إلى مجرد وجهات نظر، لا أكثر ولا أقل!

وبطبيعة الحال، فإنه ليس المهم هنا هو إيراد الأدلة أو الاثباتات. مجرد إطلاق الفكرة نفسها يكفي. من المؤسف أن هذا النمط من التلاعب والتضليل بات منتشرا في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يتعاظم في الفترة المقبلة مع تراجع الخشية من الوصم باللامعقول أو العته السياسي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.