شهدت بعض المدن الأميركية والأوروبية الأسبوع الفائت موجة مختلفة من أشكال التعبير عن الغضب، الذي تفجر بداية بمظاهرات حاشدة عقب مقتل جورج فلويد في 25 مايو على يد الشرطة الأميركية، وترجم هذا التعبير الجديد باعتداءات صريحة، أو من قبل مجهولين، ضد عدد كبير من التماثيل التي تعود لبعض الشخصيات الغربية، السياسية والتاريخية المثيرة للجدل، حُطم بعضها، أو لُطخ بالطلاء الأحمر الدموي، أو ذُيل بعبارات مناهضة ومطالبة بإزالتها، مع توضيح أسباب الاحتجاج على وجودها، ليس كنصب تذكارية حجرية صماء، بل باعتبارها رموزا، تذكر بتواريخ أصحابها المشينة، بحسب المتظاهرين الغاضبين.
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، لم يشفع له اعتباره الرفيع في التاريخ البريطاني الحديث، بصفته رمزا وبطلا إبان الحرب العالمية الثانية، واتهمه الغاضبون بأنه كان عنصريا، وقاموا بتخريب تمثاله الماثل منذ سنوات أمام مقر البرلمان البريطاني.
وبدوره، اتهم الملك البلجيكي ليوبولد الثاني الذي حكم بين عامي 1865 ـ 1909 بالعنصرية، وبمسؤوليته المباشرة عن الإبادة الجماعية لسكان الكونغو في عهد الاستعمار، وتم تخريب وتشويه بعض تماثيله المنتشرة في العاصمة بروكسل وبعض المدن البلجيكية.
الخطوة الحقيقية والجدية التي يمكن الحشد والمناصرة لأجلها، تتمثل بداية بإعادة النظر في المناهج التعليمية التي تخص التاريخ
فيما لقي تمثال إدوارد كولستون مصيرا أشد عنفا، بإلقائه في ميناء بريستول بعد تخريبه، وهو تاجر رقيق، متهم بعضويته في الشركة الأفريقية الملكية التي نقلت في القرن السابع عشر، ما يقارب مئة ألف من الرجال والنساء والأطفال من غرب أفريقيا إلى أميركا الشمالية والجنوبية ومنطقة بحر الكاريبي لاستخدامهم كعبيد.
وفي ريتشموند بولاية فرجينيا الأميركية، لم يسلم تمثال كريستوفر كولومبس، الأكثر جدلا، من غضب المتظاهرين وألقي بدوره في بحيرة بيرد بارك بعد تحطيمه واتهامه بالإبادة الجماعية لشعوب الأميركيتين، إضافة إلى عدد آخر من التماثيل لشخصيات، وضعت جميعها ضمن دائرة الاتهام، العنصري، بشكل أبرز.
أمام هذه السلسلة من الغضب ضد أصحاب هذه التماثيل برمزيتها، تتولد بالمقابل سلسلة من الأسئلة، تبتدئ بأحقية وجود هذه التماثيل وأحقية المطالبة بإزالتها. وهو سؤال لطالما طرح اشكاليات جدية وجدلا مستمرا، يتعلق بالتباس مزوج، حول اعتبار هذه الشخصيات السياسية والعامة، التاريخية أو المعاصرة، أبطالا أم متهمين وملوثين بخطايا يصعب غفرانها، ومن يقرر في ميزان الحساب هذا وحسابات الأمم وتاريخها ومصالحها ورؤاها؟
الأمثلة كثيرة إن أردنا الاستشهاد ببعضها حول التباس نزاهة الشخصيات التاريخية أو المعاصرة، وتجنبا من الوقوع في فخ الانتقائية، يمكن القول إنها تمتد زمنيا منذ فجر البشرية وحتى يومنا هذا، وتطال جميع الرموز من أصحاب الفتوحات والحروب والاحتلالات والاستعمار، وتشمل بدورها زعامات وشخصيات دينية وفكرية وفنية وثقافية وإصلاحية.
وقد تكشف مغامرة الخوض في التاريخ، عن كذبات كبيرة، صنعت من مجرمين أبطالا ورموزا وأيقونات يمنع المساس بها وبتاريخها، وفرض على العامة قدسيتها، استنادا إلى منطق القوة، ومنطق المنتصر الذي يكتب التاريخ، حتى لو كان ملوثا بآلاف الخطايا.
ولأن المنتصر هو من يضع النصب التذكارية كرموز تتوج وتذكر بانتصاراته "الملتبَسة"، يمكن تفسير الغضب ضد التماثيل وأصحابها اليوم، ببوادر مبشرة لصحوة ضمير شعبية عامة، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء، المهم ألا تبقى خطوة في الفراغ، بمعنى أن تحطيم التماثيل، لا يعني إلغاء تاريخها من المناهج التعليمية التي درست لأجيال متعاقبة، تم غسل أدمغتها واللعب بالذاكرة الجمعية لها لتكريس الخديعة التي تطال شخصياتهم المبجلة هذه، كأبطال ورموز منزهة عن كل عيب.
وعليه فإن الخطوة الحقيقية والجدية التي يمكن الحشد والمناصرة لأجلها، تتمثل بداية بإعادة النظر في المناهج التعليمية التي تخص التاريخ، وإعادة برمجتها بشفافية وبعض الصدق، وليس في تحطيم تماثيل هذه الشخصيات المثيرة للجدل، الذي قد لا يقدم تحطيمها أو يؤخر، لأنها في النهاية أحجار صماء، قد يتحول تحطيمها إلى أسلوبية ومبررا يستخدم من قبل فكر إرهابي أو إقصائي، لتحطيم رموز دينية تخص ثقافات الشعوب.
وفي الوقت ذاته، قد تحمل بعض هذه التماثيل قيمة فنية من حيث إبداع النحت، ولتجنب الإشكاليات والجدل، يمكن للدول، بخطوات شفافة، إعادة النظر في تموضعها، وإبقائها في المتاحف المخصصة للشخصيات التاريخية، يزورها من يراها أبطالا، ويتجنب زيارتها من يعتبرها مدانة، المهم إيقاف أي استفزاز إن وجد، ومشاعر الغبن التي تعتري بعض الناظرين إليها في الأماكن العامة، والتي قد تتحول من مشاعر غبن إلى نيران، لا يعرف متى وأين وكيف يمكن أن تشتعل كل حين.
لأن المنتصر هو من يضع النصب التذكارية كرموز تتوج وتذكر بانتصاراته "الملتبَسة"، يمكن تفسير الغضب ضد التماثيل وأصحابها اليوم، ببوادر مبشرة لصحوة ضمير شعبية عامة
تبقى الخطوات الأهم التالية، المطلوبة لاستثمار حقيقي لصحوة ضمير هؤلاء الغاضبين من آثام هذه الشخصيات، هو العمل والضغط بشكل جدي على الحكومات، من أجل تقديم اعتذارات رسمية لمن وقع عليهم الضرر والمظالم التاريخية، سبق للبعض أن أقدم عليها بروح عالية من المسؤولية والشفافية، وتكريس ثقافة احترام الآخر اجتماعيا وشعبيا، كي لا تبقى الحلول مرتبطة أو مناطة بالسلطات العليا دوما.
وأخيرا، تحفيز الشريحة المثقفة والنزيهة للإضاءة المستمرة على المظالم التاريخية، وبلورتها في أعمال فنية وثقافية وأدبية رفيعة، تساهم في حشد التعاطف العالمي، والتعريف بالمسكوت عنه أو المغيب من التاريخ.
وأبرز ما يحضرني من مثال مفيد وفعال في هذا الصدد، رواية "الجذور" الأميركية التاريخية، لمؤلفها "أليكس هيلي" 1976، والتي أنتجت لاحقا على شكل مسلسل تلفزيوني ساهم في انتشارها بشكل منقطع النظير، أضاءت على تاريخ ومظلومية الأفارقة الذين سيقوا كعبيد إلى الأميركيتين، وتركت أبلغ الأثر في القراء والمشاهدين عبر العالم، وما زال إلى الآن بطل الرواية" كونتا كونتي" أحد أكثر الشخصيات الأدبية والحقيقية المؤثرة في الذاكرة العالمية، والذي يتم الانتقام له اليوم، عبر تحطيم تمثال إدوارد كولستون، تاجر الرقيق الذي ساقه مقيدا بالسلاسل من غامبيا، "كونتا كونتي" الذي يعاد إنصافه، عبر إنصاف حفيد أحد أفرع سلالاته، الحامل لاسم، جورج فلويد.

