FILE PHOTO: Russian President Vladimir Putin delivers a speech in Sevastopol, Crimea
فلاديمير بوتين

يدرك قيصر الكرملين أن "قيصر" العقوبات الأميركية لن يستطيع منع الغارات الجوية الروسية ضد الشعب السوري، ولن يكون بمقدوره وقف العمليات العسكرية للميليشيات الإيرانية وقوات الأسد في الأماكن الخارجة عن سيطرتهم، لكنه يدرك جيدا أن هذا القانون سيعيد التوازن الدولي في الصراع على سوريا وسيضع حدا لمحاولات موسكو فرض شروطها للحل على المجتمع الدولي.

من أستانا إلى سوتشي وما بينهما كافة المحادثات الجانبية السرية والعلنية التي أجرتها موسكو من أجل إضفاء شرعية دولية على ما تسميه انتصارا في الحرب السورية يصطدم الآن بجدار العقوبات الأميركية التي أفرغت عمليا الإنجاز الإيراني الروسي من محتواه وأعادتهما، من دون أن تطلق رصاصة واحدة، إلى المربع الأول للبحث من جديد ليس فقط في مستقبل الأسد ونظامه بل في مستقبل سوريا.

تاريخيا اعتمد الصراع بين القطبين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) في مرحلة الحرب الباردة على قائمة توازنات استراتيجية عقائدية اقتصادية دبلوماسية وعسكرية، حيث استخدم الطرفان كافة إمكانياتهما للحفاظ عليها، وقد شهدت مرحلة ما بعد أزمة خليج الخنازير تنافسا صاروخيا (تقليديا ونوويا) بينهما قام على معادلة الردع المتبادل، لكن بعد الحرب الباردة وانتصار المحور الغربي فرضت واشنطن تفوقا من نوع آخر تجاوز حتى حلفائها غير القادرين على منافستها.

أزمة موسكو العميقة أنها اعتقدت في لحظة انكفاء أميركي أنها قادرة على ملئها بأدوات تقليدية

يكشف قانون قيصر مدى تأثير الموقع العالمي للاقتصاد الأميركي على دورة الاقتصاد العالمي الذي يخضع 63 في المئة منه للدولرة (التبادل التجاري الدولي بالدولار) والذي سمح لواشنطن امتلاك قوة استراتيجية تعرف الآن بسلاح العقوبات الذي من الصعب أن يمتلكه أي طامح لمنافسة الولايات المتحدة لا في المدى المتوسط ولا البعيد.

سلاح العقوبات الذي تنفرد به الولايات المتحدة الأميركية وتستخدمه بوجه خصومها في الصراعات الدولية يعفيها من الاضطرار إلى التدخل المباشر أو اللجوء إلى استخدام القوة من أجل حماية مصالحها كما فعلت موسكو في سوريا، فما بين حجمها الاقتصادي والمالي وقوتها الناعمة وحضورها الدبلوماسي في المحافل الدولية تكرس واشنطن نظاما عالميا أحاديا بأدوات وقدرات مختلفة غير متاحة لدى طامحين دوليين وإقليميين يساعدها على تعزيز هيمنتها عالميا.

يكشف قانون قيصر مدى تأثير الموقع العالمي للاقتصاد الأميركي على دورة الاقتصاد العالمي الذي يخضع 63 في المئة منه للدولرة

فأزمة موسكو العميقة أنها اعتقدت في لحظة انكفاء أميركي أنها قادرة على ملئها بأدوات تقليدية. فذهبت إلى سوريا وغيرها من بقع الصراعات العالمية بقناعات وخرائط وانطباعات سوفياتية لم تعد صالحة للخدمة، فالانتصار الذي حققته بسلاح رخيص على شعب سوري أعزل لم ولن يحقق لقادتها استعادة موقعها على الساحة الدولية أو العودة إلى توازن القطبين ولو نسبيا، فمن أوكرانيا إلى جورجيا مرورا بإيران، تقطع العقوبات الاقتصادية الأميركية الطريق على طموحات موسكو بالعدوة إلى المجال الحيوي السوفياتي، وفي فرض مشروعها الجيوعقائدي الذي تروج له نخبها الاستراتيجية والمعروف بالفضاء الأوروآسيوي.

فأغلب مناورات الكرملين منذ قرار فلاديمير بوتين في الاندفاعة الخارجية تعتمد على وظيفة روسيا الدولية الدائمة في مجلس الأمن وحيازتها على سلاح نووي للردع وصواريخ عابرة للقارات، لكنها لا تؤمن لها التوازن مع أسلحة واشنطن الاقتصادية.

فالولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الأحادية التي تملك قوة طاغية تفوق ما امتلكته في مرحلة الحرب الباردة مكنتها من الانتصار على المعسكر الشرقي، وتتجه من خلال تفوقها العلمي والاقتصادي إضافة إلى قوتها العسكرية إلى تحقيق مشروعها قيادة العالم بدلا من السيطرة المباشرة، فمن خلال دورها الدبلوماسي ونفوذها الاستراتيجي تفرض على أغلب الدول التعامل معها كدولة كبرى محاذية.

في مشاريع المنافسة على الساحة العالمية تصارع بعض الدول للحد من الهيمنة الأميركية، وتحاول طرح البدائل تحت شعار التوجه شرقا نحو الصين وبلدان أخرى لديها مشاريع وطموحات جيوسياسية، قد تكون مخرجا لها من أجل التفلت من سطوة الولايات المتحدة في المحافل الدولية، لكن حتى الآن لم يتمكن أصحاب هذا المشروع من تقديم البديل كنموذج ناجح ومقنع، لذلك فإن مأزقهم يتراكم نتيجة لمعضلة صعبه قائمة على معادلة أن التماهي الكامل مع الولايات المتحدة من دون شروط كارثة، وفي المقابل فإن قرار مواجهتها من دون امتلاك الحد الأدنى من القدرات فهو انتحار.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.