Turkish President Recep Tayyip Erdogan gestures as he delivers a speech following a cabinet meeting, in Ankara, on June 9, 2020…
ما زالت التجربة التركية مرتبطة بمصير رجل واحد: إردوغان، إن حضر حضرت، وإن غاب أو غُيّب غابت

تميز العقد الأول من تجربة حكم العدالة والتنمية في تركيا (2002 ـ 2012) باعتماد سياسة داخلية إصلاحية، تسعى في مقابلة شروط ومعايير كوبنهاغن لعضوية الاتحاد الأوروبي بما هي تعميق لمسار التحول الديمقراطي الناشئ، مصحوبة بما وصف بـ"المعجزة الاقتصادية" التي ضاعفت الاقتصاد التركي بأكثر من ثلاث مرات، وحوار مبشر وواعد لحل المسألة الكردية المزمنة، وإعلام حر ومستقل ونشط، كاد أن يصبح قولا وفعلا، سلطة رابعة، إلى غير ما هنالك من إنجازات متراكمة وجديدة.

ترافق ذلك مع تصحيح في وجهة السياسة الخارجية واتجاهاتها، فلم تعد أنقرة تنظر غربا فقط، باتجاه بروكسيل وواشنطن، مع أن عضوية النادي الأوروبي ظلت حلما تطارده بكل قوة، وتمتين موقعها "الأطلسي" ظل سياسة ثابتة لأنقرة، برغم موجات المد والجزر التي ميزت علاقات تركيا مع الغرب... الاتجاه شرقا وجنوبا وفي كل وجهة، بات قاعدة ثابتة من قواعد السياسة الخارجية التي اعتمدت "الأدوات الناعمة" في تعزيز نفوذها وتوسيع أسواقها وشراكاتها، فضلا عن "قوة النموذج" السياسي الاقتصادي الذي بات ملهما لكل الدول والشعوب المتطلعة للخروج من مستنقع التخلف والاستبداد، إلى فضاءات النمو والحرية.

بهذا المعنى، لم تكن التجربة التركية "نسيج وحدها" فثمة العديد من الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي نجحت في غضون عقد أو عقدين، الانتقال من هاوية التخلف والاستبداد إلى آفاق التنمية والحرية، لكن ما جعل التجربة التركية "فريدة" من منظور عربي وشرق أوسطي، أنها قدمت مثالا في عشريتها الأولى، لما يكمن للإسلام السياسي "أن يكونه" وأن ينجزه، إن هو تصالح مع العلمانية والديمقراطية، وإن هو نجح في تعميق مفاهيم وقيم الحداثة المدنية والديمقراطية في خطابه السياسي والفكري... هنا، وهنا بالذات، صارت التجربة التركية "نموذجا" للاستلهام من قبل العديد من التيارات الإسلامية ذات النزعات المدنية والديمقراطية، بل ومن قبل تيارات إصلاحية علمانية كذلك.

لم يعد ثمة ما يميز "النموذج" التركي عن الإيراني في التوسع والسيطرة

عزز من موقع التجربة ومكانتها، أنها انتهجت مواقف وسياسات لم يعتدها العالم العربي المنكوب بأنظمة الفساد والاستبداد، أنظمة الجنرالات والسلالات، كانت مُلهمة لجهة "استقلاليتها" عن مراكز القرار الدولي، وانحيازها لمصالح وحقوق دول وشعوب مستضعفة: رفض تقديم أية تسهيلات للتحالف في الحرب على العراق (2003)، وتأييد القضية الفلسطينية بقوة في مختلف المحافل الدولية والإقليمية، وتوجيه انتقادات لاذعة للسياسات والممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
لكن ذلك كله، أو معظمه، بات صفحة من الماضي.

فما أن دخلت تجربة حكم العدالة والتنمية عقدها الثاني، حتى كانت مياه كثيرة قد جرت و"ركدت" في أنهار تركيا وبحيراتها، ساعد على هذا التحول الذي ضرب السياستين الداخلية والخارجية على حد سواء، جملة من الظروف والعوامل من أهمها: 

(1) نجاحات الحزب وزعيمه الكاريزمي ـ الشعبوي، مكّنته من إلحاق هزائم انتخابية ساحقة ضد خصومه الداخليين ومجادليه، بحيث بات بمقدور الحزب "تفكيك" قلاع العلمانية التركية الواحدة تلو الأخرى، وبسط سيطرته عليها: من الإعلام، إلى المؤسسة العسكرية، مرورا بالقضاء والمدرسة والجامعة الوطنيتين، وانتهاء بالرئاسة الأولى في البلاد... لم يعد للحزب، من يتحداه على السلطة والنفوذ...

(2) اندلاع ثورات الربيع، وتمكن حركات إسلامية تقترب وتبتعد بدرجات متفاوتة من فكر العدالة وتجربته، من قيادة هذه الثورات وتشكيل النظام السياسية التي أعقبتها، الأمر الذي فتح أفقا لإردوغان، لتعميم زعامته على الإقليم، وليس على نطاق تركيا فحسب، والسعي استعادة بعضِ من إرث وأمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة...

(3) صعود أقطاب دولية جديدة وقديمة، تسعى في إعادة تشكيل النظام العالمي والتخلص من "الأحادية القطبية"، وفّر فرصة لإردوغان لتوظيف التنافس الروسي ـ الأميركي (الأطلسي) على أنقرة، ما رفع من قيمة مختلف الأوراق التي يمتلكها، وجعلته قادرا على احتراف هواية الرقص المشدود بين الكرملين والبيت الأبيض.

ما الذي ترتب على ذلك كله؟

في الداخل، أفضى بقاء الحزب فترة طويلة في السلطة (قرابة العقدين)، إلى تمكين الحزب من تفكيك معسكرات خصومه وتجفيف مصادر قوتهم، مخاطبا المشاعر الدينية لغالبية المجتمع التركي، ومؤخرا اللعب على مشاعره القومية، لا يهم طالما أن النتيجة مزيدا من الأصوات الداعمة في صناديق الاقتراع...  "تعهير" الخصوم "وشيطنتهم" مع أن منسوب الفساد ارتفع في أوساط الحزب والعائلة... اللعب على انتماءات المذهبية حتى وإن أفضى ذلك إلى إثارة "مسألة علوية" إلى جانب "المسألة الكردية" في البلاد... ارتد عن مسار الحل السياسي ـ التفاوضي للمسألة الكردية، واستعاض عنها بحملات التنكيل والاعتقال التي طالت قيادات برلمانية وبلدية منتخبة، فضلا عن الزحف العسكرية في مناطق جنوب شرق الأناضول... ضرب الحريات العامة في البلاد، وخنق كل صوت معارض، وتحويل تركيا إلى أكبر سجن للصحفيين في العالم، والسيطرة المباشرة على الغالبية العظمى من وسائل الإعلام

بالتزامن مع "أمننة" السياسة الداخلية التي زُجّ بنتيجتها بعشرات الألوف في السجون ومصادرة حقوق وحريات أضعافهم، جرت أوسع عملية "عسكرة" للسياسة الخارجية

وما أن أدرك إردوغان أن باب العضوية في النادي الأوروبي، قد بات مغلقا، حتى بات أقل حذرا في انقضاضه على المنجز الديمقراطي التركي، فقرر الانتقال بتركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، مطلق الصلاحيات، مفصلا دستورا جديدا للبلاد على مقاسه الشخصي، بحيث تكون كافة الصلاحيات التنفيذية، والتشريعية إلى حد ما، في يده، تتبعه في حلّه وترحاله بين المواقع والمناصب، من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية.

ولأن مسار الديكتاتورية يبدأ بإضعاف خصوم الخارج التقليدين قبل أن ينتقل إلى رفاق الدرب والمسيرة في الداخل، فقد بدأت الخلافات تتفاقم بين إردوغان وحاضنته الشعبية العريضة "جماعة فتح الله غولن"، قبل أن يبدأ بتهميش وإبعاد رفاقه في حزب العدالة والتنمية، من عبدالله غول، إلى أحمد جاويش أوغلو، مرورا بمئات وألوف الكوادر القيادية، التي غادرت صفوف الحزب، بالانشقاق أو عبر عمليات النزف المستمرة، أما حملات الاعتقال والطرد من الوظائف التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016، فهي لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، لكأننا لسنا أمام محاولة انقلابية، بل أمام "ثورة شعبية" نظام إردوغان وحكومته.

ترافق ذلك مع انتهاء "مفاعيل المعجزة الاقتصادية"، فلا معدلات النمو ظلت على حالها، والعملة الوطنية تخرج من أزمة لتدخل في أخرى، ولم يعد الأمل بالانتقال من نادي الدول المدينة إلى نادي الدول المانحة، حلما يراد العدالة والتنمية الذي يجد نفسه مرغما على العودة إلى موائد صندوق النقد الدولي.

في الخارج، وعلى نحو متوازٍ ومتزامن مع تطورات الداخل، كانت تركيا تطور أدوات جديدة في سياستها الخارجية، إذ بدل "صفر مشاكل" مع الجيران كما كانت عليه في العشرية الأولى، صارت "صفر أصدقاء" كما يسخر كثيرون... وبدل "الأدوات الناعمة" التي جرى اعتمادها في مرحلة صعود العدالة والتنمية، يجري اعتماد "الأدوات الخشنة" من زرع المليشيات ودعم الجماعات المسلحة والتدخل العسكري المباشر واللجوء إلى "المرتزقة" في تسوية بعض النزاعات.

وبالتزامن مع "أمننة" السياسة الداخلية التي زُجّ بنتيجتها بعشرات الألوف في السجون ومصادرة حقوق وحريات أضعافهم، جرت أوسع عملية "عسكرة" للسياسة الخارجية، وثمة علاقة سببية بين "أمننة الداخل" و"عسكرة الخارج"، فكل فشل في الداخل، كان يقتضي توسيع دائرة التهديدات الخارجية وتضخيمها، بهدف تخويف المواطنين والخصوم، وصرف انتباههم عن أزمات الحكم والاقتصاد والعملة الوطنية وغيرها.

ما أن أدرك إردوغان أن باب العضوية في النادي الأوروبي، قد بات مغلقا، حتى بات أقل حذرا في انقضاضه على المنجز الديمقراطي التركي

تركيا تشتبك اليوم في ثلاثة حروب دفعة واحدة، فجيوشها وطائرها وسفنها الحربية تقاتل في سوريا والعراق وليبيا، وتمخر عباب المتوسط والأحمر والقرن الأفريقي والخليج العربية... و"العسكريتاريا التركية" تعزز حضورها البحري في المتوسط ولا تتورع عن استفزاز السفن اليونانية والفرنسية (الأطلسية)، وصولا إلى بناء قواعد بحرية وجوية وبرية في ليبيا، إلى جانب قواعدها في كل من الصومال وقطر، بعد أن خسرت امتيازاتها في جزيرة "سواكن" السودانية إثر سقوط نظام البشير، فيما يشبه "القوس العثماني" الذي يكاد يأخذ شكل الدائرة المكتملة.

ولم يعد ثمة ما يميز "النموذج" التركي عن الإيراني في التوسع والسيطرة، إن لجهة الأهداف: استعادة الأمجاد الإمبراطورية السابقة (الهلال الشيعي والقوس العثماني)، أو لجهة اللجوء إلى استخدام أكثر الأدوات خشونة: التدخل العسكري المباشر، زرع المليشيات المذهبية المسلحة، الاعتماد على المرتزقة في "حروب الوكالة"، تفكيك المجتمعات وخلق كيانات موازية، ودائما تحت وابل كثيف من الشعارات الكبرى المناهضة للاستكبار الغربي وإسرائيل، والمغلفة بإحكام، بخطاب ديني ـ مذهبي نافر.

لكن الفارق الوحيد بين التجربتين، أن التجربة الإيرانية قائمة على "نظام" مدجج بالأيديولوجيا والمليشيات "الحرس الثوري"، ليست مرتبطة بمصير شخص واحد، حتى وإن كان بمستوى ووزن آية الله الخميني أو خلفه خامنئي... أما في الحالة التركية، فما زالت التجربة مرتبطة بمصير رجل واحد: إردوغان، إن حضر حضرت، وإن غاب أو غُيّب غابت، مع أننا لاحظنا مؤخرا، ميلا تركيا لاستلهام بعضا من أوجه التجربة الإيرانية في الداخل، وهو ما حذرت منه قوى المعارضة وهي تناقش مشروع قانون لتعزيز صلاحيات وقدرات "حراس الأحياء الليليين"، خشية أن يصبح إلى "مليشيا/ باسيج" للحزب الحاكم وزعيمه تحسبا لأية احتمالات مستقبلية غير مرغوبة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.