A Syrian vendor arranges apples at a fruit stand in the rebel-held town of Douma, on the outskirts of the capital Damascus, on…
صار عدم انقطاع الكهرباء هو ما يثير الدهشة والاستغراب والقلق لدى المواطنين، لأن الشائع منذ عام 1966 إلى الآن

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

ماذا يحدث في البلدان التي تنقطع فيها الكهرباء بكثرة؟ بالطبع، يعتبر انقطاع الكهرباء حدثا جللا في الولايات المتحدة أو دول أوروبا الغربية، بحيث إذا انقطعت دقائق معدودات لعطل طارئ، شعر الناس بأن كارثة أو مصيبة قد حلت بالبلد، وذهب خيالهم إلى مشاهد من أفلام الرعب والجريمة. 

أما في عديد من بلدان العالم الثالث، فصار عدم انقطاع الكهرباء هو ما يثير الدهشة والاستغراب والقلق لدى المواطنين، لأن الشائع منذ عام 1966 إلى الآن، (ليس في أيام الحرب فحسب، بل حتى في أيام السلم،) هو "التقنين". 

لا أحد يدري سر ذلك التقنين، الذي يزداد على حين غرة حين يعلو صوت الاحتجاجات ضد ممارسات قمعية وأوضاع معاشية متردية تقتضي الإصلاح الفوري! لا أحد يعلم علم اليقين لماذا يزداد التقنين في ظروف معينة لساعات قد تبلغ نصف ساعات اليوم! أحيانا كثيرة، يعزا انقطاع الكهرباء إلى عمل إرهابي ألحق الأذى بمحطة ما، (وهذا أمر قابل للحدوث فعلا)، أو إلى عطل فني طارئ، (وهذا أمر ربما يكون صادقا)، لكن المشكلة أن الناس صاروا يستسلمون لهذه التفسيرات بشكل قدري سلبي دون أن يطرحوا السؤال المنطقي: كيف تصدر سوريا الكهرباء إلى دولتين شقيقتين مجاورتين ويحدث لمواطنيها ذلك؟! أم أن انقطاع الكهرباء يبرر كانقطاع الإنترنت بأن سمكة قرش قضمت السلك في أعماق البحر؟ هل يتماشى مبدأ "التقنين" مع مبدأ "التقشف" لتبرير افتقاد المواد الأساسية من الأسواق، كالمازوت والبنزين والغاز والرز والسكر؟

في أيامنا الحالية، لا تقتصر المأساة على انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أو المواد الأساسية للحياة، بل على تبرير ذلك، والإهابة بالناس على تحمل "شظف العيش" تحت شعار المقاومة والممانعة

ماذا يفعل الناس في العالم الثالث في ظل انقطاع الكهرباء الذي أصبح أمرا مألوفا؟ كيف يدبرون أمورهم، سواء في شحن الموبايلات أم في التدفئة، في استخدام المايكروويف أم في تشغيل المكيفات، في مشاهدة التلفزيون أم في الدراسة؟ 

في فيلم إيطالي كوميدي من طراز "الواقعية الجديدة زهرية اللون" Rosy Neorealism، يذهب مذيع تلفزيوني لإجراء مقابلة مع زوجين يعيشان في كوخٍ ناءٍ لا تصله الكهرباء. يسألهما المذيع باستغراب كيف يقضيان لياليهما دون جهاز تلفزيون في ذلك الموقع المقفر. يتبادل الزوجان نظرة وابتسامة، ثم يخرج من باب الكوخ نحو دزينة أطفال من مختلف الأعمار.

بالرغم من أن ملاك الموت يحصد الأرواح بوفرة هذه الأيام تحت وطأة ظروف البؤس والجوع والأمراض المحدقة بالمهاجرين والنازحين، فإن إنجاب الأطفال لم يتناقص، بل ربما ازداد. لم يعد شح الكهرباء مألوفا في مخيمات اللاجئين فحسب، ولا في المدن التي دمرتها الحرب، بل حتى في تلك السالمة والسليمة. 

يتحايل الناس للتأقلم مع انقطاع الكهرباء، الذي صار كلعنة القدر. تراهم يجلبون مولدات كهربائية متفاوتة الاستطاعة والضجيج، ويجبرون الآخرين على تحمل إزعاجها رغم ما تبثه من أبخرة مضرة للرئة وأصوات مصدعة للدماغ. تجدهم يتزودون بأنواع من الإضاءات المنزلية المؤقتة من صنع صيني. تجدهم يقومون بالتحايل لشحن موبايلاتهم وبقية أجهزتهم. تجدهم يؤدون أعمالهم قبل غروب الشمس أو يكملونها على ضوء الشموع ومصابيح الكاز كما في أيام الحرب العالمية الثانية.

أذكر أنني في العام الدراسي الجامعي للعام 1967 شاركت في أداء مسرحية وليم شكسبير "جعجعة بلا طحن".  اتفق ثلاثة من أبرز أساتذة القسم آنذاك (غسان المالح، رنده الخالدي وزهير السمهوري)، على إنتاج تلك المسرحية باللغة الإنكليزية دون ميزانية، بل أذكر أن السيدة رندة الخالدي دفعت ثمن أقمشة الأزياء من جيبها الخاص دون أن تكلف "جامعة دمشق" شيئا على الإطلاق. 

استطاع الأساتذة الثلاثة إقناع المخرج المحترف الأول في سوريا آنذاك، رفيق الصبان، أن يتطوع لإخراج العرض مجانا دون أي مقابل. اتفق الصبان مع نجم سوري كان مسجلا في عداد طلاب القسم ليقوم بأداء البطولة، وهو هاني الروماني، كما استطاع بنفوذه وعلاقاته العامة أن يجلب الفنان لبيب رسلان كمصمم للديكور، وسمير سمارة كمصمم للإضاءة. أما باقي الممثلين في الطاقم المزدوج الذي لعب كل شخصية فيه بالتناوب ممثلان، فكان من نصيب طلبة القسم الذين اختارهم، باستثناء شخصين عهد إليهما بالأداء في جميع العروض لعدم وجود بديل يضارعهما في الأداء. قدم العرض على أكبر مسارح العاصمة دمشق في ذلك الزمان، وهو "مسرح الحمراء"، مقر عروض فرقة "المسرح القومي" المحترفة التي كان الصبان مؤسسها وأبرز مخرجيها، وقدم لستة ليالٍ فقط بسبب كونه ناطقا باللغة الإنكليزية، قبل أن يعرض مرتين على مسرح "وست هول" في الجامعة الأميركية ببيروت.

في عام 1967، قبيل ما اصطلح على تسميته "النكسة"، كان المناخ السياسي العام يضخ تحريضا إعلاميا مكثفا عن الاستعدادات لخوض حرب مع إسرائيل، والقدرة على إلحاق الهزيمة بجيشها في غضون أيام قليلة، الأمر الذي ثبت نقيضه عمليا خلال "حرب الأيام الستة"، وبالأحرى "حرب الساعات الست". المهم أننا تهيأنا كطلاب لتمثيل مسرحية شكسبير "جعجة بلا طحن" على مسرح الحمراء بدمشق ونحن نرتعد خوفا. ما كدنا نرتدي أزياءنا التاريخية ونضع مكياجنا الثقيل مستعدين للحظة بدء العرض حتى انقطعت الكهرباء فجأة ودوى صوت صفارات الإنذار في سماء دمشق، ليس لأن العاصمة تعرضت إلى غارة جوية إسرائيلية، بل كمجرد تحضير معهود لأجواء الحرب في ذلك الزمان.

كانت صالة "مسرح الحمراء" مكتظة إلى آخرها بحضور كثيف دافعه الاهتمام ـ وربما الفضول ـ تجاه ما ستسفر عنه تلك المغامرة المسرحية الجريئة بلغة أجنبية لم تألفها الحركة المسرحية السورية. فاجأنا الظلام الدامس، الذي لم يكن أحد يعلم كم سيطول. تساءلنا هل يمكن أن يبقى الجمهور جالسا بهدوء في الظلام، أم سينسحب جزء كبير منه ويفشل العرض قبل أن يبدأ؟ 

ارتبك الجميع لدقائق قبل أن يتفتق ذهن أحدنا عن فكرة ربما ستنقذ الموقف. طرحت أولى الأفكار على رفيق الصبان وباقي الأساتذة الثلاثة، فرحبوا بها. كانت الفكرة هي إيقاد عدد من الشموع ونصبها في مقدمة خشبة المسرح وعلى الحاجز الذي يتوسط الصالة لتؤنس الجمهور. بالفعل، هدأ ذلك فورا من روع الناس الجالسين وسط ظلام دامس، فهدأوا ولم ينسحب أحد أو تسمع أية صيحات انزعاج أو استهجان. 

يشكل تزييف الوقائع والإصرار على حالة الإنكار مشكلة خطيرة، لأنه لا يبشر بوجود نية صادقة على الإصلاح وإيجاد حلول عملية لوقف التردي المعاشي والتقني، خاصة حين تقع كارثة عالمية مفاجئة مثل وباء كورونا

تلا ذلك فكرة أخرى لتشجيع المتفرجين على البقاء في مقاعدهم أملا أن تعود الكهرباء سريعا ونبدأ التمثيل. كان الاقتراح أن يعمد أحد زملائنا ـ الذي كان سيعزف الغيتار ويغني أغنية شكسبيرية خلال العرض ـ إلى اعتلاء خشبة المسرح وممارسة العزف والغناء بشكل يهدئ من روع الجمهور القلق من صفارات الإنذار. 

بالفعل، بدأ صديقنا بالعزف على الغيتار وأداء بعض الأغنيات الشائعة في ذلك الزمان ليقابل بتصفيق حار من الجمهور، إلى أن عادت الكهرباء وبدأنا العرض بسلام، لنقابل باستحسان شديد من الجمهور.

في صباح اليوم التالي، كنا ننتظر بشوق ما ستمتدحنا به الصحيفة الحكومية لقاء الجهد الذي استغرق شهورا من التحضير، لكننا صدمنا بأن طلع علينا مقال يكيل لنا القدح والذم، ويتهمنا بأننا بورجوازيون، لا وطنيون، ليس لدينا أي التزام بقضية النضال، لأننا أقدمنا عن سابق قصد وترصد بعزف الغيتار والغناء بلغة أجنبية تمثل الفن الإمبريالي بينما الوطن يتحضر للمعركة عبر تجربة غارة جوية. صدمنا للوهلة الأولى بتلك المقالة التي دانتنا بقسوة ووصمتنا بصفات شنيعة لا تمثل مشاعرنا الوطنية، ساخرة من كل ما فعلناه دون أن تتطرق للأمور الإيجابية في أداء مسرحية شكسبيرية تحت القيادة الإخراجية لرفيق الصبان ومشاركة تمثيلية من هاني الروماني، وأداء الطلاب المتقن لشخصيات شكسبيرية باللغة الإنكليزية.

في أيامنا الحالية، لا تقتصر المأساة على انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أو المواد الأساسية للحياة، بل على تبرير ذلك، والإهابة بالناس على تحمل "شظف العيش" تحت شعار المقاومة والممانعة كتبرير للتقصير في مجاراة الدول المتقدمة في منطقة الشرق الأوسط ذاتها التي لا تنقطع فيها الكهرباء، ولا تعاني شحا في أي شيء. يشكل تزييف الوقائع والإصرار على حالة الإنكار مشكلة خطيرة، لأنه لا يبشر بوجود نية صادقة على الإصلاح وإيجاد حلول عملية لوقف التردي المعاشي والتقني، خاصة حين تقع كارثة عالمية مفاجئة مثل وباء كورونا.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.