في فصل دراسي من فصول عام 2005، كنت أقوم بتدريس مقرر تاريخ الأدب العباسي في كلية اللغة العربية بجامعة القصيم. كانت دراسة الأدب ـ وفق المنهج المقرر ـ تقوم إلى حد كبير على اعتماد المنهج التاريخي الذي يرى الأدب نتاجَ التفاعل التاريخي؛ بالمعنى الأوسع للتاريخ، أي بالمعنى الذي يستدمج مختلف جوانب الحياة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية/ العلمية؛ كعوامل متضافرة لإنتاج الأدب، فضلا عن السياق الأدبي/ الفني الخاص.
كان المنهج يقتضي أن نَمرّ بتاريخ الخلفاء العباسيين الذين صنعوا تاريخ تلك المرحلة الحاسمة من تاريخنا الطويل، كما يقتضي أيضا أن نُقارِب الحياة الاجتماعية التي هي أوسع ثراء وأعمق من التاريخ السياسي المجرد، وحيث هي الحاضن المُغذّي للتفاعل العلمي والأدبي الذي نحن بصدده منهجيا. وإذا كان الكتاب شبه المقرر/ الكتاب المُوصَى به ("تاريخ الأدب العربي" لـ: شوقي ضيف) يبدو مُتحَفّظا في ما ينقل، إذ يكتفي ـ في معظم الأحيان ـ بالتلميح دون التصريح، فقد عمدت إلى فتح آفاق المحاضرات على أكثر من مرجع قديم وحديث، إن بدأت بالمبرّد والجاحظ وابن قتيبة وابن عبد ربه والأصفهاني وطبقات ابن المعتز...إلخ؛ فلن أنتهي بطه وحسين وأحمد أمين وغيرهما ممن كانوا أكثر جرأة في وضع تاريخنا على طاولة التشريح.
ما أذكره في ذلك الفصل الدراسي أنني تعمّدت ذكر قصة أحمد بن صدقة مع الخليفة العباسي/ المأمون. ومختصر القصة أن أحمد بن صدقة دخل على المأمون في يوم الشَّعَانين (عيد مسيحي)، وكان بين يدي المأمون عشرون وصيفة جلبا روميات مزنرات، قد تزيّن بالديباج الرومي، وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب، وفي أيديهن الخوص والزيتون...إلخ القصة. وكان ما يهمني في القصة، ليس فقط إطلاع الطلاب على طبيعة الحياة المترفة داخل قصور الخلفاء وما يتبع ذلك من دلالات اجتماعية، وإنما ـ وبدرجة أهم ـ اطلاعهم على مستوى التسامح الديني الذي أصبح فيه "خليفة المسلمين" محفوفا بالجواري المسيحيات، وأكثر من ذلك، يحتفل معهن بعيديهن الديني الخاص، بل ويرضى بما هو أكبر وأخطر (أكبر وأخطر وفق مسلمات العقائد السلفية)، حيث يعلقن الصليب بكل رمزيته الدينية المناكفة لصميم اعتقاد الخليفة الذي يتربع على عرش الرمزية الدينية في بلاد المسلمين.
ذكرت لهم ملامح من حياة هارون الرشيد: ذكرت لهم معلومات عن الـ2000 جارية في قصره، ذكرت لهم حياة اللهو والغناء، وقصصه المشهورة مع الجواري والقيان والمغنين والمغنيات
طبعا، كنت أعي أنني في بيئة سلفية محافظة؛ أشد ما تكون السلفية، وأشد ما تكون المحافظة. ولهذا، كنت ـ عن عمد ـ أريد لهذه القصة أن تفكّك ـ بدلالاتها المباشرة وغير المباشرة ـ مغاليق الأذهان/ أذهان عموم الطلاب، التي كانت متخمة بمقولات الولاء والبراء حد الهوس، حتى أصبح السلوك الإنساني الطبيعي مع الآخر، كالتحية وردّ التحية (فضلا عن التهنئة بالأعياد غير الإسلامية والمشاركة فيها، التي يرونها كفرا بواحا)، محل جدال حاد وطويل، يمتحن به العقائديون/ سدنة الدين القويم صحّةَ الإيمان الديني لعموم الناس.
أوردت هذه القصة، ثم ذكرت أن هذا الخليفة/ المأمون هو من أكثر الخلفاء جِدّية، ومن أقلهم انكبابا على اللهو والعبث، وأشدهم اهتماما بسلامة المعتقد الديني، وأنه بقدر ما كان من داهية من أشهر دهاة السياسة في التاريخ، فقد كان عالما مثقفا؛ حتى عدّه كثير من المؤرخين ودارسي التاريخ الحديث أعقلَ/ أعلمَ الخلفاء المسلمين على الإطلاق...إلخ؛ ما يعني أنه كان يعرف دلالة موقعه الديني والسياسي، كما يعرف دلالة أفعاله، وبالتالي، فاحتفاله مع جواريه المسيحيات ليس مجرد عبث/ لهو، أو مجاملة عابرة، أو لا مبالاة بحدود الواجب الديني.
ثم قلت لهم: ولنعرف أنه هنا من أعقل الخلفاء وأكثرهم جدية، لا بد أن نقرن سيرته بسيرة أخيه الأمين الذي سبقه، وورث عنه الملك بقتله له. وهنا ذكرت لهم ما رواه الإمام الطبري في تاريخه أن الأمين لما تولى الخلافة انهمك في اللهو، بل وما هو أكثر من اللهو، حتى طلب الخصيان، وابتاعهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رُمي بهم (يقصد أنه اتّهم بالمثلية الجنسي)، وأن أمّه: زبيدة حاولت إنقاذه من كل هذا بإلباس الجواري الحسان لباس الغلمان؛ لعله يقنع بهن...فلم تُفلح. كنت أذكر كل هذا، وأرى الدهشة تتسع على وجوه الطلاب الذي كانوا ـ بفعل المناهج الدراسية البائسة المكتوبة بطريقة الأناشيد القومية الحماسية ـ يتوهمون تاريخهم تاريخ ملائكة بامتياز.
وإمعانا في تثوير الأسئلة في عقول هؤلاء الطلاب، قلت لهم: لا تعجبوا، فهؤلاء هم أبناء هارون الرشيد، هل تعرفون مَا/ مَن هو هارون الرشيد. قال أحدهم مقاطعا بكل سذاجة: الذي كان يحج سنة ويغزو سنة ويهدد نقفور ملك الروم، كما درسنا. قلت له: هذه وجه واحد ومبالغ فيه من حياته، فماذا عن بقية الوجوه؟ ساد صمت وترقّب، وهنا ذكرت لهم ملامح من حياة هارون الرشيد: ذكرت لهم معلومات عن الـ2000 جارية في قصره، ذكرت لهم حياة اللهو والغناء، وقصصه المشهورة مع الجواري والقيان والمغنين والمغنيات، وتبديد بيت المال على كل هذا، وعلى الشعراء الذين كان يهبهم الأموال الطائلة مقابل مديح كاذب... إلى سلوكيات خليفة المسلمين في عصرهم الذهبي: هارون الرشيد، الذي كان يربط نفسه بالقداسة الدينية من خلال نسبه الموصول بعبدالله بن عباس، ابن عم النبي، وأحد علماء العصر الأول، ترجمان القرآن؛ كما كان يُقال.
هنا ـ وهذا أهم ما في القصة ـ رفع أحد الطلاب يده يطلب السماح له بالكلام. بدا متحفزا، وكانت تظهر عليه سيمياء التشدد الديني. قلت له قل ما تشاء (وكنت أريد منه أسئلة معارضة أنفذ منها إلى ما هو أعمق وأخطر)، قال: أنت تقول إن هارون الرشيد، الذي هو خليفة المسلمين، يُحْضرَ المغنيات، وتقول إن المغنيات كن يحيين حفلات الخليفة وحفلات الوزراء وكبار الكتّاب (كبار موظفي الدولة) وإن الشعراء كانوا يتردّدون إلى دور القيان، ويطارحونهن الأشعار، ويسمعون الأغاني ويُغازلون المغنيات وسائر الجواري في دور الرقيق. قلت: نعم، وفي كل ذلك تفاصيل كثيرة. تردّد قليلا، ثم قال: هذا غير صحيح، هذا مستحيل. قلت له: هذا موجود في كل كتب التاريخ وفي كتب الأخبار وفي كتب التراجم. هنا قال بكل حسم: كلهم يكذبون، أكيد هم شيعة أو مسيحيون أو يهود يريدون تشويه تاريخ المسلمين.
طبعا، عجبت من جرأته على النفي التام، وعلى تكذيب كل كتب التاريخ، وهو الذي لم يقرأ كتابا واحدا في التاريخ. كنت أريد أن أعرف: لماذا هو ينكر كل هذا، لماذا يرى كل هذا العبثَ/ اللهو/ المجون الخُلَفائي كذبا، والأهم، لماذا هو ـ رغم جهله التام بالتاريخ ـ على يقين بأن هذا كذب متعمد لتشويه تاريخ الإسلام (ويقصد: الإسلام السني تحديدا) من قِبَل أعداء المذهب السني/ أعداء الإسلام!
كان المهم عندي آنذاك معرفة الدافع وراء هذا الجزم بأن كل ما ذكرته عن الخلفاء مكذوب عليهم، خاصة وأنه لم يعرف أي شيء عن سيرة المؤرخين الذين نقلت عنهم؛ ليضعهم في خانة الآخر الخصم: شيعة مسيحيين يهود...إلخ. وهذا يعني أن ثمة تصورا أوّليا/ مبدئيا وحاسما دفعه في هذا الاتجاه. ولأعرف كنه هذا التصور (لاعتقادي أنه هو تصور الأغلبية الساحقة من الطلاب الجالسين أمامي في القاعة) سألته: أليس أكثر هؤلاء الذين رووا هذه الأخبار المتعلقة بالخلفاء هم مسلمون سنة، بل وعلماء شرعيون سلفيون، فلماذا ترى أن هذا مستحيل، وبالتالي، فهو مكذوب قطعا؟
كانت إجابته كاشفة، لا عن حاله فقط، وإنما عن حال كثيرين، حتى من يظنون أنفسهم باحثين أو ـ على الأقل ـ قارئين في التاريخ. أجابني قائلا: كيف يكون في القرن الثاني والثالث الهجري مغنية، كاشفة عن وجهها، وتغني وسط الرجال، ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري في القصيم، لو أخرجت امرأة أحد أصابعها في السوق لعاقبها رجال الهيئة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر = البوليس الديني ـ بوليس الآداب)، ثم أردف قائلا: تخيّل، هل ممكن أن توجد امرأة في القصيم تغني وهي كاشفة وجهها أمام الناس؛ مع أننا في القرن الخامس عشر الذي فسد فيه المسلمون جميعا، فكيف تفعل المرأة ذلك في القرنين: الثاني والثالث، الذين هما عصر أئمة الإسلام الكبار: الإمام الشافعي والإمام أحمد والبخاري... هل كان هؤلاء سيسكتون، هذا مستحيل أن يقع في عصرنا هنا في بيئتنا المحافظة؛ إذن فمستحيل ألف مرة أن يقع في عصر سلفنا الصالح.
هنا، اتضح أنه ـ كحال كثيرين ـ ينقصه التصور الصحيح المتكامل عن واقع ذلك العصر، فهو لا يفهم التاريخ إلا من خلال أمرين/ وَهْمَين متلازمين في وعيه:
1ـ أن ذلك العصر القريب من عصر النبوة هو ـ بكله ـ أشد تقوية، بل وتشددا/ تزمتا في الدين، من كل مكان في كل العصور اللاحقة؛ لأن الزمان يسير باتجاه الفساد، يزداد فساده ويقل صلاحه باستمرار.
2ـ أن بيئته الخاصة المحافظة/ المتشدّدة رغم كل صور تزمّتها، هي ـ بضرورة الانحدار الزمني ـ أكثر انفتاحا/ أشد انحرافا/ أقل التزاما بتعاليم الدين من كل العصور السابقة، خاصة أزمنة البدايات المقدسة: عصور السلف الصالح المتمثلة لديه في القرون الإسلامية الثلاثة الأولى من الهجرة التي لم يتطرق إليها الفساد (كما يقول المنطق السلفي) كما تطرق إلى ما بعدها من القرون.
ما يهمني في القصة، ليس فقط إطلاع الطلاب على طبيعة الحياة المترفة داخل قصور الخلفاء وما يتبع ذلك من دلالات اجتماعية، وإنما ـ وبدرجة أهم ـ اطلاعهم على مستوى التسامح الديني
إن هذا الطالب يؤمن إيمانا طفوليا، ولكنه عميق وراسخ رسوخ الجبال، أن من المستحيل أن تكون المرأة في القصيم عام 1425 هـ (مهما كانت صارمة في التزامها شروط المحافظة، بل وشروط التزمت) أشد محافظة من المرأة في بغداد عام 210 هـ. وحيث يكون الاحتكام أحاديا إلى هذا القانون الإيماني الذي لا علاقة له بعلم التاريخ، تصبح كل الأخبار المتواترة التي تؤكد أن الانفتاح والتنوع العرقي والديني والمذهبي في ذلك العصر العباسي أكبر بكثير من الانفتاح والتنوع في عصرنا كذبا؛ ابتداء وانتهاء، حتى قبل أن تُفْحَص وتُحقّق علميا؛ ولو بالآليات السلفية التقليدية. إنها ـ في تصوره ـ كذب محض، إنها تشويه متعمد لأسلافنا؛ لمجرد توهم أن أسلافنا لا بد وأن يكونوا أشد تزمتا منا (فهم أساتذتنا/ محل اقتدائنا)؛ بناء على وهم آخر، وهو أن الزيادة في التزمت هي ـ بالضرورة ـ زيادة في التقوى/ زيادة في الدين.
عندما أدركت أزمة هذا الطالب من خلال منطق اعتراضه؛ أجبته ـ مُوَجِّها الخطابَ للجميع ـ: ماذا تعرفون عن أعداد الرقيق، وعن حال الجواري في تلك العصور. وقبل أن أبدأ في ذكر بعض التفاصيل التاريخية، قلت لهم: هل تعرفون أن عورة "الأمة" عند بعض الفقهاء محدودة فيما بين السرّة إلى الركبة، أي يجوز لها ـ شرعا ـ أن تكشف صدرها/ ثدييها، وعند جميع الفقهاء تكشف رأسها وعنقها، وأن بعض الفقهاء أجاز تقليب الأمة عند شرائها عندما كانت تعرض في الأسواق، أي يتحسس المشتري جسدها بيده ليعرف جودة البضاعة...إلخ التصرفات التي كانت موجود بوجود الرقيق وأسواق الرقيق، وبالتالي، أحكام الرقيق، كل هذا موجود مُفَصَّل في كتب الفقهاء، ارجعوا إليه، وستعرفون واقع ذلك التاريخ من خلال كتب الفقهاء قبل أن تعرفوه من خلال كتب التاريخ.
كانت صدمة، حيث نظر بعضهم نظرة حيرة، وبعضهم نظرة مستريب. تفجرت بعض الأسئلة الصامتة، طفح بعضها على السطح. وللحديث بقية ومجال، لا يتسع له صدر هذا المقال.

