An Iraqi demonstrator runs as others burn tyres to cut-off roads in the southern city of Basra on November 25, 2019. (Photo by…
متظاهر في العراق

حين يتعمق الشعور الذاتي للفرد بأنه ضحية، ويتعمق كثيرا في داخله حد الانعزال، فإنه يرسم بوعي أو بلا وعي منه حول نفسه دائرة بالطبشور، يعتقد بيقين إيماني راسخ أن الأمان في داخلها. ينمو الشعور بهدوء لتصبح الدائرة الطباشيرية هي المعتقد.. خصوصا إذا اتسعت لمجموعة أو مجتمعات بكاملها!

في عالمنا العربي خصوصا، والمشرق عموما، لا تزال تراكمات التاريخ تنشر شعور "الضحية" لا على مستوى الأفراد وحسب، بل في مجتمعات بأكملها، تقوقعت على ذاتها بفعل ذات شعور الضحية، وبما يشبه حالة الرهاب المجتمعي من أي انفتاح على الآخر، أي آخر.

السني في العراق يشعر أنه ضحية الشيعي، والشيعي شعر بذلك ويرهب من عودة السني، المسيحي يشعر بأنه ضحية المسلمين (شيعة وسنة)، الأيزيدي يشعر أنه ضحية كل محيطه، الكردي هو ضحية التركي وربما ضحية الجغرافيا رغم أنه الابن الشرعي للتاريخ، والتركي نفسه ليس واحدا موحدا، بل مجتمعات فيها الأرمني الذي هو ضحية الطوراني، والقروي الذي هو ضحية ابن المدينة، والعسكري الذي صار ضحية الدولة الديمقراطية، والديمقراطي ضحية حكم العسكر، والجميع اليوم ضحية السياسي المتعطش للسلطة مهما كان الثمن.

في إيران، الشعب بمجمله ضحية العمائم واللحى، والقوميات هي الضحايا الأقل حظا في توزيع العطايا والبركات

القبطي هو ضحية الغالبية المسلمة في مصر، والإسلاميون هم ضحية العسكر، والعسكر أحيانا ضحية براكين غضب الإسلاميين، والمواطن حالة مفقودة في غياهب الاستبداد الشامل.

حتى على مستوى الفساد في الدول، الطبقة الوسطى تتحلل وهي تشعر بشعور الضحية أمام تغول نخب الفساد الممنهج والمدعوم بأشباح تملك السلطة (الأردن مثالا)، في سوريا كل السوريين ضحايا العلويين، والعلويون كانوا ضحايا كل السوريين، ويشعرون اليوم أنهم مشاريع ضحايا انتقام دموي وشيك، والكل ضحايا الاستبداد.

في لبنان، الكل ضحايا الكل، لا فضل لطائفة على أخرى.

في شمال أفريقيا، المغرب العربي تحديدا، الأمازيغ ضحايا العرب والتعريب، اليهود ضحايا العرب والمسلمين، القوميون ضحايا الإسلاميين، الإسلاميون ضحايا العسكرتاريا، وفي أطراف بعيدة ونائية فالناس ضحايا الجهل.

في ليبيا.. الضحايا مفترسة إلى حد مرعب.

في الخليج، الشيعة أقلية وهم ضحايا اضطهاد السنة، السنة يخشون من مشروع التضحية بهم على مذبح الأطماع الفارسية، الحرية والمساواة ضحية الجميع.

في اليمن، الضحية جماعية والقضية ضد مجهول متعدد ومتوحش.

في إيران، الشعب بمجمله ضحية العمائم واللحى، والقوميات هي الضحايا الأقل حظا في توزيع العطايا والبركات.

♦♦♦

الإنسانية مفهوم أساسي وأصيل لكنه لا يجد مكانه في وجدان وعقل المشرق بعربه وعجمه، الإنسانية التي ترى الإنسان إنسانا بلا أي تزويق "أو تشويه" ديني أو قومي أو طائفي أو عرقي.

الكرامة الإنسانية ليست عبارة إنشائية تصلح لخطاب سياسي، بقدر ما هي مفهوم يعكس حقا طبيعيا لكل إنسان وهو حق يولد معه، تماما مثل حقه في الحياة.

تلك الكرامة الإنسانية ومفهوم الإنسان الكامن فيها، هي البنية التحتية الكافية لبناء الدولة، بمفاهيم حقيقية ملموسة مثل المواطنة والقانون والمؤسسات فتصبح عبارات مثل عدالة ومساواة وحرية وعيش كريم عبارات واقعية يشعر بها الجميع وينتهي شعور الضحية الكامن في أعماق هذا المشرق منذ قرون.

شعور الضحية الذي خلق مفاهيم يوتوبيا ساحرة ومسحورة غير واقعية، مثل مفهوم "الوطن" واشتقاقاته مثل الوطنية وتراب الوطن والوطني، لتصبح كلمة مواطن مزحة سمجة لا معنى لها.

في الخليج، الشيعة أقلية وهم ضحايا اضطهاد السنة، السنة يخشون من مشروع التضحية بهم على مذبح الأطماع الفارسية، الحرية والمساواة ضحية الجميع

ما معنى الوطن بالضبط؟ غير تلك الجاذبية الرومانسية التي هي في الحقيقة بحث واهم عن جنة في وسط الجحيم.

الأوطان لا تتحقق، لكن الدولة هي التي تخلق الوطن، والوصول إلى الدولة يتطلب شجاعة ذاتية بالحد الأقصى، شجاعة لا تحتاج "تضحيات وطنية" بقدر ما تحتاج وعيا مسلحا بالمعرفة ومتخما بالإنسانية، حينها تنهار بسهولة كل الأوهام الساذجة، وتصبح الرؤية غاية في الوضوح.

كيف يمكن أن تقول إنك متجرد بوعيك، وأنت تهتف للزعيم والرئيس والقائد الملهم، أليس هذا مصادرة لحقك في التفكير وكرامتك الإنسانية؟

كيف تكون مدعيا للوعي وأنت تتلقى حقوقك بصيغة الفتات صاغرا وممتنا لمكرمات من تراه ولي النعمة؟

أي وعي هذا وادعاؤك بالمواطنة يتلاشى أمام نصف أمي ونصف جاهل تؤمن بيقين أنه طريقك إلى الله؟

أي وعي ومعرفة وعلم تدعيه، وأنت تكسر المعرفة وتذبحها وتقدمها قربانا للقبيلة والعشيرة والطائفة ورموزها التي تعملقت بالفساد؟

آن الأوان أن تقتل الضحية في داخلك بيدك، فبعض الضحايا أحيانا تستحق مصيرها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.