Women stand together al-Hol displacement camp in Hasaka governorate, Syria, April 2, 2019. REUTERS/Ali Hashisho
لعب إسلام المتشددين تحديدا دورا كبيرا في سلب الإنسانية من الإنسان واستبدلها بفهمه للدين

لفت نظري بعض ردود الفعل على حادث انتحار الناشطة سارة حجازي، وخاصة تلك التي وجدت في الأمر فرصة للتشفي وتصفية حسابات وبث مشاعر الكراهية والبغضاء ضد الآخر المختلف.

غياب الإنسانية

في عدد من الردود قد يبدو ظاهريا أن ثمة شيئا من المنطق، وخاصة تلك التي "تتحدث باستغراب، عن السبب وراء الاهتمام بقضية حجازي، فيما هناك الكثير من الحوادث وأعمال الاضطهاد والقتل التي لا ينتبه إليها أو يتحدث عنها أحد!".

أقول إن في هذه الردود بعض المنطق، من الناحية الشكلية على الأقل، لكن من ناحية الجوهر فقد فات على هؤلاء أن المسألة ليست في الانتحار ولا في الهوية الجنسية لحجازي، ولكن في مسألة الإنسانية. أي أن هؤلاء تجردوا بالفعل من هذه القيمة، حين لم يروا في "سارة حجازي" إنسانا قبل كل شيء وبعده.

بدلا من صورة إله الرحمة والحب والجمال والخير للإنسانية، يتم استبدالها بصورة الإله المتعطش للدماء والحروب والغزو

وبعضهم حتى وهو يبرر وجهة نظره، لم ينس أن يسيء إلى المثليين ومجتمعهم بالإصرار على وصفهم بالشذوذ أو ما شابه، وهي إساءة متعمدة للحط منهم وتأليب الرأي العام ضدهم.

بالطبع هناك عدد لا يستهان به ممن يعيشون في منطقتنا (حكومات وأفرادا) لم يعودوا يعرفون أو يقيمون وزنا للإنسان. وقد لا يكون هذا ذنبهم كليا. فأنماط التعليم والتربية والضخ الأيديولوجي أفقد كثير من العرب والمسلمين إنسانيتهم.

وقد لعب إسلام المتشددين تحديدا دورا كبيرا في سلب الإنسانية من الإنسان واستبدلها بفهمه للدين، فحيثما وجد "إنسان" يتم استبداله بصورة أوتوماتيكية بـ"مسلم"، وحيثما وجد "مسلم" يتم استبداله بصورة منهجية بـ "مجاهد" باليد واللسان والقلم!

قتل الفطرة 

يأتي الطفل إلى الدنيا وبه جميع الممكنات التي وهبها الله له، من فطرة سليمة ونزوع نحو الخير والجمال والانسجام وكره للظلم والقبح، لكن إسلام المتشددين، أول ما يفعله هو مهاجمة وقتل هذه الفطرة في الإنسان، عبر التلقين والتعليم والأدلجة. ما هي طبيعة هذه الأدلجة؟

تقوم هذه الأدلجة على عدة عناصر رئيسية:

أولا، تشويه صورة الله في قلب الإنسان. فبدلا من صورة إله الرحمة والحب والجمال والخير للإنسانية، يتم استبدالها بصورة الإله المتعطش للدماء والحروب والغزو، الإله الذي يطلب من "عباده" أن ينتقموا له ويعذبوا ويقتلوا باسمه!

ثانيا، قتل العلاقة بين الإنسان وبين أقرب الناس إليه، مثل الوالدين. فبدلا من تلك العلاقة السوية والطبيعية والفطرية لأي إنسان تجاه أسرته، فإنها تستبدل بعلاقة مشروطة بالدين والاعتقادات الدينية، بحيث يمكن للإنسان وفقها أن يصل إلى مرحلة لا يمانع فيها من قتل والديه أو نبذهما إذا اتضح أنهما لا يسيران وفق/أو لا يوافقان على تلك الاعتقادات.

سلب الإنسانية من الإنسان هو أخطر ما يواجهه العالم العربي والمجتمعات الإسلامية اليوم، بل هو أخطر ما تواجهه البشري

ثالثا، قتل العلاقة بين الإنسان وبين أخيه الإنسان. وفق هذه الأدلجة فإن ما يجمع بين البشر ليس هو الرباط والجوهر الإنساني المشترك، وإنما الاشتراك في العقيدة والدين من عدمهما. وفي حالة لم يوجد مثل هذا الاشتراك، فإن الآخر يمكن أن يتحول في أية لحظة إلى هدف مشروع لسيوف وبنادق المسلمين!

رابعا، تشويه ذات الإنسان نفسه عن نفسه من حيث المقاصد الكلية في الحياة. فالإنسان هنا لا يغدوا هو الأصل والهدف من خلق الكون كله وعلاقته الخاصة وغير المشروطة بالخالق، وإنما يتحول إلى مجرد ترس ديني صغير في عجلة الأيديولوجية الإسلامية.

إعادة تأهيل

بهذه الطريقة يتم قتل فطرة الإنسان وتشويه وعيه وغسل دماغه، حتى يتحول إلى آلة يمكن برمجتها وتوجيهها في أي وقت ونحو أي هدف.

فالذين يقومون بالعمليات الانتحارية والذين يذبحون الناس والذين يقومون بتعذيب الآخرين (ويوجد غير إسلاميين يفعلون ذلك أيضا)، هؤلاء جميعا مسخت إنسانيتهم. تم استبدالها بهويات أخرى، وتم قتل ما هو فطري لديهم.

وسلب الإنسانية من الإنسان هو أخطر ما يواجهه العالم العربي والمجتمعات الإسلامية اليوم، بل هو أخطر ما تواجهه البشرية. لأن الاستعداد لممارسة القتل والعنف الجسدي واللفظي، لم يعد مرتبطا بمنافاته للقيم والأخلاق والإنسانية، وإنما بالقدرة والتمكن على ممارسته من عدمها. بمعنى أنه بالنسبة لهؤلاء ففي اللحظة التي تكون لديهم فيها القوة أو المقدرة أو الظروف المناسبة فإنهم لا يتورعون عن ممارسة ذلك في أي مكان يوجدون فيه. إن الأمر هو مسألة وقتية أو ظرفية بالنسبة لهم ولم يعد مسألة مبدئية.

هل يمكن عمل شيء لمواجهة هذا الخطر؟ بالطبع، يمكن عمل الكثير، لكن أيا كان هذا الشيء فهو لا بد أن ينطلق من إعادة التأهيل ومساعدة هؤلاء على استعادة إنسانيتهم، لأن معاملتهم بالمثل سوف تعني الانحدار إلى نموذجهم، بدلا من رفعهم نحو الأعلى.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.