لتركيا معجبون كثر، وبالقدر ذاته، يكاد يكون لديها، كارهون.
المعجبون أنواع، منهم المحايدون من كافة الشعوب، وينحصر إعجابهم بطبيعة الأرض التركية وما عليها من إرث وتقاليد وآثار، وهو أمر طبيعي ويحدث مع ما يشابهها من بلاد وأراض جاذبة للسياحة.
أما معجبوها الاستثنائيون، فهم من مريدي السلطنة العثمانية التي سقطت وتحللت في مثل هذا الوقت قبل مئة عام، يدافعون عنها وعن تاريخها حتى اليوم بشراسة، لا تقل عن دفاعهم عنها بالأمس. وفي حين يعتبرون أن كل أنواع وأشكال الاحتلالات والانتدابات المتعاقبة على بلدانهم أو بلدان أخرى كانت استعمارا مكروها ومرفوضا وجبت مقاومته ودحره في حينه، يستثنون السلطنة، ويبرئونها من كل إثم، بل ويبررون لها وجودها بصفته كان حكما شرعيا لدولة الخلافة، رغم أنها جثمت فوق رقاب العباد لأربعة قرون.
المحيِّرون في علاقتهم معها، هم الكارهون، تارة يرفعون من شأنها، وتارة يحطون من قدرها، حيث ترتبط مشاعرهم المتأرجحة هذه تبعا للأهواء السياسية وتقلباتها. فإن رطبت الأجواء، سخروا الأقلام لخدمة تلميع صورة الباب العالي، وكل تاريخ سلاطينه وحريم سلاطينه وصدوره العظمى وانكشارييه.
لتركيا معجبون كثر، وبالقدر ذاته، يكاد يكون لديها، كارهون
وإن تعكرت العلاقات، انقلب طعم العسل إلى علقم مرير، بحيث يحتار الفرد العادي، غير المعني بالسياسة وتقلباتها، على أية ضفة سيرسي، وماذا يصدق من التاريخ، حتى إنه قد يكون من غير المعجبين، لكنه يجبر، في ظل تحسن العلاقات، أن يصير معجبا بالإكراه، ويا للعجب.
منذ عقد من السنوات تقريبا، تسيطر الحالة الكارهة لتركيا، على الأجواء السياسية، العربية بشكل بارز، والإقليمية والدولية من حين إلى آخر، بسبب سياسات الحزب الحاكم في تركيا، وسلسلة الاتهامات الموجهة له حول دعمه لجماعات إسلامية غير مرغوب بها، وميوله "العثملية" لاستعادة ماضي أجداده وأمجاد السلطنة، وتدخله المباشر في سوريا، ومؤخرا في ليبيا.
على سبيل المثال، وكتعبير رمزي عن سوء العلاقات، أزالت أمانة الرياض قبل أيام اسم السلطان سليمان القانوني عن أحد شوارع العاصمة السعودية، وقبلها بعامين، أزالت القاهرة اسم السلطان سليم الأول عن أحد أحياء العاصمة.
هذه الخطوة المزدوجة، وإن كانت حق من حقوق هاتين الدولتين يعود تقديرها لهما، إلا أنها خطوة كان من الأجدى والأكثر تقبلا على الصعيد الشعبي، فيما لو تمت عقب الاستقلال أو وفقا لتفاهمات رسمية تمت خلال العلاقات السياسية الجيدة مع تركيا وليس في حال الخصام الذي يولد الخشية من إعادة التسمية في حال الودّ، وبالتالي انصياع السياسة للمزاجيات أو ربطها بالشخصنة، وليس وفقا لمعايير ثابتة للسيادة الوطنية، وعدم المس برموز تتعلق بالاحترام المتبادل بين الدول، لا تتغير مهما توافقت، أو تنافرت، سياساتها وحكوماتها.
من الأمور المثيرة للحيرة في هذا الصدد، أن دولة عريقة مثل مصر، تمتلك ماكينة إعلامية ودرامية هي الأضخم، يكاد لا يمر عمل فني أو درامي فيها، معاصر وليس تاريخيا، إلا وتسمع ضمن حواراته تسميات لألقاب عثمانية، مثل باشا وبيك (وبيه) وخواجا وأفندي (أفندم) وبكباشي وصول وخوانم (هوانم) وغيرها.
وفي الشارع العادي، أو حتى بين أفراد الطبقة الثرية وأصحاب السلطة، تُتدوال هذه التسميات للألقاب بيسر وعفوية شديدتين، وكأنها مفردات راسخة رسوخا لغويا غريبا ضمن مفردات اللهجة المصرية، رغم مرور مئة عام على الانفكاك التاريخي.
من الممكن إعادة النظر بآثار التلاقح البشري الذي تغلغل في الثقافة العامة، وفي مقدمه اللغة
بدورها، تتردد هذه الألقاب في كل من سوريا ولبنان، يعود بعضها لأنساب عائلية تنحدر من سلالات تركية، وبعضها كألقاب مكتسبة، منحت شرفيا لبعض الشخصيات والعائلات التي كان لها ارتباطات أو مصالح مع السلطنة، أما الفئة الأخيرة، فهي ما يتداوله العامة لوصف شخصية سياسية أو ذات وجاهة مالية أو حزبية عبر تسميته بألقاب من مثل باشا وخواجة وبيك، دون أن يمانع هذا الباشا أو البيك المعاصر من مناداته بهذه الألقاب، بل يتفاخر بإلصاقها به.
وعلى الصعيد الشعبي، ليس مفاجئا أو جديدا أن تجد أن العديد من المحلات في معظم الدول العربية تحمل مثل هذه الأسماء والألقاب، كأسلوبية تجارية تهدف إلى التفخيم وجذب العامة، مثل شاورما السلطان، وفروج الباشا، وأجبان الخواجة، وأزياء البيك، ولانجري الهوانم، وأحذية الأفندي. فيما يندر أن يقام حفل فني موسيقي شرقي، إلا بوجود فرقة موسيقية، لا يكتمل حسن وجمال عازفيها، حسب اعتقاد أصحابها، إلا بارتداء الطرابيش، أو بعض الأزياء العثمانية، أو مرافقة الموسيقى لعدد من الدراويش الراقصين "المولوية" وتنانيرهم الفضفاضة.
من الصعوبة إزالة الأثر المعماري الذي يعود بتاريخه إلى حقبة تاريخية ما بعد أن بات إرثا خاصا بالدولة التي أنشأ فيها، لكن من الممكن إعادة النظر بآثار التلاقح البشري الذي تغلغل في الثقافة العامة، وفي مقدمه اللغة، وبخاصة إن كنت رافضا أو كارها أو غير معجب بأصحاب هذه اللغة، والتحرر لا يكون بالاستقلال السيادي فقط، بل يكتمل بإعادة رسم الهوية والثقافة الوطنية بدون باشاوات أو أفندية، وبدون طرابيش.

