Turkish soldiers dressed as Janissaries (Yeniceri) from the Ottoman era, march during the 94th Republic Day parade, from the…
جنود أتراك يرتدون زي قوات الإنكشارية خلال اذ١كرى 94 لتأسيس الدولة التركية

لتركيا معجبون كثر، وبالقدر ذاته، يكاد يكون لديها، كارهون.

المعجبون أنواع، منهم المحايدون من كافة الشعوب، وينحصر إعجابهم بطبيعة الأرض التركية وما عليها من إرث وتقاليد وآثار، وهو أمر طبيعي ويحدث مع ما يشابهها من بلاد وأراض جاذبة للسياحة.

أما معجبوها الاستثنائيون، فهم من مريدي السلطنة العثمانية التي سقطت وتحللت في مثل هذا الوقت قبل مئة عام، يدافعون عنها وعن تاريخها حتى اليوم بشراسة، لا تقل عن دفاعهم عنها بالأمس. وفي حين يعتبرون أن كل أنواع وأشكال الاحتلالات والانتدابات المتعاقبة على بلدانهم أو بلدان أخرى كانت استعمارا مكروها ومرفوضا وجبت مقاومته ودحره في حينه، يستثنون السلطنة، ويبرئونها من كل إثم، بل ويبررون لها وجودها بصفته كان حكما شرعيا لدولة الخلافة، رغم أنها جثمت فوق رقاب العباد لأربعة قرون.

المحيِّرون في علاقتهم معها، هم الكارهون، تارة يرفعون من شأنها، وتارة يحطون من قدرها، حيث ترتبط مشاعرهم المتأرجحة هذه تبعا للأهواء السياسية وتقلباتها. فإن رطبت الأجواء، سخروا الأقلام لخدمة تلميع صورة الباب العالي، وكل تاريخ سلاطينه وحريم سلاطينه وصدوره العظمى وانكشارييه. 

لتركيا معجبون كثر، وبالقدر ذاته، يكاد يكون لديها، كارهون

وإن تعكرت العلاقات، انقلب طعم العسل إلى علقم مرير، بحيث يحتار الفرد العادي، غير المعني بالسياسة وتقلباتها، على أية ضفة سيرسي، وماذا يصدق من التاريخ، حتى إنه قد يكون من غير المعجبين، لكنه يجبر، في ظل تحسن العلاقات، أن يصير معجبا بالإكراه، ويا للعجب.

منذ عقد من السنوات تقريبا، تسيطر الحالة الكارهة لتركيا، على الأجواء السياسية، العربية بشكل بارز، والإقليمية والدولية من حين إلى آخر، بسبب سياسات الحزب الحاكم في تركيا، وسلسلة الاتهامات الموجهة له حول دعمه لجماعات إسلامية غير مرغوب بها، وميوله "العثملية" لاستعادة ماضي أجداده وأمجاد السلطنة، وتدخله المباشر في سوريا، ومؤخرا في ليبيا.

على سبيل المثال، وكتعبير رمزي عن سوء العلاقات، أزالت أمانة الرياض قبل أيام اسم السلطان سليمان القانوني عن أحد شوارع العاصمة السعودية، وقبلها بعامين، أزالت القاهرة اسم السلطان سليم الأول عن أحد أحياء العاصمة.

هذه الخطوة المزدوجة، وإن كانت حق من حقوق هاتين الدولتين يعود تقديرها لهما، إلا أنها خطوة كان من الأجدى والأكثر تقبلا على الصعيد الشعبي، فيما لو تمت عقب الاستقلال أو وفقا لتفاهمات رسمية تمت خلال العلاقات السياسية الجيدة مع تركيا وليس في حال الخصام الذي يولد الخشية من إعادة التسمية في حال الودّ، وبالتالي انصياع السياسة للمزاجيات أو ربطها بالشخصنة، وليس وفقا لمعايير ثابتة للسيادة الوطنية، وعدم المس برموز تتعلق بالاحترام المتبادل بين الدول، لا تتغير مهما توافقت، أو تنافرت، سياساتها وحكوماتها.

من الأمور المثيرة للحيرة في هذا الصدد، أن دولة عريقة مثل مصر، تمتلك ماكينة إعلامية ودرامية هي الأضخم، يكاد لا يمر عمل فني أو درامي فيها، معاصر وليس تاريخيا، إلا وتسمع ضمن حواراته تسميات لألقاب عثمانية، مثل باشا وبيك (وبيه) وخواجا وأفندي (أفندم) وبكباشي وصول وخوانم (هوانم) وغيرها. 

وفي الشارع العادي، أو حتى بين أفراد الطبقة الثرية وأصحاب السلطة، تُتدوال هذه التسميات للألقاب بيسر وعفوية شديدتين، وكأنها مفردات راسخة رسوخا لغويا غريبا ضمن مفردات اللهجة المصرية، رغم مرور مئة عام على الانفكاك التاريخي.

من الممكن إعادة النظر بآثار التلاقح البشري الذي تغلغل في الثقافة العامة، وفي مقدمه اللغة

بدورها، تتردد هذه الألقاب في كل من سوريا ولبنان، يعود بعضها لأنساب عائلية تنحدر من سلالات تركية، وبعضها كألقاب مكتسبة، منحت شرفيا لبعض الشخصيات والعائلات التي كان لها ارتباطات أو مصالح مع السلطنة، أما الفئة الأخيرة، فهي ما يتداوله العامة لوصف شخصية سياسية أو ذات وجاهة مالية أو حزبية عبر تسميته بألقاب من مثل باشا وخواجة وبيك، دون أن يمانع هذا الباشا أو البيك المعاصر من مناداته بهذه الألقاب، بل يتفاخر بإلصاقها به.

وعلى الصعيد الشعبي، ليس مفاجئا أو جديدا أن تجد أن العديد من المحلات في معظم الدول العربية تحمل مثل هذه الأسماء والألقاب، كأسلوبية تجارية تهدف إلى التفخيم وجذب العامة، مثل شاورما السلطان، وفروج الباشا، وأجبان الخواجة، وأزياء البيك، ولانجري الهوانم، وأحذية الأفندي. فيما يندر أن يقام حفل فني موسيقي شرقي، إلا بوجود فرقة موسيقية، لا يكتمل حسن وجمال عازفيها، حسب اعتقاد أصحابها، إلا بارتداء الطرابيش، أو بعض الأزياء العثمانية، أو مرافقة الموسيقى لعدد من الدراويش الراقصين "المولوية" وتنانيرهم الفضفاضة.

من الصعوبة إزالة الأثر المعماري الذي يعود بتاريخه إلى حقبة تاريخية ما بعد أن بات إرثا خاصا بالدولة التي أنشأ فيها، لكن من الممكن إعادة النظر بآثار التلاقح البشري الذي تغلغل في الثقافة العامة، وفي مقدمه اللغة، وبخاصة إن كنت رافضا أو كارها أو غير معجب بأصحاب هذه اللغة، والتحرر لا يكون بالاستقلال السيادي فقط، بل يكتمل بإعادة رسم الهوية والثقافة الوطنية بدون باشاوات أو أفندية، وبدون طرابيش.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.