Human rights activists shout slogans as they protest against a "campaign of repression" targeting posters on social networks…
اعتصام في المغرب للدفاع عن حرية الرأي والتعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي وضد قمع الناشطين من خلالها

في العام 2009، أطلق مركز القدس للدراسات السياسية في عمان دراسة حول واقع الصحافة ووسائل الإعلام في الأردن، حملت عنوانا كان لافتا في حينه: "الاحتواء الناعم للصحافة ووسائل الاعلام في الأردن"، يومها غضبت الحكومة وأوعزت للصحف اليومية بعدم نشرها، لكن الدراسة حظيت مع ذلك بتغطية إعلامية فريدة، تخطت الأردن إلى العالم العربي...

في العام التالي، توسع المركز ذاته، في البحث عن أثر "الاحتواء الناعم" على النخبة الأردنية، لتشمل نوابا وأحزابا، كما تطرقت الدراسة لأطراف أخرى، غير الحكومة، تسعى بدورها في احتواء النخبة الأردنية، وبوسائل "ناعمة"، كما جرى التوسع في تصنيف وتبويب أشكال هذا الاحتواء وطرائقه.

حينها، لم تكن ظاهرة "الاحتواء الناعم"، ملحوظة على نحو فجّ، إقليميا...مع أن سعي حكومات وأنظمة عربية لاحتواء "النخب العربية"، قديم بعض الشيء، ويعود لزمن "الحرب الباردة" بين المراكز والعواصم العربية... القاهرة زمن جمال عبد الناصر، بغداد زمن صدام حسين، وليبيا زمن معمر القذافي، جيوش من الكتاب والإعلاميين العرب، انخرطوا في الحروب والمعارك الإعلامية لتلك الأنظمة، من خلال عشرات الصحف والمجلات والمحطات الممولة منها على نحو مباشر أو غير مباشر.

بين المطلوب شراء "صوتهم" أو شراء "صمتهم"، ثمة مروحة واسعة من "المُستهدفين

ثلاث عواصم خليجية ستدخل مؤخرا على هذا الخط، وبكثافة غير مسبوقة، على الإطلاق، كيف لا وهي التي تستأثر بأكثر من ثلاثة أرباع "سوق الإعلام والصحافة" في العالم العربي، وأعني بها كل من قطر والإمارات والسعودية... السعودية كانت لاعبا في زمن الحرب الباردة العربية، ولم تكن الإمارات وقطر قد دفعتهما أحلامهما "الإمبراطورية" للدخول إلى هذه الحلبة بعد.

في حرب المحاور المحتدمة هذه الأيام، نجحت العواصم الخليجية الثلاث في تسجيل اختراقات نوعية على طريق احتواء النخبة العربية، بوسائل الإغراء والرشى تحت أسماء ومسميات مختلفة، من كاتب مقال في صحيفة تصدر في هذه العاصمة أو تلك أو في صحف المهجر "اللندني"، إلى عضو مجلس إدارة، إلى باحث ومستشار في مركز للأبحاث، إلى حائز على جائزة الإبداع في المقالة والرواية والآداب و"قلة الآداب" إلى غير ما هنالك.

ولأن هذه العواصم مشتبكة فيما بينها أولا، ومع العديد من الأطراف واللاعبين الإقليميين ثانيا، وحيث أنها باتت مدججة بأجندات إقليمية وحاضرة في مختلف أزمات الإقليم ومجتمعاته، فقد توسعت مساعيها واشتد صراعها على كسب "النخب العربية"، حتى أنك لم تعد عاصمة عربية واحدة خلوا من "لوبي قطري" أو "لوبي إماراتي" أو "لوبي سعودي"، يلعب على ساحتي الإعلام والسياسة سواء بسواء.

العواصم الإقليمية التي تقود لعبة "صراع المحاور" في المنطقة، طهران وأنقرة، لم تقف بدورها ساكنة أبدا، لديها اختراقاتها الناعمة، وأحيانا الخشنة، في أوساط النخب العربية، بيد أنها بالمقارنة والقياس ليست مؤثرة بذات الحجم والتأثير، وسائلها محدودة، وموازناتها أكثر تواضعا، والأهم أن "الدافع الأيديولوجي" هو المحرك الأبرز والأهم لحراك النخب العربية صوبها... ليس "الإخواني" بحاجة لأن يكون من "المؤلفة جيوبهم" تركيا حتى ينبري مدافعا عن إردوغان، وليس "المقاوم"، الشيعي بخاصة، بحاجة لشراء ولائه المحسوم سلفا لصالح "المحور" وولاية الفقيه.

شراء الصوت أو الصمت

الهدف الرئيس لسياسة "الاحتواء الناعم" التي تتبعها عواصم عربية وإقليمية، هو شراء "صوت" رموز النخب العربية وأركانها، شراء أقلامهم وألسنتهم وعدساتهم وشاشاتهم وصفحاتهم على التواصل الاجتماعي... هذه مهمة يبدو أن كثيرين مستعدون للقيام بها، أما لائحة الأسعار فتقرر عوامل عدة، منها: وزن المستهدف ومدى تأثيره وقدرته على الاستبسال في الدفاع عن "دولة المنبع"، بدءا من فريقها الوطني لكرة القدم، وانتهاء بالسياسات والاستراتيجيات العليا للبلاد.

لكن لا بأس من التفكير بمستوى ثان من "الاحتواء الناعم"، وفئة ثانية، أكثر رُقيّا من المستهدفين به، هنا يصبح شراء "الصمت" أمرا ممكنا، بمعنى أن لك ملء الحرية في أن تكتب ما تشاء في صحفنا وتلك الدائرة في فلكنا، وأن تتحدث بالفم الملآن عن مختلف المواضيع عبر أثيرنا وشاشاتنا، لكن حذار من الاقتراب من "الخط الأحمر"، وهو المساس بـ "وليّ النعم"، الحكومة المسؤولة عن سقوط المكافآت في حسابك المصرفي نهاية كل شهر.

بين المطلوب شراء "صوتهم" أو شراء "صمتهم"، ثمة مروحة واسعة من "المُستهدفين: منهم من ينتمي إلى "التيار الإسلامي"، وهناك فقهاء وشيوخ "غب الطلب"، وظيفتهم استقطاب النخب الإسلامية في العالم العربي وتجنيدها في حروب ومعارك "الدولة الراعية أو المانحة"، ومن الطبيعي أن ترد العواصم المنافسة، بتجنيد فقهاء وشيوخ، يستندون إلى المرجعية الدينية ذاتها، ولكن للوصول إلى خلاصات ونتائج مغايرة، تمتدح رعاتهم ومانحيهم وتهجو خصوم "دولة المقر والمنبع".

لكن النخب العربية ليست دينية وإسلامية فحسب، هناك نخب قومية وديمقراطية وليبرالية علمانية، وهنا يسار قديم وجديد... لا بأس، هناك مختصون وظيفتهم جلب هؤلاء وتجنيدهم في المعارك الكبرى لـ"ولي النعم"... لك أن تكتب عن كارل ماركس وطه حسين والحداثة وجان جاك روسو، لكن لا تقترب من النظام "السلالي" الذي يمول الصحيفة أو يتكفل بميزانية مركز البحوث السنوية، هذا خط أحمر... لست مضطرا لأن تضع هذا النظام في سلة "التنوير والأنوار"، ولكن عليك أن تصمت عن طبيعته القبلية الإقطاعية السلطوية المتخلفة، إن أنت أردت أن يبقى حسابك المصرفي قادر على تغذية "الصراف الآلي" المجاور لمكان سكنك.

حروب الوكالة الدائرة بين عواصم عربية وإقليمية متصارعة، لم تترك ساحة أو فضاء إلا واقتحمته

ثمة مثقفون وشيوخ وإعلاميون كبار سقطوا في مستنقع "الاحتواء الناعم"، أقلهم ضرراً مَنْ قَبِلَ بصفقة "الصمت" وأفدحهم تأثيرا من عرض "صوته" في المزاد لمن يدفع أكثر... لكن ثمة بيادق وجنود، أقل شأنا، مثلهم مثل "زعران الحي"، يؤتى بهم لإطلاق الشتائم والسباب، وظيفتهم الزج بالدولة الخصم وزعمائها في كل صغيرة وكبيرة، وتحميلهم المسؤولية الكاملة حتى عن حوادث المرور في العالم، هؤلاء كثر، وبعضهم يدعوا للشفقة والغثيان، فهو مجبر للحديث عن اليمن وليبيا وأزمة أسعار النفط والفيروس والأوبئة والنظام العالمي الجديد، وأحيانا إلى جانب خبراء ومختصين دوليين وازنين، طالما أن وظيفته الوحيدة التي "استجلب" من أجلها أصلا هي النيل من الخصوم والمس بسمعتهم.

وهناك ظاهرة طرأت مؤخرا، بعض المحطات الفضائية العربية المنخرطة في حروب "الاحتواء الناعم" باتت تُفصّل "معارضين" لسياساتها على مقاساتها، حتى لا تفقد ماء وجهها وتظل تزعم بأنها قنوات الرأي والرأي الآخر... معارضون يستجلبون وبعضهم برواتب شهرية ثابتة، من أجل استكمال ديكور التعددية على الشاشة الفضّية، مع أن نتائج المباريات السياسية التي تعرضها المحطات، محسوبة سلفا لصالح المدافعين عنها والمتبنين لنهج عواصمها وسياساتها.

ومن سخريات القدر، أن حربا ضروسا تدور بين "المُحتَوين" بعضهم مع بعض، هذا يتهم ذاك بأنه من اللوبي الفلاني ليرد عليه آخر بتهم مماثلة... لا أحد منهم يجرؤ على الاعتراف بنقيصته، وغالبا ما يفضل هؤلاء، رد سبب الاهتمام المفرط به من هذه القناة أو تلك الصحيفة، إلى قدرات "خارقة" يتوفر عليها لا أحد غيره اكتشفها من قبل أو يعترف بها من بعد.

خلاصة القول، إن حروب الوكالة الدائرة بين عواصم عربية وإقليمية متصارعة، لم تترك ساحة أو فضاء إلا واقتحمته، لكن ساحة الصراع على النخب العربية، لم تحظ بعد بكل الاهتمام الذي تستحق من قبل الكتاب والمحللين والمثقفين العرب، ربما لأن من لم يُحتوَ منهم، ليس سوى أقلية قليلة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.