الفنان السوري الراحل عمر حجو
ولد من رحم "مسرح الشوك" ثلاثة عروض كتب نصوصها جميعا الراحل عمر حجو

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو 2020. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

في زحمة "مهرجان دمشق الأول للفنون المسرحية" عام 1969، انبثقت ضمن تجارب المسرح السوري آنذاك تجربة جديدة اتفق المسرحيون العرب على أنها واحدة من الظواهر الصحية القليلة في حياتنا المسرحية العربية المعاصرة. 

كانت تجربة نضرة، صادقة، ذكية وشديدة البساطة، تجربة تنأى بنفسها عن عناصر الإبهار والإثارة والفرجة لتجعل من التقشف وسيلة اتصال حيوية ومباشرة مع جمهور من عموم الناس العاديين، لأنه يعكس واقعهم ومعاناتهم الاجتماعية والسياسية بجرأة ساخرة ولاذعة. 

هكذا انطلق "مسرح الشوك" في أولى تجاربه ليعري أوجه الزيف والبيروقراطية والروتين والتخلف والغش والقمع وعقدة الخواجة والرشوة والمحسوبية وفقدان العدل وسطوة المخابرات. يعود الفضل في إطلاق "مسرح الشوك" إلى الفنان القدير الراحل عمر حجو، الذي قدم ثلاثة عروض مختلفة له منذ 1969 حتى أوائل السبعينيات، اشترك فيها بعض كبار نجوم سوريا، وفي مقدمتهم كل من دريد لحام ونهاد قلعي.

هل كانت تلك التجربة فنا مسرحيا، أم أنها كانت مجرد بوق دعاية؟ هل هي جديدة، أم أنها تدرجت لتصل إلى عندنا؟ ما هو السبب أو الأسباب التي أدت إلى ظهورها عندنا في ذلك الزمان؟ ما الذي أضافته؟ وماذا يمكن أن تترك من تأثير؟ هل لها أصول تاريخية في المسرح العالمي؟ وأخيرا، ما هي السبل لتطويرها ودعمها وإحيائها؟

يظهر نمط "مسرح الشوك" ـ الذي يحمل أوروبيا اسم "الكباريه السياسي" ـ كردة فعل تجاه الأزمات السياسية والاقتصادية، ليعكس معاناة الشعب، مع كشف جريء وقاس، بهدف التطوير والتطهير، وربما وصولا إلى التثوير. إنه يعالج مخلفات الحروب والهزائم والأخطاء والروتين البيروقراطي والانحلال الخلقي وضعف الضمير الاجتماعي المسؤول. 

لم ينتزع "مسرح الشوك" الإعجاب بجرأته على الصعيدين السياسي والاجتماعي فحسب، بل استقطب اهتمام رجالات المسرح العربي ونقاده

ظهر نمط Chansonner بشكل واسع في جمهورية "فايمر" الألمانية قبيل استيلاء النازيين على السلطة. ظهر أيضا في فرنسا في فترات عدة اتسمت بأزماتها الاقتصادية. ليست هناك قوالب نقدية صارمة تحكم هذا النمط، وليس هناك منهج صارم يحدده. إنه نمط يقوم على التجريب وحده، ولذلك فهو مسرح طليعي وحر تماما، لأنه مسرح يقوم على فكرة الاتصال المباشر والواسع بالشعب، والتعبير عما يجول في خاطر الجماهير. لذلك، يلجأ هذا النمط المسرحي إلى النكتة والكاريكاتير والحوار الذكي المبطن بالسخرية.

في بيروت، ظهر في السبعينيات "مسرح الساعة العاشرة"، الذي دأب أن يقدم عروضا نقدية ساخرة من طراز Chansonner  باللغتين العربية والفرنسية. أما في القرن الحادي والعشرين، فهناك برنامج تلفزيوني لبناني تهكمي باسم "دمى قراطية"، ندرت جرأته في المحطات العربية. لذلك، كان ظهور "مسرح الشوك" عام 1969 في دمشق المحافظة ـ المعروف عنها آنذاك أنها تمثل نظام الحزب الواحد، وتسودها شعارات الالتزام، وتمارس فيها رقابة صارمة ـ حدثا فنيا بارزا واستثنائيا.

ولد من رحم "مسرح الشوك" ثلاثة عروض كتب نصوصها جميعا عمر حجو، وأخرج ثالثها فقط أسعد فضة، بينما تم تداول أن دريد لحام كان المسؤول عن إخراج العرضين الأول والثاني. يحكى أن العرض الأول كاد أن يتعرض للمنع من الرقابة، لكنه ولد ولادة قيصرية، كانت بداية لظاهرة صحية ما لبثت أن ازدهرت بأشكال مختلفة عبر عقود من الزمن. 

ولعل أبرز ما نلمسه من آثار في الألفية الثالثة لتلك البداية المسرحية الجريئة تجلى عبر ازدهار الدراما التلفزيونية السورية، وشهرتها الجماهيرية المدوية في المحطات الفضائية العربية كافة، وذلك من خلال عدد من نجوم "مسرح الشوك"، مثل دريد لحام ونهاد قلعي وعمر حجو وطلحت حمدي وعدنان بركات ورفيق السبيعي وياسين بقوش وزياد مولوي وسواهم، فضلا عن النجوم الذين تابعوا المسيرة على هدى خطواتهم الرائدة. 

إن الكوميديا التلفزيونية السورية الناقدة في مسلسلات مثل "مرايا"، "بقعة ضوء"، "بكرا أحلى"، "ضيعة ضايعة" و"خربة"، ولدت ولادة طبيعية من رحم "مسرح الشوك"، لأنه تجاوز منذ زمن مبكر عقدة الخوف، ونقل الحوار الهامس إلى العلن، في نقد هدفه البناء، لا الهدم. 

ما أحوجنا، اليوم، إلى إحياء تجربة "مسرح الشوك" في الألفية الثالثة بصورة جديدة ونجوم جدد، للتصدي بالنقد الجريء لمختلف أمراض السلطة

وجَّه "مسرح الشوك" سهام أشواكه إلى الروتين البيروقراطي الحكومي، والإهمال، واستغلال الدين، وحتى إلى أجهزة المخابرات. كان أسلوبه التهكم اللاذع، لا السخرية الجارحة. وكان مبدعه عمر حجو يلتقط الموضوعات من الشارع مثل الرادار، ويصوغ حوارات لوحاته بكثير من الذكاء والظرف. 

عندما بدأ "مسرح الشوك" انطلاقته عام 1969، كان بمثابة قنبلة مضيئة تفجرت في سماء مهرجان دمشق الأول للفنون المسرحية. كان استقباله عظيما، لأنه كان مفاجأة في عالم الركود المسرحي العربي، ومن بلد لم يكن يتوقع سوى قلة أن يتمكن آنذاك من هكذا حرية تعبير. 

لم ينتزع "مسرح الشوك" الإعجاب بجرأته على الصعيدين السياسي والاجتماعي فحسب، بل استقطب اهتمام رجالات المسرح العربي ونقاده، لأنه كان تجربة فنية جديدة تعتمد البساطة والوضوح، وتلعب في الوقت نفسه دورا اجتماعيا، وبدا لوهلة كأن حل معضلة المسرح العربي في اللقاء بين الكلمة الفنية الصادقة والجماهير قد تحقق. 

أصبح "مسرح الشوك" محط الأنظار، وكتبت عنه زوايا شتى مدافعة ومؤيدة، كما بذلت محاولات عدة لتأصيله وربطه بتراث مسرح الكباريه السياسي، وبأصوله الأكثر قدما في تاريخ المسرح الشعبي. 

ما أحوجنا، اليوم، إلى إحياء تجربة "مسرح الشوك" في الألفية الثالثة بصورة جديدة ونجوم جدد، للتصدي بالنقد الجريء لمختلف أمراض السلطة، للبناء وليس للهدم، ومن أجل الهدف السامي للإصلاح.

على الصعيد التلفزيوني، ظهرت عدة أعمال سورية اتخذت من لوحات النقد السياسي والاجتماعي شكلا لها. أشهر هذه السلاسل "مرايا" للفنان ياسر العظمة، الذي تعاقب على إخراجه عدد من المخرجين. هناك أيضا "بقعة ضوء"، الذي قدمت منه مواسم عدة تفاوتت في جرأتها ونجاحها.

في عام 2011 دعوت فنانا كوميديا معروفا كي يعيد تأسيس فرقة "المسرح الجوال" بتمويل تام من وزارة الثقافة، وكلفته أن يكون باكورة أعمال الفرقة عرض مسرحي يختاره من أفضل ما كتب عمر حجو من لوحات "مسرح الشوك". 

جمع ذلك الفنان القدير النصوص كاملة من عمر حجو، وقام بانتقاء أجرأ اللوحات وأكثرها صمودا للزمان. دعا المخرج عددا من خيرة الممثلين المحترفين الشباب وبدأ بإجراء أوائل البروفات معهم استعدادا للقيام بجولة في المحافظات الشرقية من سوريا في ربيع عام 2012. 

حاليا، صارت الرقابة أشد بمسافة مما سبق، والمسلسلات التي تخطت الخط الأحمر جوبهت بإجراءات عقابية صارمة لمخالفات إدارية بسيطة، هذا إذا تم تصويرها أصلا داخل البلاد

لم يمر أكثر من بروفتين أو ثلاث بروفات على أبعد تقدير حتى جاءني مخرج العرض المرتقب ليصارحني بما لم يخطر على بالي أو باله في غمرة حماستنا لإحياء نمط مسرحي اعتبر بالغ الجرأة في مطلع السبعينيات. قال لي إن الممثلين وهو معهم سرعان ما شعروا عند محاولتهم تجسيد اللوحات الناقدة أنها أقل جرأة بكثير مما يتم تداوله على "فيسبوك" ووسائل التواصل الاجتماعي من نقد، بل إن التجاوزات التي تصدت اللوحات لنقدها هي أقل بما لا يوصف مما يشكو منه الناس في الزمان الراهن ويعربون عن نقمتهم إزاءه في مظاهراتهم واحتجاجاتهم.

هل صارت حرية التعبير الأدبي والفني أفضل حالا مع تطور أحداث "الربيع العربي"؟ أم أن سلطة الرقابة صارت أكثر تشددا وانغلاقا؟ لا شك أن الأمور في القرن الحادي والعشرين كانت تسير بشكل حثيث نحو الانفتاح على المستوى العربي، والدليل على ذلك بعض المسلسلات التلفزيونية السورية بالغة الجرأة التي ظهرت وبثت من محطات فضائية عديدة في دول الخليج العربية وشمالي أفريقيا، مثل "رسائل الحب والحرب" و"قلم حمرة"، والتي لم يكن ممكنا أن تظهر في الثلث الأخير من القرن العشرين بحال من الأحوال. 

انتقدت عدة مسلسلات بصورة صريحة تعسف أجهزة الاستخبارات وإجراءاتها الاعتباطية النابعة من مزاج بعض ضباطها الدموي العنيف، مثل "الولادة من الخاصرة" و"دقيقة صمت". 

حاليا، صارت الرقابة أشد بمسافة مما سبق، والمسلسلات التي تخطت الخط الأحمر جوبهت بإجراءات عقابية صارمة لمخالفات إدارية بسيطة، هذا إذا تم تصويرها أصلا داخل البلاد ومهرت بموافقات رسمية، في حين أن بعضها الآخر أنتج في الخارج.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.