Lebanese anti-government protesters carry a large national flag and placards during a demonstration near the presidential…
متظاهر ضد الحكومة اللبنانية يرفع لافتة تصفها بحكومة أقنعة

على اختلاف مسارات تطورها خلال العقدين الماضيين، فإن التعثر الشديد للأحوال السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية لبلدان منطقتنا، يعود بجزء واضح منه إلى طبيعة وهوية وخيارات "النُخب القوية" الفاعلة في هذه الدول.

من تونس إلى سوريا، ومن إيران إلى لبنان، مرورا بالعراق ومصر وغيرها الكثير من الدول، ثمة نمط من هذه "النخب العُليا" التي تُدير وتتحكم بهذه البلدان، يُمكن تأطيرها بعدد واضح من الملامح والسمات، تتحمل مسؤولية واضحة عن الخراب العمومي في هذه البلدان، أو الجزء الأكبر من هذه الفظاعات، التي ما كان أن تكون بكل هذا السوء، لولا سمات وتوجهات وسلوكيات هذه الطبقة، وأشكال علاقتها مع مجتمعاتنا المحلية.

تتوزع هذه الطبقة على مختلف مستويات الشأن العام في هذه البلدان، من مؤسسات الإدارة وأجهزة الأمن والسياسة وسلطة القرار العُليا، مرورا بشبكات رجال الأعمال والمتنفذين، وليس انتهاء بأصحاب ومدراء مؤسسات المجتمع المدني، وحتى القوى السياسية المعارضة، وإن بدرجات مختلفة.

ثمة مساحة مشتركة بالغة الوضوح بين مختلف هذه الأصناف من "الأقوياء الجدد"، لكن ثلاثة منها تشكل الملمح الأكثر جلاء لهويتها وتأثيراتها.

كانت العلاقة بين السباهية والمجتمعات المحلية شديدة التركيب، متخمة بكل أنماط القسوة والكراهية والاغتراب

فهي أولا نُخبة نهب عام شديدة النهم، لا حدود لتطلعاتها المالية/المادية. ليس جمع ومراكمة المال بالنسبة لها مجرد فساد أو سمة ثانوية، بل يكاد أن يكون الجوهر الأساسي المصمم لوعيها الباطن. فالثروة الشخصية، وفقط الكثير من الثروة الشخصية، بالنسبة لها هو المصدر الأولي، وربما المطلق، لنيل الطمأنينة والمعنى، لتحديد تراتبية الأوليات وشكل العلاقات ونمط الحياة وعالم القيم.

لأجل ذلك بالضبط، فإن ما تراكمه هذه النُخب من ثروات، إنما تكون خالية أو فقيرة ما يتطلب ويُفترض أن يرافقها من نزعات إنسانية عادة، وحسبما كانت حركة التاريخ منذ عصر النهضة وحتى الآن، حيث شكلت مراكمة الثروة بالنسبة للطبقات الميسورة أداة وديناميكية لتغيير جوهري في وعيها وتطلعاتها، ومنها نبعت القيّم المدنية والثقافية الحداثوية، إلى جانب المناداة بالمساواة وحقوق النساء وتطلع البشر للحريات العامة والسياسية... إلخ.

لكن في حالات هذه النخب، فإن مراكمة المال، على الأقل طوال العقدين الماضيين، كانت مصدرا فظيعا للغرور والترف المسطح وصناعة الكراهية والفوقية الاجتماعية القاسية، وفقط كذلك. إذ ليس من أمثلة كثيرة عن ميسورين في منطقتنا، استخدموا ثرواتهم لغير رفاهيتهم الذاتية البدائية، ليس من نماذج تذكر استخدموا أموال النهب العام الذي راكموه لقضايا ذات مضمون وقيمة.

كذلك فإنها نُخب على ازدراء شديد للأيديولوجيات، أياً كانت، ومعها الأفكار الكبرى والتطلعات السامية والنزعات الروحية. بمنعى ما، فإنها طبقة اجتماعية تتشابه بوعيها ما يمكن تسميته بـ"وعي موظفي الأمم المتحدة". إذ تتصرف وتعيش هذه النخب ببرود وجداني ورؤية حسابية ميكانيكية مع القضايا والمسائل المطروحة في محيطها، حتى أكثرها حميمية ومسا بالذات الآدمية.

فهذه النخب تكاد أن تعبد الاستقرار، الذي منحها كل أشكال التفوق والهيمنة على القواعد الاجتماعية، الاستقرار الذي شكل مصدر القوة والثروة بالنسبة لها. لذا، فإنها تتمركز حول نمط من التفكير الذي يعتبر كل نزعة فكرية أو روحية كبرى تقويضا لهذا الاستقرار، وبالتالي تحطيما لمصالحها ومصادر قوتها المستندة إلى الاستقرار.

كانت نُخب الحكم السلطوية قد أمنت عائلاتها في بلدان استقرار بديلة عن بلدانها، وصارت تؤمن بالحياة في تلك البلدان البديلة أكثر مما تؤمن وتوالي العيش في بلدانها

في سوريا والعراق، وطبعا في البلدان الأخرى بدرجات متفاوتة، يمكن العثور على آلاف النماذج من أعضاء هذه النخبة، من الذين لا يملكون أي موقف أخلاقي أو روحي من قتل نظامي هذين البلديين لملايين المواطنين من أبناء بلدهم، بكل ما في ذلك من رُعب وقسوة وجلافة!

إلى جانب هذين الأمرين، فإن هذه النخبة شديدة الغربة عن مجتمعاتها المحلية، لا تعرفها ولا تشعر بالانتماء لها، وطبعا قليلة الود والولاء لها، وغالبا فوقية الرؤية والفهم لسلوكيات وقيم ونمط حياة هذه المجتمعات المحلية.

ليس الأمر مجرد فروق طبقية وثقافية بين هذه النخب القوية والمجتمعات المحلية، بل يتعداه لأن يكون فرقا جغرافيا بالأساس. فالغالبية العظمى من أعضاء هذه النخب ذات استقرار حياتي وعائلي ومالي واجتماعي في الدول الأخرى، بالذات في الدول الأوروبية، حيث يملكون شبكة أمان اجتماعية وعائلية كاملة في واحدة من تلك البلدان، بما في ذلك الأملاك والعقارية والجنسيات الوطنية في واحدة من تلك البلدان، وبذا لا يعتبرون "بلدانهم" ومجتمعاتها ذاتا وفضاء مطلقا، بل مجرد مكان يمكنهم من خلالها تحقيق تطلعاتهم السلطوية ومراكمة ثرواتهم، دون أي حس بالمسؤولية أو خشية من المحاسبة المجتمعية، طالما ثمة "وطن بديل" على الدوام، حيث تستقر عائلاتهم ويملكون جنسية أخرى وحسابات مصرفية.

فهذه النخب لا تشبه حتى الزعمات المحلية التقليدية، بما في ذلك الإقطاعيين القساة أو قادة المحاور في الحروب الأهلية، الذين، وبالرغم من كل شيء، كان ثمة وشائج ما تربطهم بمجتمعاتهم المحلية، على الأقل في نمط العيش ومنظومة القيم وشبكة العلاقة، وأولا لأن تلك الأماكن والمجتمعات كانت جُغرافيتهم الوحيدة والمطلقة.

كانت التجربة العراقية منذ العام 2003 الأكثر قسوة في ذلك الاتجاه، حيث اقتحمت نخبة "عراقية" خارجية الفضاء العراقي الداخلي، وهيمنت على مقدرات ذلك البلد ومجتمعه، دون أية روابط واضحة لها مع المجتمع العراقي وتفاصيل حياته وأوجاعه اليومية، الذي كان بالنسبة لها مجرد ساحة للسلطة والنهب العام. فجميع أعضاء مجتمع الحاكمين العراقيين، بما في ذلك المسؤولين من الدرجة الثانية، أتوا من الفضاء الاغترابي، لكن وحدهم دون عائلاتهم، ودون أن يستغنوا عن شبكة استقرارهم ومصالحهم وأماكن عيش عائلاتهم ونمط عيشهم وتفاعلهم في تلك "المغتربات"، التي كانت بالنسبة لهم أوطانا، أكثر مما كان العراق بكثير.

مثل العراقيين، كانت قوى المعارضة السورية، ومثلهما نخب الهيمنة التونسية والمصرية والليبية التي تدفقت بعد أحداث الربيع العربي. وطبعا كانت نُخب الحكم السلطوية قد فعلت ذلك مرارا طوال العقدين الماضيين، حيث أمنت عائلاتها في بلدان استقرار بديلة عن بلدانها، وصارت تؤمن بالحياة في تلك البلدان البديلة أكثر مما تؤمن وتوالي العيش في بلدانها.

♦♦♦

طوال التاريخ العثماني المديد، كان نمط الحُكم العثماني قدد تردد بين شكلين من الحُكم: المركزية الشديدة، التي كانت تُجلب كل أشكال الهشاشة والفساد وتقض الحيوية وقابلية التطور الذاتي، في إمبراطورية مترامية الأطراف. واللامركزية، التي كانت تشجع على التمرد المحلي على الإمبراطورية، وبالتالي إمكانية تصاعد الصراعات الداخلية.

بين الأمرين، كان العقلية السلطوية العثمانية قد رأت في نمط الحُكم عبر "فرسان السباهية" الأداة الأكثر نجاعة.

السباهية كانوا ضباطا سابقين في الجيش العثماني، بالذات من قادة الفرق المتمركزة في المناطق الداخلية من الإمبراطورية. حيث بعد انتهاء خدمتهم العسكرية، كانت السلطة المركزية العثمانية تمنحهم إقطاعات محلية كبيرة "تيمارات"، ليصبحوا هُم حكامها وملاكها المحليين، طوال حياتهم، لتستعيدها الدولة فيما بعد. كانوا يُمنحون ذلك، شريطة أن يزودوا الجيش المركزي بأعداد متفق عليها من الجنود، من أبناء تلك المجتمعات، وأن يجمعوا الضرائب والمؤن الغذائية للجيش، على أن يحصلوا على جزء مما يحصلونه من العامة، كان يشكل مصدرا كبيرا لثرواتهم على الدوام.

ثمة الكثير من الملامح السباهية في نمط نخبة الأقوياء الحاليين في مختلف بلداننا

كانت العلاقة بين السباهية والمجتمعات المحلية شديدة التركيب، متخمة بكل أنماط القسوة والكراهية والاغتراب. فالسباهية في المحصلة كانوا أناس غريبين عن هذه المجتمعات، يعيشون بفوقية وسلطوية في تلك الأماكن، ولفترات مؤقتة فحسب، يعودون بعدها إلى بلدانهم الأصلية، لذا لم يكن ثمة روابط ثقافية أو عائلية أو مناطقية بينهم وبين تلك المجتمعات، وطبعا ينهبون جزء وفيرا من منتجات وجهود أبناء تلك المجتمعات، دون حس مشترك بالوئام والتضامن الداخلي/المحلي.

لكن الأهم في المسألة، كان استحالة خلق مساحة مشتركة بين الطرفين، وبالتالية أية قضية عامة. فالعلاقة كانت أشبه بعلاقة الأقنان والعبيد بسادة الأرض في القرون الأوروبية الوسطى، وإن كانت مغلفة بخطاب خادع من الأخوة الدينية والولاء الجمعي للدولة العلية. فالتاريخ العثماني شهد الكثير من أشكال التمردات الداخلية، التي قامت على أساس العصبيات الطائفية أو الدينية أو القومية أو المناطقية أو حتى العشائرية على السلطة المركزية، بما في ذلك تمرد بعض الولاة المعينين من قبلها، لكنها لم تشهد ولو تمردا يتيما لواحد من نخبة السباهية.

كان ذلك يعود لأمرين مركبين، يتعلق الأول بنمط الوعي والتربية العسكرية الموالية للسلطة والاستقرار التي تربى عليها هؤلاء السباهيون، والتي كانت تؤمن لهم فرادة في رغد العيش والتمايز الاجتماعي. والآخر لشكل الغربة الرهيبة التي بينهم وبين المجتمعات المحلية التي حكموها.

♦♦♦

ثمة الكثير من الملامح السباهية في نمط نخبة الأقوياء الحاليين في مختلف بلداننا. حتى يعتقد المرء بأن هذه النخب إنما هي فقط نمط مُحدث ومغلف من رجالات السباهية، بهوياتهم الذاتية وروابطهم مع مجتمعاتهم المحلية. ربما لأن شكل الدولة/السلطة في بلدانا، ليست إلا تحديثا، مزيفا وخائبا، عن الحكم السلطاني العثماني الذي كان؛ حيث القوة، وفقط القوة، هي جوهر العلاقة بين السلطة الحاكمة ونخبة الأقوياء من طرف، والمجتمعات المحكومة من طرف آخر.

ترافق هذا الصعود لنمط النخب السباهية مع تغيرات جوهرية أصابت نمط سلم الصعود الاجتماعي والسياسي في بلداننا

لكن الملامح السباهية في "النخبة القوية" الراهنة في بلداننا تصاعدت خلال العقدين الماضيين، لأسباب كثيرة. تتعلق أولا بالمزيد من القنوط وفقدان الأمل بأي مستقبل "مشرق" ذو مضمون للأحوال العامة في هذه البلدان. وهي ديناميكية تدفع أعدادا وفيرة من الفاعلين إلى التطلع للخلاص الفردي، وبذلك الجموح لخلق حياة آمنة ومستقرة بديلة عما لا يمكن أن يكون ذو أفق وديمومة في بلدانها.

كذلك لأن المسافات بين الجغرافيات العالمية قد تحطمت. فشروط التواصل والسفر والإدارة صارت سهلة للغاية، وبذا يمكن لشخص ما أن يكون فاعلا في أكثر من منطقة من العالم، هو وعائلته. وفر وسهل هذا الشرط إمكانية رهيبة لهذه النخب لأن تعيش وتفعل في مكانيين في آن واحد، في دول وجغرافيات الاستقرار البعيدة، حيث مصالحها وثرواتها وتأمين حياة عائلته، وفي "بلده" الأصلي، مصدر ثرائه وسلطته.

أخيرا، ترافق هذا الصعود لنمط النخب السباهية مع تغيرات جوهرية أصابت نمط سلم الصعود الاجتماعي والسياسي في بلداننا. إذ صار الارتباط بالكل العالمي، بالذات بالقوى العالمية المركزية النافذة، بلغاتها ومؤسساتها وشبكة نشاطها وديناميكيات حيويتها، هي التي تساعد الأفراد على التحول إلى نُخب حكم وسيطرة قوية، ولم يعد الارتباط والتعبير عن تطلعات القواعد الاجتماعية تفعل ذلك، مثلما كانت أحوال النخبة الإقطاعية/البرجوازية أو حتى النقابية والزعمات المحلية والمناطقية من قبل.

هل من تعبير فيزيائي/مادي مرئي ومباشر ومعبر عن كل ذلك؟

نعم، إنها "الأحياء المرفهة" في كافة عواصم ومدن منطقتنا، المغلقة وشديدة الحراسة، الفوقية والخائفة والمحترسة والمغتربة والمتحدثة بلغات ولهجات غير محلية، وأولا الحاكمة لكل ما يحيط بها من مجتمعات، وبلدان. بالضبط كما كان فرسان السباهية يعيشون في مراكز خاصة بهم، خارج المدن والبلدات، وحتى القرى، التي كانوا يحكمونها.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.