US deaf-blind political activist Helen Keller meets Egyptian blind writer Taha Hussein on April 25, 1952 in Cairo. (Photo by - …
لقاء بين طه حسين والأديبة الناشطة الأميركية هيلين كيلر

يقدّم كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" صورة عن الواقع الثقافي وحالة القضاء في مصر قبل قرن من الآن، كما يكشف حجم التراجع الذي شهده المجتمع المصري منذ ذلك الوقت، ورغم أن الغرض من الكتاب هو إثبات أن "الشعر الجاهلي" قد كتب بعد الإسلام وليس قبله، ولكنه تضمّن في سياقه كثيرا من الأفكار الجريئة، واستعراضها بشيء من التفصيل يوضّح مناخ الانفتاح الفكري الذي كانت تعيشه مصر في تلك الأيام.

فقد استهل طه حسين كتابه بالدعوة إلى مناقشة كافة المواضيع بعقل منفتح، حيث أشار إلى أن "من يرددون ما أجمع عليه العلماء طريقهم سهل فقد أغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه"... ويضيف "أما أنصار الجديد فأمامهم عقبات لا تحصى... فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة ومن القلق رضا، وسواء عندهم إن وافقوا القدماء أو خالفوهم، رغم أنهم قد ينتهوا إلى الشك في أشياء لم يكن الشك فيها مباحا، وربما أنا أحب الحياة الهادئة المطمئنة ولكني مع ذلك أحب أن أفكّر وأبحث وأعلن للناس ما انتهى إليه بحثي، وآخذ نصيبي من رضا الناس أو سخطهم حين أعلن عليهم ما يحبّون أو يكرهون".

ويؤكد حسين أنه توصل إلى أن "الأغلبية المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليس من الجاهلية في شيء وإنما تم انتحاله بعد الإسلام"، ورأى أن "الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو الأعشى وغيرهما لا يمكن أن يكون لهؤلاء الشعراء من الناحية اللغوية والفنية ولا أن يكون قد قيل قبل القرآن".

ولفت إلى أنه حاول "أن أصطنع في الأدب المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت وهو أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، بحيث يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن، لذلك يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وديننا، وألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا لمناهج البحث العلمي".

الأفكار التي طرحها طه حسين قبل قرن في كتاب علني مطبوع وموزّع على المكتبات لم يعد من السهل الاقتراب منها اليوم

ويقول حسين: "ولنجتهد غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه، ولا وجلين إذا انتهى بنا البحث إلى ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية، وسنبقى في النهاية أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه، فمنهج ديكارت ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب بل في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا، وإني لا أبالغ حين أطلب من الذين لا يستطيعون أن يبرؤوا من القديم وأغلال العواطف والأهواء ألا يقرؤوا هذه الفصول فقراءتهم لن تفيدهم إذا لم يكونوا أحرارا حقا".

وتابع ضمن المنهج الذي اعتمده في بحثه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أبضا، لكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات قصة هجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة، ونحن مضطرون أن نرى أن هذه القصة نوع من الحيلة لإيجاد صلة بين اليهود والعرب والإسلام واليهودية وبين التوراة والقرآن"، ويكمل "وبما أن الصلة واضحة بين القرآن والتوراة والأناجيل لاشتراكهم في الموضوع والصورة والغرض، فقد أتت قصة القرابة في النسب بين العدنانية واليهود لتدعم هذا التشابه الديني"، ولذلك أيدت قريش "أسطورة أن تكون الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم".

كما قال إن العوامل الدينية لعبت دورا في اختراع الشعر الجاهلي خصوصا تلك التي تتحدث عن "إثبات صحة النبوة وصدق النبي، وتتضمّن كل ما يروى من هذا الشعر في الجاهلية ممهّدا لبعثة النبي وما يتصل بها من أخبار وأساطير تقول بأن علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو مكة".

ومن ضمنها "ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وبنو هاشم صفوة قريش وقريش صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية جميعها، وأخذ القصّاص يجتهدون في هذا النوع من تنقية ما يتصل بأسرة النبي خاصة، فيضيفون إلى عبد الله وعبد المطلب وهاشم من الأخبار ما يرفع شأنهم ويثبت تفوقهم على قومهم وبقية العرب".

"كما أراد المسلمون أن يثبتوا أن الإسلام قديم في بلاد العرب قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الإسلام هي التي أوحى بها الله إلى الأنبياء من قبل، فالقرآن يجادل اليهود والنصارى في كتبهم ويذكر غير التوراة والإنجيل صحف إبراهيم ويذكر دينا آخر هو ملّة إبراهيم وهي هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبيّن معناها الصحيح، وأخذ المسلمون يرجعون الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى".

واختتم طه حسين كتابه: "قد يشعر البعض بأننا نتعمد الهدم ويتخوفون من عواقبه على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الذي يتصل به خاصة، ونقول لهؤلاء إن الشك لا ضرر منه وهو مصدر اليقين لأن هذا الأدب يجب أن يقوم على أساس متين، وخير له أن يتحرر من هذه الأثقال التي تضر ولا تنفع".

بعد نشر الكتاب أرسل شيخ الأزهر تقريرا رفعه مجموعة علماء من الأزهر للنائب العام اتهم فيه طه حسين بأنه كذّب بكتابه القرآن صراحة، وطعن فيه على النبي وعلى نسبه الشريف، وأتى فيه بما يخلّ بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى، وطالب باتخاذ الإجراءات المناسبة ضد الطعن على دين الدولة الرسمي وتقديمه للمحاكمة، فردّ محمد نور رئيس نيابة مصر على من تقدّموا بالشكوى: "من حيث أن العبارات التي يقول المبلّغون أن فيها طعنا في الدين فقد أتت في سياق الكلام عن موضوعات تتعلق بالغرض الذي تم تأليف الكتاب من أجله، ولا يجوز انتزاعها وتقديمها منفصلة، ولا بد من مناقشتها في السياق الذي وردت فيه لمعرفة قصد المؤلف وتقدير مسؤوليته".

ثم قسّم تلك الشكوى إلى أربع بنود: 

  • تكذيب القرآن في قصة إبراهيم وإسماعيل
  • والتشكيك في أن القراءات السبع للقرآن منزلة من عند الله كما يقول رجال الدين، بينما أرجعها الكاتب لاختلاف اللهجات بين العرب
  • والتعرّض لنسب النبي وادعاء أن هناك من حاول تعظيم شأنه
  • وإنكار أولوية الإسلام في بلاد العرب.

ثم استفاض القاضي محمد نور في ملحق قرار النيابة في مناقشة هذه المواضيع كلّا على حده، وتحاور حولها مع طه حسين فاختلف معه في رؤيته لعلاقة إسماعيل وإبراهيم بمكة، ولم يعترض على رؤيته للقراءات السبع للقرآن، كما لم يعترض على قوله بمحاولات الرواة تعظيم نسب النبي وأولوية الإسلام في بلاد العرب ولكنه اعتبرها بغض النظر عن صحّتها تتضمن تهكّما غير لائق.

لو دارت محاكمة كتاب "في الشعر الجاهلي" مع ما رافقها من حوارات اليوم، لما كان القضاء المصري ليكتفي بسجن طه حسين بل كان سيضع إلى جانبه سجينا آخر هو رئيس النيابة محمد نور نفسه

وخلص إلى الحكم التالي: "النظام الدستوري للدولة المصرية ينصّ على أن حرية الاعتقاد مطلقة ويكفلها القانون، أما حول المادة 139 التي تنص على عقوبة من يعتدي على أحد الأديان فيجب توفّر القصد الجنائي، والكاتب وإن كان قد أخطأ فيما كتب، إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء والخطأ المصحوب بنية التعدّي شيء آخر، ومما تقدّم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسّة بالدين التي أوردها في بعض المواضع إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وبذلك فإن القصد الجنائي غير متوفر وتحفظ الأوراق إداريا".

هكذا تم التعامل قبل أكثر من تسعة عقود مع كتاب يشكك في بعض ما يعتبره شيوخ الأزهر من ثوابت الدين، ورغم أن العالم قد تطور كثيرا منذ ذلك الوقت بحيث أصبحت حرية الاعتقاد إحدى الركائز الأساسية لحقوق الإنسان ورغم صدور تشريعات وقوانين دولية لحمايتها، لكن ذلك لم يشمل المنطقة العربية التي شهدت تراجعا في مجال الحريّات، فالأفكار التي طرحها طه حسين قبل قرن في كتاب علني مطبوع وموزّع على المكتبات لم يعد من السهل الاقتراب منها اليوم.

ومع تراجع مناخ الحرية تدهورت الحياة الثقافية في مصر وأصبح من الصعب أن يأتي كتّاب وأدباء بمستوى القامات الكبيرة التي أثرت الحياة الفكرية في النصف الأول من القرن العشرين، وهيمن على الأزهر نهج اتباعي تقليدي ولم يشهد طوال قرن كامل بروز رجال مستقلين أو مجددين أو تنويريين، لكن الانتكاسة الكبرى كانت تلك التي شهدها القضاء المصري الذي فقد استقلاليته وانحدر مستواه بشكل غير مسبوق، وأصبح ساحة يصول ويجول فيها المتشددون الغاضبون، بحيث لو دارت محاكمة كتاب "في الشعر الجاهلي" مع ما رافقها من حوارات اليوم، لما كان القضاء المصري ليكتفي بسجن طه حسين بل كان سيضع إلى جانبه سجينا آخر هو رئيس النيابة محمد نور نفسه.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.