A Muslim religious scholar prays at the Jummah Masjid Mosque during the Islamic Holy month of Ramadan in Colombo on May 4, 2020…
لا تمييز في الأوساط الفكرية الإسلامية المعاصرة بين تاريخ وقائعي، قبوله بالعقل، وتاريخ ديني، قبوله بالإيمان

منصات التواصل الاجتماعي ساحة افتراضية عامة مفتوحة، غير خاضعة للتدقيق، ولكنها كذلك أقل عرضة للتضييق. تشهد ظاهرة تنضوي على الإيجابية والسلبية في بروز حوار، بالمعنى الصادق للكلمة، بين مفكرين مختلفين في توجهاتهم وقناعاتهم، حول مسائل تبقى على الغالب من المحرّمات أو المحظورات في الفضاء الحقيقي العام. هي مسائل متعلقة بالدين، الإسلام تحديدا، أصوله وأسسه وأحكامه، وما يرتبط به من تصوّر للتاريخ واللغة.

الإيجابية هي أنه لدى أعداد متزايدة من المفكرين المسلمين، من المتشددين، مثل أياد قنيبي باستشهاداته السلفية، والأزهري عبد الله رشدي بطاقته الجدلية، إلى الأكثر استعدادا للاستماع إلى كافة الآراء، مثل أحمد سامي ورحلاته في عقول المفكرين، لم يعد الموقف الجدلي قائما على الجرح والطعن والتهديد، بل أصبح ينتهج عمدا وصراحة منطق الحجة والبرهان، سعيا لكسب المشاهد أو المستمع وإقناعه.

أما السلبية، فهي أن الوسيطة المعتمدة، أي منصات التواصل الاجتماعي، رغم النضوج النسبي الذي يبديه الجمهور المتابع، تدفع باتجاه التقوقع، حيث من يتابع القراءات النقدية هم الميالون إليها ابتداءً، ومن يستمع إلى الدفاع الإسلامي هم المتدينون الموافقون على غرض الدفاع قبل الاستماع إليه، ما يحرم الطروحات والطروحات المضادة من الزخم النقدي الكفيل باختبارها وتشذيبها.

ليس أن مواقف نقد الدين ونقضه والدفاع عنه تفتقد السوابق، فالقرن الماضي قد شهد تواليا من الصنفين الإصلاحي والإسقاطي، وما يقابلهما من التصدي على مدى عقوده، سواء كان باندفاع داخلي ذاتي، من علي عبد الرازق وطه حسين إلى عبد الله القصيمي وصادق جلال العظم ومصطفى جحا وغيرهم، أو جاء بجهود متابعين للموروث الإسلامي من خارجه، كما كان حال مدرسة لندن في سبعينيات القرن الماضي، والتي حاول من خلالها جون وانسبرو، ثم پاتريشيا كرون ومايكل كوك وغيرهم، الاستعانة بنصوص ووثائق غير عربية تشهد على نشأة الإسلام من منظور يستدعي مراجعة المسلمات السائدة.

ما لا يصحّ للجميع، مؤمنين ودعاة فكر حر، هو إهمال الحوار النقدي، وترك المجال للقطعيين والإطلاقيين والاستفزازيين والشتامين

الجديد اليوم هو في أن المادة بأكملها، النقد والنقد المضاد وما يسندها من نصوص وبحوث، أصبحت بمتناول الجمهور العريض، حيث لا قدرة للسلطات على شطبها، ولا مصلحة لمن يعارض المضمون السلبي بتجاهله. والحصيلة هي نتاج فكري كبير يعكس الانشغال الواسع في المحيط العربي بالشأن الديني، ويتراوح في مضمونه، هجوما ودفاعا، من التسطيح والمشاغبة والاعتذاريات، مرورا بالاجتهادات الإصلاحية تحت سقف التسليم بالنص القرآني، والدعوات المفنّدة للإسلام من منظور تبشيري مسيحي (دون أن ينفي الجانب التبشيري أهمية المضمون النقدي للفكر والتاريخ، كما في جهود رشيد الحمامي)، وصولا إلى إعادة الاعتبار غير المقيّدة، والتي تسعى إلى محاكاة المراجعات الناقدة للنصوص والمصادر، والتي شهدها الموروث المسيحي في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وقد يكون أبرز صوتين في هذا التوجه النقدي الحر حامد عبد الصمد، الأستاذ الجامعي المصري الأصل والمقيم في ألمانيا، ومحمد المسيّح، الباحث المغربي المتخصص بعلم المخطوطات، وهما وريثان مباشران لمعهد "إنارة"، والذي جمع ثمار المدرسة الألمانية المفكِكة للتاريخ الإسلامي المبكر، والحاضنة لنظرية كريستوف لوكسنبرغ حول الأصول السريانية للنص القرآني.

و "إنارة" بدورها، وهي اليوم معهد مستقل، يمكن ربطها فكريا بمدرسة لندن، وبالمنهجية التي اعتمدتها پاتريشيا كرون، ومعها زميلها مايكل كوك، قبل أربعين سنة.

ذلك أن "المغامرة" الأبرز التي أقدمت عليها كرون عام 1980 في كتابها "الهاجرية Hagarism" كانت في تركيب رواية بديلة عن السردية المتعارف عليها بشأن نشأة الإسلام، والتي كان المسلمون والمستشرقون على شبه إجماع حول جلّ تفاصيلها، والقائلة بأن الإسلام هو الدعوة التي ابتدأها الرسول محمد، وحمل رايتها خلفاؤه الراشدون فالأمويون ثم العباسيون.

ما طرحته كرون هو صيغة بديلة لدعوة ابتدأت متماهية مع اليهودية في زمنها، كان فتح بيت المقدس من صلب إيمانها، ولم تظهر أخبار شخصياتها الأولى ولم تكتسب شكلها الإسلامي المستقل إلا مع انقضاء أيام الأمويين وظهور الدولة العباسية.

واسم الكتاب نسبة إلى هاجر، جارية سارة والنبي إبراهيم في الرواية الكتابية، ووالدة ابنه البكر إسماعيل، الجد المفترض للعرب العدنانيين. أي أن ما أصبح جماعة المسلمين في مرحلة تالية، وفق طرح "الهاجرية"، ابتدأ استلحاقا بالقصة اليهودية، والتي تفيد بأن سارة، والتي كانت قد بلغت سن اليأس، كانت قد وهبت هاجر جاريتها اليافعة لزوجها إبراهيم، وهو الشيخ المسنّ، لتنجب له البنين، فولد إسماعيل. والمرويات اليهودية تفصّل هذه القصة، لتظهر سارة تزداد غيرة وغيظا من هاجر وابنها، فتعمد إلى تشويه الجارية بقطع أنفها وغير ذلك من الشناعات. ثم أن الرب أتاح لسارة المسنّة نفسها أن تنجب، فولد لإبراهيم منها إسحق، فكان لزاما التخلص من الجارية وابنها.

ما لا بد من التشديد عليه هنا هو أن هذه الرواية، وإن اعتمدتها الديانتين الكتابيتين، اليهودية والمسيحية، ثم عاد إليها المفسرون والأخباريون المسلمون مع التخلي عن بعض أوجهها القبيحة وفق حساسية زمانهم، ليست جزءا من التاريخ الوقائعي، جملة وتفصيلا.

المقصود بالتاريخ الوقائعي هنا هو سجل الأحداث والوقائع والذي يمكن استشفافه استقرائيا من كامل المادة الوثائقية، أي النصوص بالعودة إلى المخطوطات المعاصرة لكل حدث أو المتسلسلة بالسند للاقتراب منه، بالإضافة إلى النصب والآثار وما تكشف عنه الحفريات، ووسائل أخرى مستحدثة لا تعتمد على الرواية وحسب (بما في ذلك اللسانيات والعلوم الطبيعية والتقنيات).

فالنبي إبراهيم، ومعه جميع أنبياء أسفار الكتاب المقدس، هو دون شك جزء من التاريخ الديني، اليهودي والمسيحي والإسلامي. ومن حق المؤمن بهذه الأديان الركون إلى الرواية الدينية كأصل للمعرفة، بل ربما جعلها الأصل الأول للمعرفة.

على أن ركونه هذا لا ينفي أن السجل الوقائعي بتمامه وكماله خالٍ من أية إشارة معاصرة أو قريبة زمنيا لإبراهيم وغيره، بل ثمة صمت، والأصح غياب، في السجل التاريخي الوقائعي على مدى القرون العديدة المفترضة التي تفصل إبراهيم وسيرته الراسخة في القناعات الدينية، عن أولى الإشارات إليه في القرنين ونيف السابقين لنشأة المسيحية واليهودية بشكلها الحالي قبل ألفي عام.

يوم أصدرت كرون مع كوك "الهاجرية"، قدّما للعمل بتنبيه إلى قبوله بالضعيف في مواجهة الضعيف بحثا عن الحسن والصحيح. هذا التنبيه يبدو غائبا في أصداء "الهاجرية" اليوم

كرون كانت باحثة متخصصة بالإسلاميات، ولم تكن معنية بالمراجعة التاريخية العميقة للكتاب المقدس، ولا بتفنيد نشأة الديانتين المسيحية واليهودية. محاولتها كانت وحسب ربط نشأة الإسلام باليهودية كما كانت عليه في القرن السابع الميلادي.

وهذا الربط لم يكن جديدا، بل كان قد تكرر، بشكل إشارات وفرضيات من بعض كبار المستشرقين، كما بشكل طروحات جامعة قاطعة من قلة منهم باندفاعات أقرب إلى الأهوائية أو العقائدية، على مدى أكثر من قرن قبل صدور "الهاجرية".

على أن جديد كرون وكوك كان في جرأة تركيب الرواية، مع استدعاء المصادر الخارجية، للانتقال بنشأة الإسلام من الحجاز إلى الشام، في إطار بحث علمي لا يسعى إلى تبطين قناعات دينية وفكرية طاعنة بالإسلام، ولكنه لا يسلّم تلقائيا بوقائعية التاريخ الديني، وإن اقتصر هذا الامتناع بحكم الموضوع على مرحلة نشأة الإسلام.

طبعا، لم تكن تلك قراءة العديد من المفكرين المسلمين لنتاج كرون وكوك، بل ألصقوا بالكتاب نعوت شتى، تجني، مؤامرة، أحقاد، أكاذيب، وما يشبهها.

لا تمييز في الأوساط الفكرية الإسلامية المعاصرة بين تاريخ وقائعي، قبوله بالعقل، وتاريخ ديني، قبوله بالإيمان. بل إن علماء المسلمين في مراحل ماضية كانت فيها هذه الإشكالية ظاهرة وموضع جدل، قد سعوا إلى حسم المسألة بأن أعلنوا أن النص الديني، وليس القرآني وحسب، بل المتواتر والصحيح من الحديث على أقل تقدير، موجب للتصديق اليقيني. هي مقولة معتمدة وإن ضمنا اليوم، ولكنها تقف كحاجز أمام الحوار الجدي.

واقع الحال أن كتاب كرون وكوك كان بالفعل مغامرة فكرية، جمعت روايات مهملة من الموروث النصي غير العربي، وألقت الضوء على الفجوات والعلل في السردية التاريخية المقبولة إسلاميا واستشراقيا، ولكنها لم تقدّم البديل الثقة للمستبدل الضعيف، بل استبدلت الضعيف بالضعيف. من وجهة نظر إيمانية إسلامية، هي استبدلت اليقين بالضعيف.

لم يكن كرون وكوك متشبثين بالرواية التي يقدمها كتاب "الهاجرية"، بل كانا مدركين لافتقاد هذا المجال، أي دراسة التاريخ المبكر للإسلام، إلى المقومات الكفيلة بالتوصل إلى التفكيك العلمي للسردية الشائعة وإعادة التركيب المقنعة. وفيما استمر كل منهما في محاولات مختلفة لمتابعة أسلوب "المغامرة" في اتجاهات مختلفة، أي بالتخلي عن الطروحات التي لم تجد السند المؤيد، وفي بسط الواعد مما عداها، فإن كل منهما قد أضاف كذلك بحوثا مستفيضة وهامة في الدراسات الإسلامية وفق المنهجية البحثية العلمية المتوافق عليها.

على أن مغامرتهما قد شجّعت جهودا واستولدت أخرى، إذ هي أقرّت الجدوى في المنهجية القائمة على عدم التسليم التلقائي بالسردية المعتمدة، والاستعاضة عنها برواية مركبّة من مقومات قابلة للتجانس، وإن كانت غريبة.

جديد كرون وكوك كان في جرأة تركيب الرواية، مع استدعاء المصادر الخارجية، للانتقال بنشأة الإسلام من الحجاز إلى الشام

ليس في الكتب المتتالية والتي صدرت باسم "أبو موسى الحريري" في مطلع الثمانينيات في لبنان إشارة مباشرة إلى كرون وكوك. بل أول هذه الكتب ربما قد سبق صدور "الهاجرية" (ثمة اضطراب في التاريخ المعلن للصدور). ولكن المنهجية مشتركة في التخلي عن الرواية الإسلامية والاستعاضة عنها بأخرى، هي هنا حول أصول مسيحية لدعوة محمد في شخص ورقة بن نوفل، قريب خديجة. فورقة، النصراني وقارئ الإنجيل بالعبرية، هو من زوّج خديجة ومحمد وفق المرويات، وهو من صادق على ما نزل على محمد من الوحي، دون أن يعلن إسلامه، وبوفاته "فَتُر الوحي" وفق نص الخبر.

وعلى الرغم من وضوح الغرض من هذا العمل في أسلوبه السجالي، فإنه غير قابل للإسقاط كليا. مقولة ورقة بن نوفل ليست محكمة، ولكنها، في انتقاءات "أبو موسى الحريري" ليست أقل إحكاما من الرواية الإسلامية في العديد من أوجهها.

ويمكن إدراج جهود السيد القمني في مصر بمراجعة المرحلة التأسيسية للإسلام في إطار المنهجية نفسها. الدافع هنا ليس تغليب دين على آخر، بل محاولة استخلاص قراءة للمادة الدينية قائمة على العقلانية. النتيجة هي تحليل يحاكي النص وينقده، ويسدّ فجواته بالمعقول، ويسعى إلى مجاراة القيم المعرفية المعاصرة. هو يحكم على الديني بالضعف، ويقدم المعقول على أنه يقين.

الباحثون الذين أثروا المكتبة التي جمعتها "إنارة" يتفقون على ضعف الرواية المتوافق عليها حول نشأة الإسلام، ويتفاوتون بنتاجهم الساعي إلى التصدي لهذا الضعف بين من يكتفي بتفنيد الأجزاء وتصحيحها قدر الإمكان، وبين من يحبّذ بعض البدائل الجزئية، رغم ضعفها، ويراكمها بأجزاء متقدمة بالنقد، ليبدو المجموع بدوره حاضراً للقيام مقام الرواية السائدة. ربما هذا حال قرآن لوكسنبرغ السرياني. في زعم اكتشاف المفتاح الإجمالي المفضي لما يقارب اليقين، قد يكون لوكسنبرغ قد فرّط بإمكانية الاستفادة من مقاربة، وإن ضعيفة، من شأنها إلقاء بعض الضوء على مادة هي أيضا ضعيفة.

يوم أصدرت كرون مع كوك "الهاجرية"، قدّما للعمل بتنبيه إلى قبوله بالضعيف في مواجهة الضعيف بحثا عن الحسن والصحيح. هذا التنبيه يبدو غائبا في أصداء "الهاجرية" اليوم.

يُشكر محمد المسيّح، وقبله حامد عبد الصمد، وغيرهما، على الجدّية وثراء المضمون في خوضهما هذا المجال الحرج والمطلوب لتقصي التاريخ المبكر للإسلام خارج الأبراج العاجية للمؤسسات ودور الأبحاث المستعصية.

على أنه لا بد لاكتمال الفائدة في تطوير الفكر النقدي، إذ هذا هو بيت القصيد لا الترويج لقراءة معينة للأصول، من تنبيه يبدو على الغالب غائبا، عن أن المتوفر لمعالجة ضعف المادة السائدة حول هذا التاريخ، هو بدوره ضعيف.

بل الأهم هو التشديد أن الموقف النقدي والذي لا يقبل التسليم بوقائعية الرواية غير المؤيدة لا يقتصر على أصول الإسلام، بل يشمل التاريخ برمّته، والديانات بمجموعها.

إذ يبدو المنحى الناقد للرواية الإسلامية في العديد من الأحيان وكأنه يقبل دون مساءلة بأن الرواية المسيحية أو اليهودية هي أساس يبنى عليه. هذا جائز طبعا لمن يشكك بالإسلام كدين منزل ويقبل بالأصل الإلهي لغيره. ولكن قناعته هذه تكون إيمانية، لا وقائعية.

أما في إطار الفكر النقدي المنطلق من دعائم وقائعية، فعدم التسليم بالرواية الدينية الإسلامية لا يستقيم إلا إذا استفاد من الرصيد الفكري الغربي الواسع في تفكيك رواية الكتاب المقدس بأسفاره العبرية وعهده اليوناني الجديد، وفي تبيان انعدام توافقها مع السجل الوقائعي، آثارا ووثائق. يسجّل لبعض المفكرين المسلمين الذين يتفاعلون مع هذه الطروحات خارج إطار التهويل والتشنج إشارتهم إلى أوجه ضعف عديدة فيها، ولكن سقف نقدهم المضاد محدود جدا، فهم عاجزون عن المطالبة بتطبيق الفكر النقدي التفكيكي بما يتجاوز أصول الإسلام، لأنه في هذه المطالبة تعريض إضافي لأصول الإسلام، القائم على القبول بصدق الرواية الكتابية.

الموقف النقدي والذي لا يقبل التسليم بوقائعية الرواية غير المؤيدة لا يقتصر على أصول الإسلام، بل يشمل التاريخ برمّته، والديانات بمجموعها

أي أن النقد المشكِك بالرواية الإسلامية محصّن إزاء اعتراض المفكرين المسلمين، من المطالبة بنقد مضاد للرواية المسيحية واليهودية إلا ببعض تفاصيلها.

يوم يقال للمفكر المسلم إن تاريخية رسول الإسلام موضع شك، لا يسعه أن يعترض بأن تاريخية رسل الأديان الأخرى هي كذلك موضوع شك، فهم أيضا رسل للإسلام. بل الواقع الصعب هنا بالنسبة لهذا المفكر، هو أن تاريخية هؤلاء الرسل بالفعل ليست موضع شك من وجهة نظر وقائعية، بل هي ساقطة بالكامل لغياب ما يؤيدها. لا ذكر لآدم، ولا نوح، ولا موسى، ولا داوود، ولا سليمان، ولا غيرهم من الرسل والأنبياء في مقومات التاريخ الوقائعي، من آثار وأنصاب، ولا حتى في الأخبار الباقية من الحضارات التي يفترض أن تكون قد جاورتهم، لا في الرصيد اليوناني الشاسع، ولا في السجلات الإدارية والمؤلفات المتنوعة للحضارة المصرية على غرازتها، ولا في غيرهما، بل في هذه جميعا تفاصيل وروايات متناقضة بالشكل والمضمون مع ما يقابلها في التاريخ الديني. بعد قرنين من البحث والتنقيب الذي ينسب إلى الرواية الكتابية كل ما لامس شبها لها، دون تجنٍ وبمطلق الإنصاف، الحصيلة معدومة.

يمكن للمؤمن، مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا، أن يقول إن في غياب الدلائل والقرائن الوقائعية حكمة ربانية، وأن التاريخ الديني يبقى أصلا للمعرفة، ولكنه يعجز أن يعمد إلى مجرد تجاهل الموضوع، أو إلى التعويل على الواهي الواهم من المزاعم لتشتيت المسألة.

ما لا يصحّ للجميع، مؤمنين ودعاة فكر حر، هو إهمال الحوار النقدي، وترك المجال للقطعيين والإطلاقيين والاستفزازيين والشتامين.

فما من شأن هذا الحوار أن يثيره هو إعادة نظر بأصول المعرفة، الأپيستمولوجيا، والتي تعاني من الإهمال في المحيط الفكري العربي. فتبيان الاختلاف في اعتبار هذه الأصول هو إحدى أهم السبل لإرساء ثقافة قائمة على الإقرار بتعدد الآراء والتوجهات، وعلى التواضع.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.