A Muslim religious scholar prays at the Jummah Masjid Mosque during the Islamic Holy month of Ramadan in Colombo on May 4, 2020…
لا تمييز في الأوساط الفكرية الإسلامية المعاصرة بين تاريخ وقائعي، قبوله بالعقل، وتاريخ ديني، قبوله بالإيمان

منصات التواصل الاجتماعي ساحة افتراضية عامة مفتوحة، غير خاضعة للتدقيق، ولكنها كذلك أقل عرضة للتضييق. تشهد ظاهرة تنضوي على الإيجابية والسلبية في بروز حوار، بالمعنى الصادق للكلمة، بين مفكرين مختلفين في توجهاتهم وقناعاتهم، حول مسائل تبقى على الغالب من المحرّمات أو المحظورات في الفضاء الحقيقي العام. هي مسائل متعلقة بالدين، الإسلام تحديدا، أصوله وأسسه وأحكامه، وما يرتبط به من تصوّر للتاريخ واللغة.

الإيجابية هي أنه لدى أعداد متزايدة من المفكرين المسلمين، من المتشددين، مثل أياد قنيبي باستشهاداته السلفية، والأزهري عبد الله رشدي بطاقته الجدلية، إلى الأكثر استعدادا للاستماع إلى كافة الآراء، مثل أحمد سامي ورحلاته في عقول المفكرين، لم يعد الموقف الجدلي قائما على الجرح والطعن والتهديد، بل أصبح ينتهج عمدا وصراحة منطق الحجة والبرهان، سعيا لكسب المشاهد أو المستمع وإقناعه.

أما السلبية، فهي أن الوسيطة المعتمدة، أي منصات التواصل الاجتماعي، رغم النضوج النسبي الذي يبديه الجمهور المتابع، تدفع باتجاه التقوقع، حيث من يتابع القراءات النقدية هم الميالون إليها ابتداءً، ومن يستمع إلى الدفاع الإسلامي هم المتدينون الموافقون على غرض الدفاع قبل الاستماع إليه، ما يحرم الطروحات والطروحات المضادة من الزخم النقدي الكفيل باختبارها وتشذيبها.

ليس أن مواقف نقد الدين ونقضه والدفاع عنه تفتقد السوابق، فالقرن الماضي قد شهد تواليا من الصنفين الإصلاحي والإسقاطي، وما يقابلهما من التصدي على مدى عقوده، سواء كان باندفاع داخلي ذاتي، من علي عبد الرازق وطه حسين إلى عبد الله القصيمي وصادق جلال العظم ومصطفى جحا وغيرهم، أو جاء بجهود متابعين للموروث الإسلامي من خارجه، كما كان حال مدرسة لندن في سبعينيات القرن الماضي، والتي حاول من خلالها جون وانسبرو، ثم پاتريشيا كرون ومايكل كوك وغيرهم، الاستعانة بنصوص ووثائق غير عربية تشهد على نشأة الإسلام من منظور يستدعي مراجعة المسلمات السائدة.

ما لا يصحّ للجميع، مؤمنين ودعاة فكر حر، هو إهمال الحوار النقدي، وترك المجال للقطعيين والإطلاقيين والاستفزازيين والشتامين

الجديد اليوم هو في أن المادة بأكملها، النقد والنقد المضاد وما يسندها من نصوص وبحوث، أصبحت بمتناول الجمهور العريض، حيث لا قدرة للسلطات على شطبها، ولا مصلحة لمن يعارض المضمون السلبي بتجاهله. والحصيلة هي نتاج فكري كبير يعكس الانشغال الواسع في المحيط العربي بالشأن الديني، ويتراوح في مضمونه، هجوما ودفاعا، من التسطيح والمشاغبة والاعتذاريات، مرورا بالاجتهادات الإصلاحية تحت سقف التسليم بالنص القرآني، والدعوات المفنّدة للإسلام من منظور تبشيري مسيحي (دون أن ينفي الجانب التبشيري أهمية المضمون النقدي للفكر والتاريخ، كما في جهود رشيد الحمامي)، وصولا إلى إعادة الاعتبار غير المقيّدة، والتي تسعى إلى محاكاة المراجعات الناقدة للنصوص والمصادر، والتي شهدها الموروث المسيحي في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وقد يكون أبرز صوتين في هذا التوجه النقدي الحر حامد عبد الصمد، الأستاذ الجامعي المصري الأصل والمقيم في ألمانيا، ومحمد المسيّح، الباحث المغربي المتخصص بعلم المخطوطات، وهما وريثان مباشران لمعهد "إنارة"، والذي جمع ثمار المدرسة الألمانية المفكِكة للتاريخ الإسلامي المبكر، والحاضنة لنظرية كريستوف لوكسنبرغ حول الأصول السريانية للنص القرآني.

و "إنارة" بدورها، وهي اليوم معهد مستقل، يمكن ربطها فكريا بمدرسة لندن، وبالمنهجية التي اعتمدتها پاتريشيا كرون، ومعها زميلها مايكل كوك، قبل أربعين سنة.

ذلك أن "المغامرة" الأبرز التي أقدمت عليها كرون عام 1980 في كتابها "الهاجرية Hagarism" كانت في تركيب رواية بديلة عن السردية المتعارف عليها بشأن نشأة الإسلام، والتي كان المسلمون والمستشرقون على شبه إجماع حول جلّ تفاصيلها، والقائلة بأن الإسلام هو الدعوة التي ابتدأها الرسول محمد، وحمل رايتها خلفاؤه الراشدون فالأمويون ثم العباسيون.

ما طرحته كرون هو صيغة بديلة لدعوة ابتدأت متماهية مع اليهودية في زمنها، كان فتح بيت المقدس من صلب إيمانها، ولم تظهر أخبار شخصياتها الأولى ولم تكتسب شكلها الإسلامي المستقل إلا مع انقضاء أيام الأمويين وظهور الدولة العباسية.

واسم الكتاب نسبة إلى هاجر، جارية سارة والنبي إبراهيم في الرواية الكتابية، ووالدة ابنه البكر إسماعيل، الجد المفترض للعرب العدنانيين. أي أن ما أصبح جماعة المسلمين في مرحلة تالية، وفق طرح "الهاجرية"، ابتدأ استلحاقا بالقصة اليهودية، والتي تفيد بأن سارة، والتي كانت قد بلغت سن اليأس، كانت قد وهبت هاجر جاريتها اليافعة لزوجها إبراهيم، وهو الشيخ المسنّ، لتنجب له البنين، فولد إسماعيل. والمرويات اليهودية تفصّل هذه القصة، لتظهر سارة تزداد غيرة وغيظا من هاجر وابنها، فتعمد إلى تشويه الجارية بقطع أنفها وغير ذلك من الشناعات. ثم أن الرب أتاح لسارة المسنّة نفسها أن تنجب، فولد لإبراهيم منها إسحق، فكان لزاما التخلص من الجارية وابنها.

ما لا بد من التشديد عليه هنا هو أن هذه الرواية، وإن اعتمدتها الديانتين الكتابيتين، اليهودية والمسيحية، ثم عاد إليها المفسرون والأخباريون المسلمون مع التخلي عن بعض أوجهها القبيحة وفق حساسية زمانهم، ليست جزءا من التاريخ الوقائعي، جملة وتفصيلا.

المقصود بالتاريخ الوقائعي هنا هو سجل الأحداث والوقائع والذي يمكن استشفافه استقرائيا من كامل المادة الوثائقية، أي النصوص بالعودة إلى المخطوطات المعاصرة لكل حدث أو المتسلسلة بالسند للاقتراب منه، بالإضافة إلى النصب والآثار وما تكشف عنه الحفريات، ووسائل أخرى مستحدثة لا تعتمد على الرواية وحسب (بما في ذلك اللسانيات والعلوم الطبيعية والتقنيات).

فالنبي إبراهيم، ومعه جميع أنبياء أسفار الكتاب المقدس، هو دون شك جزء من التاريخ الديني، اليهودي والمسيحي والإسلامي. ومن حق المؤمن بهذه الأديان الركون إلى الرواية الدينية كأصل للمعرفة، بل ربما جعلها الأصل الأول للمعرفة.

على أن ركونه هذا لا ينفي أن السجل الوقائعي بتمامه وكماله خالٍ من أية إشارة معاصرة أو قريبة زمنيا لإبراهيم وغيره، بل ثمة صمت، والأصح غياب، في السجل التاريخي الوقائعي على مدى القرون العديدة المفترضة التي تفصل إبراهيم وسيرته الراسخة في القناعات الدينية، عن أولى الإشارات إليه في القرنين ونيف السابقين لنشأة المسيحية واليهودية بشكلها الحالي قبل ألفي عام.

يوم أصدرت كرون مع كوك "الهاجرية"، قدّما للعمل بتنبيه إلى قبوله بالضعيف في مواجهة الضعيف بحثا عن الحسن والصحيح. هذا التنبيه يبدو غائبا في أصداء "الهاجرية" اليوم

كرون كانت باحثة متخصصة بالإسلاميات، ولم تكن معنية بالمراجعة التاريخية العميقة للكتاب المقدس، ولا بتفنيد نشأة الديانتين المسيحية واليهودية. محاولتها كانت وحسب ربط نشأة الإسلام باليهودية كما كانت عليه في القرن السابع الميلادي.

وهذا الربط لم يكن جديدا، بل كان قد تكرر، بشكل إشارات وفرضيات من بعض كبار المستشرقين، كما بشكل طروحات جامعة قاطعة من قلة منهم باندفاعات أقرب إلى الأهوائية أو العقائدية، على مدى أكثر من قرن قبل صدور "الهاجرية".

على أن جديد كرون وكوك كان في جرأة تركيب الرواية، مع استدعاء المصادر الخارجية، للانتقال بنشأة الإسلام من الحجاز إلى الشام، في إطار بحث علمي لا يسعى إلى تبطين قناعات دينية وفكرية طاعنة بالإسلام، ولكنه لا يسلّم تلقائيا بوقائعية التاريخ الديني، وإن اقتصر هذا الامتناع بحكم الموضوع على مرحلة نشأة الإسلام.

طبعا، لم تكن تلك قراءة العديد من المفكرين المسلمين لنتاج كرون وكوك، بل ألصقوا بالكتاب نعوت شتى، تجني، مؤامرة، أحقاد، أكاذيب، وما يشبهها.

لا تمييز في الأوساط الفكرية الإسلامية المعاصرة بين تاريخ وقائعي، قبوله بالعقل، وتاريخ ديني، قبوله بالإيمان. بل إن علماء المسلمين في مراحل ماضية كانت فيها هذه الإشكالية ظاهرة وموضع جدل، قد سعوا إلى حسم المسألة بأن أعلنوا أن النص الديني، وليس القرآني وحسب، بل المتواتر والصحيح من الحديث على أقل تقدير، موجب للتصديق اليقيني. هي مقولة معتمدة وإن ضمنا اليوم، ولكنها تقف كحاجز أمام الحوار الجدي.

واقع الحال أن كتاب كرون وكوك كان بالفعل مغامرة فكرية، جمعت روايات مهملة من الموروث النصي غير العربي، وألقت الضوء على الفجوات والعلل في السردية التاريخية المقبولة إسلاميا واستشراقيا، ولكنها لم تقدّم البديل الثقة للمستبدل الضعيف، بل استبدلت الضعيف بالضعيف. من وجهة نظر إيمانية إسلامية، هي استبدلت اليقين بالضعيف.

لم يكن كرون وكوك متشبثين بالرواية التي يقدمها كتاب "الهاجرية"، بل كانا مدركين لافتقاد هذا المجال، أي دراسة التاريخ المبكر للإسلام، إلى المقومات الكفيلة بالتوصل إلى التفكيك العلمي للسردية الشائعة وإعادة التركيب المقنعة. وفيما استمر كل منهما في محاولات مختلفة لمتابعة أسلوب "المغامرة" في اتجاهات مختلفة، أي بالتخلي عن الطروحات التي لم تجد السند المؤيد، وفي بسط الواعد مما عداها، فإن كل منهما قد أضاف كذلك بحوثا مستفيضة وهامة في الدراسات الإسلامية وفق المنهجية البحثية العلمية المتوافق عليها.

على أن مغامرتهما قد شجّعت جهودا واستولدت أخرى، إذ هي أقرّت الجدوى في المنهجية القائمة على عدم التسليم التلقائي بالسردية المعتمدة، والاستعاضة عنها برواية مركبّة من مقومات قابلة للتجانس، وإن كانت غريبة.

جديد كرون وكوك كان في جرأة تركيب الرواية، مع استدعاء المصادر الخارجية، للانتقال بنشأة الإسلام من الحجاز إلى الشام

ليس في الكتب المتتالية والتي صدرت باسم "أبو موسى الحريري" في مطلع الثمانينيات في لبنان إشارة مباشرة إلى كرون وكوك. بل أول هذه الكتب ربما قد سبق صدور "الهاجرية" (ثمة اضطراب في التاريخ المعلن للصدور). ولكن المنهجية مشتركة في التخلي عن الرواية الإسلامية والاستعاضة عنها بأخرى، هي هنا حول أصول مسيحية لدعوة محمد في شخص ورقة بن نوفل، قريب خديجة. فورقة، النصراني وقارئ الإنجيل بالعبرية، هو من زوّج خديجة ومحمد وفق المرويات، وهو من صادق على ما نزل على محمد من الوحي، دون أن يعلن إسلامه، وبوفاته "فَتُر الوحي" وفق نص الخبر.

وعلى الرغم من وضوح الغرض من هذا العمل في أسلوبه السجالي، فإنه غير قابل للإسقاط كليا. مقولة ورقة بن نوفل ليست محكمة، ولكنها، في انتقاءات "أبو موسى الحريري" ليست أقل إحكاما من الرواية الإسلامية في العديد من أوجهها.

ويمكن إدراج جهود السيد القمني في مصر بمراجعة المرحلة التأسيسية للإسلام في إطار المنهجية نفسها. الدافع هنا ليس تغليب دين على آخر، بل محاولة استخلاص قراءة للمادة الدينية قائمة على العقلانية. النتيجة هي تحليل يحاكي النص وينقده، ويسدّ فجواته بالمعقول، ويسعى إلى مجاراة القيم المعرفية المعاصرة. هو يحكم على الديني بالضعف، ويقدم المعقول على أنه يقين.

الباحثون الذين أثروا المكتبة التي جمعتها "إنارة" يتفقون على ضعف الرواية المتوافق عليها حول نشأة الإسلام، ويتفاوتون بنتاجهم الساعي إلى التصدي لهذا الضعف بين من يكتفي بتفنيد الأجزاء وتصحيحها قدر الإمكان، وبين من يحبّذ بعض البدائل الجزئية، رغم ضعفها، ويراكمها بأجزاء متقدمة بالنقد، ليبدو المجموع بدوره حاضراً للقيام مقام الرواية السائدة. ربما هذا حال قرآن لوكسنبرغ السرياني. في زعم اكتشاف المفتاح الإجمالي المفضي لما يقارب اليقين، قد يكون لوكسنبرغ قد فرّط بإمكانية الاستفادة من مقاربة، وإن ضعيفة، من شأنها إلقاء بعض الضوء على مادة هي أيضا ضعيفة.

يوم أصدرت كرون مع كوك "الهاجرية"، قدّما للعمل بتنبيه إلى قبوله بالضعيف في مواجهة الضعيف بحثا عن الحسن والصحيح. هذا التنبيه يبدو غائبا في أصداء "الهاجرية" اليوم.

يُشكر محمد المسيّح، وقبله حامد عبد الصمد، وغيرهما، على الجدّية وثراء المضمون في خوضهما هذا المجال الحرج والمطلوب لتقصي التاريخ المبكر للإسلام خارج الأبراج العاجية للمؤسسات ودور الأبحاث المستعصية.

على أنه لا بد لاكتمال الفائدة في تطوير الفكر النقدي، إذ هذا هو بيت القصيد لا الترويج لقراءة معينة للأصول، من تنبيه يبدو على الغالب غائبا، عن أن المتوفر لمعالجة ضعف المادة السائدة حول هذا التاريخ، هو بدوره ضعيف.

بل الأهم هو التشديد أن الموقف النقدي والذي لا يقبل التسليم بوقائعية الرواية غير المؤيدة لا يقتصر على أصول الإسلام، بل يشمل التاريخ برمّته، والديانات بمجموعها.

إذ يبدو المنحى الناقد للرواية الإسلامية في العديد من الأحيان وكأنه يقبل دون مساءلة بأن الرواية المسيحية أو اليهودية هي أساس يبنى عليه. هذا جائز طبعا لمن يشكك بالإسلام كدين منزل ويقبل بالأصل الإلهي لغيره. ولكن قناعته هذه تكون إيمانية، لا وقائعية.

أما في إطار الفكر النقدي المنطلق من دعائم وقائعية، فعدم التسليم بالرواية الدينية الإسلامية لا يستقيم إلا إذا استفاد من الرصيد الفكري الغربي الواسع في تفكيك رواية الكتاب المقدس بأسفاره العبرية وعهده اليوناني الجديد، وفي تبيان انعدام توافقها مع السجل الوقائعي، آثارا ووثائق. يسجّل لبعض المفكرين المسلمين الذين يتفاعلون مع هذه الطروحات خارج إطار التهويل والتشنج إشارتهم إلى أوجه ضعف عديدة فيها، ولكن سقف نقدهم المضاد محدود جدا، فهم عاجزون عن المطالبة بتطبيق الفكر النقدي التفكيكي بما يتجاوز أصول الإسلام، لأنه في هذه المطالبة تعريض إضافي لأصول الإسلام، القائم على القبول بصدق الرواية الكتابية.

الموقف النقدي والذي لا يقبل التسليم بوقائعية الرواية غير المؤيدة لا يقتصر على أصول الإسلام، بل يشمل التاريخ برمّته، والديانات بمجموعها

أي أن النقد المشكِك بالرواية الإسلامية محصّن إزاء اعتراض المفكرين المسلمين، من المطالبة بنقد مضاد للرواية المسيحية واليهودية إلا ببعض تفاصيلها.

يوم يقال للمفكر المسلم إن تاريخية رسول الإسلام موضع شك، لا يسعه أن يعترض بأن تاريخية رسل الأديان الأخرى هي كذلك موضوع شك، فهم أيضا رسل للإسلام. بل الواقع الصعب هنا بالنسبة لهذا المفكر، هو أن تاريخية هؤلاء الرسل بالفعل ليست موضع شك من وجهة نظر وقائعية، بل هي ساقطة بالكامل لغياب ما يؤيدها. لا ذكر لآدم، ولا نوح، ولا موسى، ولا داوود، ولا سليمان، ولا غيرهم من الرسل والأنبياء في مقومات التاريخ الوقائعي، من آثار وأنصاب، ولا حتى في الأخبار الباقية من الحضارات التي يفترض أن تكون قد جاورتهم، لا في الرصيد اليوناني الشاسع، ولا في السجلات الإدارية والمؤلفات المتنوعة للحضارة المصرية على غرازتها، ولا في غيرهما، بل في هذه جميعا تفاصيل وروايات متناقضة بالشكل والمضمون مع ما يقابلها في التاريخ الديني. بعد قرنين من البحث والتنقيب الذي ينسب إلى الرواية الكتابية كل ما لامس شبها لها، دون تجنٍ وبمطلق الإنصاف، الحصيلة معدومة.

يمكن للمؤمن، مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا، أن يقول إن في غياب الدلائل والقرائن الوقائعية حكمة ربانية، وأن التاريخ الديني يبقى أصلا للمعرفة، ولكنه يعجز أن يعمد إلى مجرد تجاهل الموضوع، أو إلى التعويل على الواهي الواهم من المزاعم لتشتيت المسألة.

ما لا يصحّ للجميع، مؤمنين ودعاة فكر حر، هو إهمال الحوار النقدي، وترك المجال للقطعيين والإطلاقيين والاستفزازيين والشتامين.

فما من شأن هذا الحوار أن يثيره هو إعادة نظر بأصول المعرفة، الأپيستمولوجيا، والتي تعاني من الإهمال في المحيط الفكري العربي. فتبيان الاختلاف في اعتبار هذه الأصول هو إحدى أهم السبل لإرساء ثقافة قائمة على الإقرار بتعدد الآراء والتوجهات، وعلى التواضع.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.