A man ride sa bike past a coronavirus-related mural by urban artists Mick Martinez and "Were Torres" in Ciudad Juarez,…
التجارب البحثية التي قامت بها مؤسسة الأمن القومي الأميركي أثبتت الكفاءة الرهيبة لضوء الشمس والحرارة والرطوبة في تدمير الفيروس

يتساءل الكثيرون عن كيف سيكون الحال مع جائحة كورونا (كوفيد 19)، خاصة بعد أن رفعت بعض الدول الحظر الكامل الذي فرضته على حركة وانتقال مواطنيها.

وللإجابة على هذه التساؤلات وبناءً على المعطيات المتاحة حتى الآن عن المرض يمكننا القول إن هناك خمسة عوامل على الأقل قد تحدد اتجاه الجائحة في أماكن عديدة.

العامل الأول

درجة المناعة الطبيعية ضد الفيروس "مناعة القطيع" في المجتمع: من المنظور الطبي، وجود مناعة عامة في معظم المجتمعات بنسبة 60% أو أكثر تستطيع إضعاف الفيروس وقدرته على الانتشار وقد تقلل من احتمالات حدوث مرض شديد لمن يصابون به.

ويتولد هذا النوع من المناعة أو "مناعة القطيع" في أغلب الأحيان كنتيجة لتعرض الناس والمجتمع للفيروس بكميات صغيرة يوميا من خلال الاحتكاك اليومي.

وفي الوقت الحالي أعلنت دولة واحدة فقط عن قربها لدرجة معقولة من مناعة القطيع فقد وصلت نسبة الحالات الحرجة في السويد بالنسبة إلى عدد الإصابات البسيطة للمرض هي (0.3%) فقط وهي أقل نسبة بأوروبا بالمقارنة بالدول الأوروبية والإسكندنافية المعروفة.

و"السويد" هي من الدول القلائل التي رفضت إجبار الناس على المكوث في المنازل، وسمحت بمعظم النشاطات في المجتمع أثناء حدوث الجائحة، حتى أن اقتصادها زاد نموه في الربع الأول من هذا العام.

العامل الثاني

تواجد واستخدام عقاقير لعلاج المرض: حتى لحظتنا هذه فإن أحد العوامل الذي قد يكون ساهم بقوة في خفض معدلات الإصابة بالمرض أو الوفاة بسببه بين الدول التي سارعت بإغلاق مجتمعاتها مثل الصين وأميركا ومعظم الدول الأوروبية كان هو البدء في استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين والأزيثروميسين والزنك وغيرها.

فعلى أرض الواقع لم تبدأ أعداد الإصابات ونسب الوفيات في التراجع في هذه الدول وغيرها من البلدان إلا بعد أن بدأت في إقرار بعض العقارات المذكورة أو غيرها في بروتوكولات العلاج كتجارب سريرية على نطاق واسع.

وهناك عقارات جديدة مثل دواء "أفيفافير" وعقار "الديكساميثازون" وهو عقار واعد خاصة في الحالات الحرجة من المرض.

العامل الثالث

وجود مصل للحالات المعرضة أكثر للإصابة بالفيروس. وجود مصل ضد فيروس كورونا قد يساعد العديد من الأشخاص في مواجهة المرض وبخاصة المرضى بأمراض مزمنة وكبار السن.

والواقع في المعرفة الطبية تجعلنا ندرك بوضوح أن وجود مصل ناجح يحتاج لعملية تخليق وتجربة ثم اختبارات عديدة من عدة جهات ثم عملية إنتاج بعد كل ذلك، وهذه الأشياء كلها من العسير أن تتواجد قبل عدة أشهر إن لم يكن عام أو أكثر من الآن خاصة أن التغييرات الجينية للفيروس قد تعيق عملية إنتاجه بكفاءة.

العامل الرابع

التعرض للشمس والضوء والحرارة. بعد التجارب البحثية التي قامت بها مؤسسة الأمن القومي الأميركي، وإثبات الكفاءة الرهيبة لضوء الشمس والحرارة والرطوبة في تدمير الفيروس، ونصحها للناس بالخروج إلى الهواء الطلق والشواطئ والمتنزهات لمقاومة الفيروس، أصبح التعرض للعوامل المذكورة ـ بدلا من المكوث داخل المنازل ـ عاملا قد يكون هاما جدا في حماية المجتمعات من هذا الفيروس.

العامل الخامس

فيتامين "د" والتغذية السليمة. أظهرت بعض الدراسات الحديثة التي تم إجراؤها على 20 دولة أوروبية أن معدلات الإصابة والوفاة بمرض كورونا (كوفيد 19) كانت أكثر بمراحل في الشعوب والمجتمعات التي لديها نقص في مستويات فيتامين "د"، ومن المعروف أن هذا الفيتامين يحتاج لأشعة الشمس لإنتاجه في الجسم، وهو متواجد في منتجات الألبان وصفار البيض والأسماك وبعض المكملات الغذائية المتاحة في الصيدليات، وقد يتحدد اتجاهات الفيروس في الدول سواء بالزيادة أو بالنقص في عدد الإصابات والوفيات تبعا لمستويات هذا الفيتامين في المجتمع.

ومما سبق يتضح لنا أن هناك أكثر من عامل قد تتحكم في مسار فيروس كورونا ومعدلات الإصابة به في الشهور القادمة، سواءً بالزيادة أو بالنقصان، وقد تحدد هذه العوامل أيضا وغيرها احتمالات معدلات الوفاة كنتيجة للإصابة بهذا الفيروس.

وقد يكون من الحكمة بمكان أن تضع الدول ويضع الأفراد هذه العوامل في الاعتبار في الفترة القادمة لتتم مقاومة الفيروس بأفضل صورة ممكنة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.