A woman stands holding a child near jerry cans filled with water at a former classroom in a school building where Syrians --…
سيدة سورية وطفلها في في مبنى مدرسة تحول إلى مسكن لعدد من السوريين النازحين إلى الحسكة

لست من مؤيدي النظام السوري ولست من المعجبين به، وإن كنت من المذكّرين دوما بخطر الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"النصرة" و"أحرار الشام" وغيرها، لكن يحزنني أن أرى كيف أن بعض المعارضات وبعض الشعوب وبعض الحكومات العربية تساهم في تخريب أوطانها ولف الحبال على رقبتها الآن وفي المستقبل، حتى وهي تشعر بنشوة الانتصار الوهمي، ثم بعد ذلك بفترة تعود وتلوم الدول الكبرى والصغرى في مأساتها وكوارثها.

الهدف الحقيقي

ينطبق ذلك على قانون قيصر، كما ينطبق على أمثلة كثيرة وقعت في العديد من البلدان العربية.

ما هو مضمون هذا القانون وما الغرض من تطبيقه؟ السياق العام هو لمعاقبة النظام السوري على الجرائم التي ارتكبها بحق المدنيين وخاصة في المعتقلات والسجون. هذا هو السياق، لكنه ليس الهدف من القانون. الهدف هو ما توضحه أسباب تطبيقه، أو بالأحرى الشروط التي يجب تنفيذها حتى يتسنى إلغاؤه. فما هي؟

تشير معظم التكهنات إلى أن النظام السوري حتى إذا تمكن من النجاة من قانون قيصر، وهو أمر لن يكون سهلا، فسوف ينضم إلى قائمة الأنظمة المعزولة والمنغلقة مثل كوريا الشمالية وفنزويلا

إذا أزلنا تلك الأسباب المتعلقة بالسياق والمتمثلة في "محاسبة الجناة على جرائم الحرب" و"تهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية للاجئين"؛ وغيرها، فإن ما يتبقى هو الأهداف الحقيقية للقانون وهي "الكف عن رعاية الإرهاب"، و"قطع علاقاتها مع القوات العسكرية الإيرانية والجماعات المدعومة من إيران" و "التخلي عن عدائها لدول الجوار في المنطقة".

بمعنى آخر فإن الهدف من القانون هو إنهاء التهديدات غير المسبوقة لإسرائيل والتي يشكلها وجود القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها على الأرض السورية وخاصة في جنوبها الغربي (بعد عام 2011)، وأيضا التخلص من كون سورية ممرا أو معبرا للمساعدات العسكرية الإيرانية لـ "حزب الله" اللبناني، ما يؤدي إلى إضعاف هذا الأخير وشل قدراته العسكرية.

وقد كان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري واضحا حين أطلق نداء أخيرا لدمشق قبيل سريان تطبيق القانون، والذي اعتبره عرضا للنظام، برفع العقوبات مقابل تغيير سلوك الحكومة السورية، والمتمثل في التوقف عن إيواء "الإرهابيين" والحد من الوجود العسكري الإيراني في البلاد.

عقوبات ممتدة

أقول هذا هو السبب الحقيقي وراء قانون قيصر، فهل يحقق هدفه أم لا، هذا أمر متروك للمستقبل. لكن العقوبات تسعى إلى تحقيق ذلك عبر القوة الاقتصادية المباشرة، وعبر الخنق التدريجي للبلاد وللنظام وقطع كل مصادر الحياة الاقتصادية عنهما، ما يؤدي إما إلى رضوخ النظام أو سقوطه أو الإبقاء عليه ضعيفا داخل الصندوق.

أما العقوبات نفسها، فهي سوف تظل قائمة إلى أجل غير مسمى، سواء استمر النظام الحالي أو سقط وجاء نظام آخر على أنقاضه.

لنتذكر أن هذه العقوبات هي عقوبات فرضها الكونغرس الأميركي، ولم تأت بقرار رئاسي تنفيذي، ما يعني أن إلغاءها عملية شديدة التعقيد، وسوف يتطلب الأمر الكثير من الجهد والوقت لذلك. فحتى مع افتراض مجيء نظام جديد في دمشق لا يمكن إزالة هذه العقوبات بصورة أوتوماتيكية. سوف يتعين على أي نظام جديد أن يلبي الشروط التي دعت لفرضها أولا، ثم عليه أن يثبت بأنه قد نفذ تلك الشروط بالفعل كما أراد واضعو نص العقوبات، ثم سوف يتعين على الكونغرس والجهاز التنفيذي أن يدرسا ويستخلصا بأن هذه الشروط قد نفذت على أكمل وجه.

مع افتراض مجيء نظام جديد في دمشق لا يمكن إزالة هذه العقوبات بصورة أوتوماتيكية

لنتذكر أن السودان لا يزال موضوعا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، حتى بعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق، وقد تعين عليه أن يدفع تعويضات وأن يجري تغييرا على سياسته الخارجية وأن يتعهد بأمور معينة، حتى يمكن بحث إزالته من تلك القائمة.

رمي الطفل بغسيله

بالنسبة لسوريا فإن ثمن إلغاء قانون قيصر سوف يكون أكبر من ذلك بكثير. ليس فقط قطع العلاقة مع إيران وميليشياتها، ولكن أيضا عقد سلام بين نظام الحكم الجديد وإسرائيل، والكف عن المطالبة بهضبة الجولان التي سوف تصبح أرضا إسرائيلية، وربما فرض رقابة على تسلحه. بدون ذلك لا أتصور أن المشرعين الأميركيين سوف ينظرون في أمر تخفيف أو إلغاء القانون.

والسؤال الذي ينبع هنا هو كيف يمكن للنظام الحالي أن يتعامل مع هذا الوضع الجديد؟

تشير معظم التكهنات إلى أن النظام السوري حتى إذا تمكن من النجاة من قانون قيصر، وهو أمر لن يكون سهلا، فسوف ينضم إلى قائمة الأنظمة المعزولة والمنغلقة مثل كوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها، بمعنى أنه سيظل يحكم بلدا ضعيفا بنيويا وبشعب جائع واقتصاد متهالك، وربما أيضا ببلد مقسم. إلى متى سوف يطول هذا الأمر؟ لا أحد يعرف.

لقد كانت الاستراتيجية الأميركية في البداية تركز على تغيير النظام، ثم بسبب عدم وجود البديل المناسب، وعدم الرغبة في التورط عسكريا، تحولت إلى تغيير "سلوك" النظام، أما اليوم فيبدو أنها قررت أن ترمي الطفل السوري بغسيله. وقانون قيصر يعني حرفيا ذلك.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.