في يوم جميل من أيام ربيع عام 1998 كنت أقف مع أستاذي الدكتور مصطفى بكري السيد ـ رحمه الله ـ لمراقبة الطلاب في اختبارات أعمال السنة؛ بعد أن قرّرت الكلية أنه لا بد مُرَاقبين اثنين في مثل هذه الاختبارات. كنا نسير بالتناوب/ بالتبادل: تُرَاقب معي وأراقب معك.
لكن، من حيث كوني تلميذا مباشرا لهذا الأستاذ القدير، ومن حيث كوني أيضا مُعيدا جديدا لم يفصل بين الموقفين: تتلمذي المباشر عليه، ووقوفي الآن معه مراقبا؛ سوى عامين أو أقل، فقد كنت أراقب معه بلا حساب، أعرض هذه المشاركة قبل أن يطلبها، ولا أطلب ـ بالمقابل ـ ردّا بالمثل؛ كما هو المعتاد في مثل هذه الحال، أي لا أطلب منه أن يراقب معي كما أفعل معه؛ محبة وتقديرا.
لا أنكر أن نشاطي بل وحماسي للمراقبة مع أستاذي القدير ليس مبعثه المحبة والاحترام فقط، بل كان "الجانب النفعي" هنا يحظى بمقدار لا بأس به من الإسهام في تشكيل معادلة الدوافع الواعية واللاّواعية. كنت أدرك أن الساعة التي أقضيها بالمراقبة معه ليس ساعة مهدورة، بل هي ساعة استثمار ثقافي بامتياز. بعد توزيع الأسئلة على الطلاب، وصعودنا على المنصة لنتمكن من مسح المكان كله بأبصارنا المتحفّزة، لن نكتفي بالتربّص بمراوغات الغش المخاتلة، لن نكتم أنفسنا صمتا وننظر من عَل بعيني صقر مُسْتفَز؛ لنكبح جماح النفوس الأمّارة بالسوء، بناء على سوء ظن مسبق يحكم العلاقة بين الأستاذ والطلاب.
كنت وأستاذي نُحْسن الظن؛ مع عدم الغفلة، ومع عدم ترك فرصة للاستغفال من وراء الإهمال. كنا نحسن الظن أساسا، ولا نريد ضبط أحد متلبسا، ولكن إن بدا شيء ظاهر للعيان فنحن له بالمرصاد. وهذا، إحسان الظن أراحنا كثيرا، وترك لنا فرصة قضاء هذه الساعة في الحديث عن الثقافة وشجونها، وبالأخص؛ الحديث عن الأدب الذي كان أستاذنا علما من أعلامه، منقطع الأشواق للبحث عن آخر مستجداته.
الحياة في الرواية هي حياة مكتملة الأركان، أو يجب أن تكون كذلك؛ حتى عندما تكون حياة مختصرة في بُعد واحد/ معروضة من خلال بُعد واحد
وبحق، كان عرّاب النقد الروائي في الكلية، منفتحا على كل آفاقها؛ يوم كانت الرواية ـ وخاصة الرواية الفنية المبدعة (وهي غير الرواية الدعوية الوعظية!) التي كتبها كبار المبدعين في الفن الروائي على امتداد العالم ـ من المحرمات، بوصفها الفن الذي يُشَاب عسلُه الظاهر بسمومه التي لا تنفك عنه بحال، والتي إن لم تصل لتمرير سموم الزندقة والإلحاد؛ فعلى الأقل، ستُمَرِّر سمومَ الأشواق الآثمة التي ستنتهي بتطبيع المحرّمات في المجتمع الطُّهراني، أو المجتمع الذي يتوهم نفسه مجتمعا طهرانيا.
بعد حديث مقتضب عن الأدب في العموم، ولأني أعرف مدى قناعته بثراء الإبداع الروائي على المستوى الفكري والفني، ومن ثمَّ موافقته على مقولة أن الزمن الآني هو "زمن الرواية"، وهو الشعار الذي روّج له الناقد الكبير/ جابر عصفور، بادرتُ أستاذنا بسؤاله عن آخر رواية قرأها، وكنت أعرف عنايته بكل جديد يستحق القراءة في هذا المجال. هنا، تبسّم بما يشبه تلويحة المنتصر، أظهر الفرح مُنْتشيا وكأنه اصطدم بمصادفة جميلة، ورفع حزمة الأوراق التي أمامه، ثم أزاح بعضها عن بعض؛ فإذا برواية "ذاكرة الجسد" للروائية الجزائرية/ أحلام مستغانمي. قلت له: انتهيت منها، قال: نعم، وهي رواية رائعة. قلت له: أبا محمد (ومن حيث كون التكنية في عرف العرب تكريما، فهي هنا تقدمة/ مهر لطلب): سآخذها؛ بما أنك انتهيت منها. حاول الاعتذار بأنه أحضرها لأحد الزملاء، قلت له: هل وعدته بها اليوم، قال: لا، ولكن وعدته بها إذا انتهيت منها. قلت له جازما ـ بحكم الإدلال عليه بحبي له ـ: أبا محمد، سآخذها، وبعد غد في التاسعة صباحا ستجدها معي في غرفة أساتذة القسم.
في غرفة أساتذة قسم الأدب والنقد كنت في موعدي الذي حددته أنتظر قدوم أستاذي. حضر، وكان في الغرفة عدد من الأساتذة. كنا نجلس مُتحلّقين حول طاولة تمتد بضعة أمتار، بحث عن كرسي قريب مني بعد أن أشرت له بالرواية من بعيد كدلالة على إنجاز الوعد، لكن لم يجد إلا الكرسي المجاور للأستاذ الجالس أمامي. هنا ـ وبالمصادفة المحضة ـ وجدت أمامي نوعين من الأساتذة، أعرفهما تمام المعرفة، إذ كلٌّ منهما قد درّسني في أكثر من فصل دراسي في مرحلة البكالوريوس. كانا ـ رغم المحبة والاحترام المتبادل بينهما ـ مختلفين في كثير من الأشياء: أستاذ حيوي، نشط، مثقف، منفتح الآفاق، مُقدّس للعلم، مخلص في عمله إلى حد إرهاق نفسه بأكثر مما يجب عليه وبأكثر مما يستطيع، وأستاذ آخر على النقيض تماما، مُتَبلِّد حَدَّ الجمود، نشط في الادعاء الثقافي، يكتفي بعناوين الثقافة دون حقائقها التي تشترط المتابعة الجادة، فاتر الهمّة حد الموت إلا فيما يجد فيه نفعا مباشرا لذاته، فوضوي، مستخف بالعلم حقيقة، منغلق ثقافيا حد الانكفاء على "شيخ تقليدي" يُخفيه بين جوانحه؛ وينحدر معه ـ بتتابع أعوامه ـ نحو قاع الأثرية الحشوية الضاربة في دهاليز القرون المظلمة، مُهْمِل في عمله إلى أقصى درجات الإهمال!
مددت يدي بالرواية/ ذاكرة الجسد نحو أستاذي الدكتور مصطفى، المثقف الجاد، وقلت له مازحا: ها قد وصلت سالمة في الموعد المحدد. ثم انتبه لشيء كان قد غاب عن باله من قبل، وقال: كيف، أنت اليوم ليس لديك محاضرات! قلت: حضرت للموعد. تلوّم، وقال: الأمر أوسع من ذلك. في هذه الأثناء، كان الأستاذ الآخر (وسأطلق عليه: الأستاذ ج) الجالس أمامي وبجانب أستاذي يرقبنا، فمَدَّ يده إلى الرواية، ثم رفعها إلى عينيه قليلا، وقال: ما هذه؟ حاول أستاذي تعريفه بالكاتبة/ الروائية وبالرواية في لمحات خاطفة، فقال ج وكأنه لم يستوعب هذه اللمحات: ما ملخص الرواية؟ الحكاية ما هي؟ هنا تردد أستاذي في الشرح له، فبادرتُ بذكر الخط العام لوقائعها/ الحكاية في خطها العام. هنا قال ج: هذا فقط، يمكن اختصارها في صفحة واحدة. ذُهلت من جوابه وكأنه لا يعرف من الأدب شيئا؛ بينما هو يقدم نفسه كأديب/ كناقد، وقلت له: كيف تختصر الرواية، الرواية بكل عناصرها ومكوناتها المعقدة/ المركبة ككائن حي، الوقائع ـ بحد ذاتها ـ ليست شيئا ذا بال في هذه الرواية خاصة، وفي كل رواية على وجه العموم.
هنا تدخل أستاذي ليشرح له، قال له: هذه الرواية مكثّفة لغويا، هذه الرواية أشبه بلوحات ثقافية ترسل رسائل كثيرة، وكل قارئ يستنطقها بتأويله، إن لم يكن في معنى كل رسالة على حدة، ففي معنى تجاور الرسائل وتبادلها، حيث تتعدد فضاءات التأويل. ثم قال له أستاذي: يا دكتور، هذه الرواية هي كل سطر فيها، وحتى يَتخلّق لديك معنى كلي للرواية، عليك أن تقرأها بالكامل. نظر ذلك الأستاذ الكسول ج إلى آخر صفحة في الرواية، ثم قال: آه أقرأ 404 صفحة، أقرأ لي كتابا أفضل! قلت في نفسي: أعرفك جيّدا، لن تقرأها ولن تقرأ كتابا من 404 بالكامل، ولو كنت تتحمل قراءة كتب في هذا الحجم لم تكن على ما أنت عليه الآن.
الروايات التي كتبها مبدعون كبار تتجاوز حدود الكتابات الفكرية/ المعرفية أحادية البعد في الغالب
مع هذا، قلت له ـ بصراحة وببراءة ـ: يا أبا (بالتكنية لتمرير النقد المبطن له)، ألم تقرأ رواية طويلة من قبل؟ أجاب ج: بل قرأت ثلاثية نجيب محفوظ، أكثر من ألف صفحة، ولكني أستطيع أن أختصرها كلها في عشر صفحات. التفت إليه أستاذي الدكتور/ مصطفى وقال: أنت هنا تختصر الحكاية، ولا تختصر الرواية، أين المشاهد والحوارات والإلماحات والأزمنة والأمكنة والشخصيات التي تنقل لك عالَما زاخرا بالحياة والأحياء! وأنا بدوري بنيت على تعقيب أستاذي، فقلت له: الحكاية في الرواية ـ من حيث خطوطها العامة ـ أشبه بالهيكل العظمي في جسد الإنسان، فهو على أهميته، ليس أعقد ولا أبدع ولا أجمل ما في الإنسان. الهيكل العظمي في النهاية مجرد عنصر جامد أحادي البعد، حتى ليمكن الاستعاضة عن بعضه بقطع من نحاس أو حديد. التعقيد والتركيب والإعجاز، الإبداع المتفرد النابض بالحياة، ليس في العنصر الصلب أحادي البعد (الهيكل العظمي ـ الحكاية في الرواية)، بل هو في تعقيدات التركيب العصبي، في الخلايا الحية النابضة بالحياة المتجددة المتوالدة باستمرار، بالعروق التي تمدها بالحياة في تناغم يشكل تفرد كل حياة بذاتها، وتفردها بنسقها في عالم الأحياء، في التركيب المعقد المذهل من كل هذا؛ ليتخلق منه كائن حي يتربع على عرش الخلود بقدر ما فيه من إبداع.
كنت أشرح له بهذا التبسيط الشديد، بهذا التمثيل الساذج (رغم صدق التمثيل)، وأنا خجل متردد؛ لأني أقوله آنذاك لمن كان ـ رسميا (أي بوصفي كنت طالبَ صَفٍّ دراسي لديه؛ وإن لم أستفد منه شيئا) ـ أستاذا لي في الكلية ذاتها قبل سنتين من هذا الحوار، فضلا عن كونه يكبرني بأكثر من ثلاثين عاما.
الشعر هو ابن الصوت الواحد المتفرد، صوت الأنا المتفردة، ابن الصحارى والقفار، والقرى المتناثرة، والأرياف الراقدة على ضفاف الأنهار والوديان. بينما الرواية هي "ابنة المدينة"؛ كما يقال. المدينة التي خلقت الرواية هي المدينة الحديثة البورجوازية التي تعالت فيها درجات التعقيد والتركيب، المدينة ذات العلاقات المتعدّدة، والثقافات المتنوعة، المتغيرة/ المتحولة باستمرار. ومن هي كذلك، فهي صورة موازية لها/ معادل موضوعي لها، بكل تنوعها وتعددها وتحولها الدائم.
الرواية تبدو ـ في قراءاتها العابرة ـ بسيطة، بل وربما سطحية؛ كما هي المدينة لأول وَهْلة للقادم الجديد. هذا المظهر البسيط المغري بالإثارات السطحية العابرة، أوهم كثيرين بأن كتابة الرواية على هذه الدرجة من البساطة؛ فكتبها كثيرون، بلا موهبة، وبلا ثقافة واسعة متنوعة، وبلا إبداع. وإذ يبدع فيها القليل من العباقرة، المُتَوفّرون على ثقافة واسعة متنوعة، فقليلا ما تجد القارئ الذي يقرأها بمستوى كتابتها، القارئ الذي يشرحها بوصفها كائنا حيا لا يكتنز حياة واحدة فحسب، وإنما يكتنز أكثر من حياة، بل يكتنز عالما متكاملا/ ناميا/ متطورا؛ ينتج دلالاته باستمرار؛ وفق متغيرات السياق القرائي؛ ووفق متغيرات آفاق القارئ النوعي.
الروايات التي كتبها مبدعون كبار تتجاوز حدود الكتابات الفكرية/ المعرفية أحادية البعد في الغالب؛ لأن مثل هذه الكتابات معنية بفروع المعرفة على اختلافها، كتابات فكرية واقعية، أي معينة برصد/ بتحليل الواقع المباشر، كتابات تاريخية، كتابات فلسفية، كتابات سياسية، اجتماعية...إلخ بينما الرواية المستحقة لهذا التوصيف "رواية" تتعدد فيها كل هذه الأصوات المنتمية إلى شتى حقول المعرفة، إنها تتجاور أو تتحاور أو تتخاصم، على نحو صريح أو على نحو مضمر، بمقولات أو بسلوكيات تؤدي بالفعل/ بالمسلك الإنساني المباشر ما تقوله هذه الحقول المعرفية بالقول.
اقتطاع/ اختصار جزء من الحياة/ من الرواية، يعني أن الحياة/ الرواية لم تعد كما كانت قبل الاقتطاع/ الاختصار
الحياة في الرواية هي حياة مكتملة الأركان، أو يجب أن تكون كذلك؛ حتى عندما تكون حياة مختصرة في بُعد واحد/ معروضة من خلال بُعد واحد. في الرواية ينطق الزمان والمكان، ويستمران في النطق المتفاعل مع بقية عناصر تكوين الرواية. وحتى عندما يكون الفضاء المكاني لرواية ما غرفة واحدة، فدلالة هذا الانحصار هي دلالة مشحونة بخصوبة نوعية، ستشحن بقية عناصر الرواية بدلالات لم تكن ستحضر في أفق وعي القارئ؛ لو كان الفضاء المكاني متسعا باتساع القارات الخمس، والعكس صحيح.
كذلك الحوار، والشخصيات بحضورها المعقد، المتدافع/ المتصارع، والحبكة بمستوياتها ومراوغاتها، والموضوع الكلي بتموجاته بين الحضور والغياب، بين الثبات والتغيّر/ النمو...إلخ، كل ذلك، في علاقات متنوعة في مستوى حيوية النص، أو في مستوى حيوية الفعل القرائي للنص، يجعل من الرواية كائنا حيا يتكاثر وفق مستويات خصوبة التلاقح بين عناصر الداخل الروائي وبين الداخل الخارج الروائي في آن.
إن روايات من هذا النوع (وهي الروايات بحق) يستحيل اختصارها؛ لأنك إن اختصرتها فستبتر جزءا أصيلا من الحياة التي تعكسها الرواية بدرجة ما. فمثلا، لو حذفت حوارا ذاتيا أو خارجيا على اعتبار أنه مجرد نقاش عابر لن يؤثر في دلالة موضوع الرواية (الموضوع المفترض/ المنتج قرائيا بطبيعة الحال)، فكيف ستكون هي الشخصية ذاتها/ صاحبة الحوار قبل الحذف؟ كما لو اختصرت بخذف بعض الشخصيات الثانوية؛ فكيف سيتجلى المعنى في الشخصيات الرئيسية بدونها؟ وقس على ذلك بقية العناصر؛ فاقتطاع/ اختصار جزء من الحياة/ من الرواية، يعني أن الحياة/ الرواية لم تعد كما كانت قبل الاقتطاع/ الاختصار. لهذا، ما أكثر الروايات، وما أقل الروائيين!

