In this picture released by the official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
هذه المنظومة تعمل على كل تلك القطعية، في وقت ليس لها أي من مقومات القدرة وقابلية الحياة دون الكل العالمي

إلى جانب أساطيرها الكثيرة، تروج المؤسسات الإعلامية والأجهزة السياسية في "محور الممانعة" لفكرة مسطحة، تقول على نفي أية علاقة بين الخراب الكلي الذي ينهش وينخر كل أشكال الحياة العامة في بلدانها "بلداننا"، ومجموع السياسيات والأيديولوجيات والاستراتيجيات التخريبية التي تتخذها منظومات هذا المحور، تجاه مجتمعاتها المحلية والدول الإقليمية أولا، وتجاه العالم دائما.

من إيران إلى لبنان، مرورا بسوريا والعراق واليمن وقطاع غزة وغيرها من المناطق، تطلب هذه الأسطورة من الخاضعين لسلطاتها التسليم بعدد من المستحيلات، أو أن يتظاهروا بتصديقها على الأقل.

أن يتوهوا مثلا بأن هذه الخطابات والأفعال والتوجهات إنما هي مجرد فاعل خارجي فحسب، لا علاقة وتداخل وتأثير لها على وبالأحوال الداخلية! أن يعتقد الناس مثلا بأنه لا ربط ميكانيكي بين تأسيس المليشيات الطائفية والمناطقية المسلحة، وبين تصاعد ظاهرة النهب العام المنظم لخيرات البلاد! أن يتوهموا بأن بلدان "الزعيم/الإله" يمكن أن تتسامح مع استقلال القضاء وحرية الإعلام! وأن يخاتلوا أنفسهم بالقول بأن هذا الفيض من العنف والاستعلاء الخطابي لجماعة أهلية "متسلطة"، يُمكن ألا تؤدي حتما إلى الحروب الأهلية المريرة!

هذه الأسطورة تروج لإمكانية الموائمة بين "معاداة العالم" والحصول على "خيراته" في الآن ذاته

ومثلها ما لا يُحصى من الأمثلة والسلوكيات، التي تعاند وتسير عكس حركة التاريخ "الموضوعية"، القائمة بجوهرها في زماننا الراهن على مزيد من الشراكة والتكامل والمزاحمة والمراكمة، بين مختلف قوى ومناطق العالم. وليس أبدا على هذا المستوى المريع من العدائية والمعاندة تجاه المركز العالمي، سياسيا وثقافيا وأمنيا واقتصاديا.

تفعل هذه المنظومة ذلك، في وقت تحاول فيه الهيمنة الكلية والمطلقة على كافة تفاصيل الحياة في مناطق نفوذها، لا تترك فيه مجالا لأية فاعلية خارج توجيهها ومراقبتها. حيث الحياة في هذه المنظومة يشبه عنوانا لتقرير صادر عن "هيومن رايتس ووتش" عن سوريا عام 2007، التي وصفها بـ "لا مجال للتنفس". وحيث أن "معاداة الخارج" ليست إلا أداة وظيفية لتثبيت الهيمنة الداخلية، وفقط كذلك.

أن يفعل الخاضعون ذلك، ليكونوا تحت هيمنة "الكذبة التأسيسية" لهذه المنظومة، التي تدعي بأن الأحزاب والأجهزة والشخصيات السلطوية فيها، إنما هُم تشكيلات وتنظيمات وكائنات "شديدة الرِفعة" و"كثيرة الزهد" بكل التفاصيل الداخلية، المتروكة لقوى داخلية أخرى، والتي هي سبب خراب حياة الناس!

إلى جانب ذلك، فإن هذه الأسطورة تروج لإمكانية الموائمة بين "معاداة العالم" والحصول على "خيراته" في الآن ذاته.

تفرض عليهم أولا التخلي عن حقهم في الحريات العامة، بالذات السياسية منها

فحسبها، يمكن لأنظمة حكم محور الممانعة أن تتخذ سياسيات عدوانية وتخريبية، قدر ما تستطيع، وفي أوسع دائرة جغرافية ممكنة، لكن أن تستفيد وتتعاون في الوقت عينه من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية والمدنية في الدول التي تعاديها وتحاربها منظومة "محور الممانعة".

بمعنى ما، فإن تلك الأسطورة تطلب من القوى العالمية أن تكون ساذجة وسطحية، ألا تستخدم وتحجب وتعاقب هذه المنظومة بأدواتها وقواها الناعمة، وألا تسعى بكل شكل لكبح التوجهات العدوانية التي تتخذها دول هذه المنظومة تجاه الإقليم والعالم.

♦♦♦

بفعلها لذلك، وبكثافة استثنائية طوال الشهور الماضية، بالتوازي مع تفاقم مستويات الخراب العام، فإن الأجهزة الترويجية لمحور الممانعة تسعى لأن تنكص بنا نحو ديناميكية عقيمة للتفكير بأحوالنا، ديناميكية تأسس لديمومة الخراب في أحوالنا العامة، من خلال ردها إلى غير فاعلها الجوهري، المتمثل بالسياسيات الانشقاقية والعدوانية لأعضاء هذه المنظومة تجاه العالم.

تبدأ تلك الديناميكية من آلية تقسيم العالم إلى حيزين، منفصمين ومتخاصمين، عالم الـ"نحن" وعالم الـ"هم"، حيث أن هذا الأخير هو الغرب على الدوام. هذه النظرية التي كانت على الدوام الجذر التأسيسي للإسلام السياسي الراديكالي، منذ أيام الحوارات الشهيرة بين الأشاعرة والمعتزلة في الحقبة العباسية، وحتى ما يناظرها راهنا من معتقدات الإسلام السلفي والأخواني.

في مراحل تالية، أعادت النزعات القومية العربية والفارسية والتركية المجد لتلك لمقولات الهوياتية، بالذات في المرحلة الاستعمارية، التي كانت لقسوتها البالغة توفر حجة موضوعية لها. ثم راكمت الأيديولوجيات اليسارية في بلداننا، والتي أخذت أشكالا عدوانية وكاريكاتورية تجاه كل ما هو "غربي"، بالرغم من أن كامل نظريتها السياسية كانت منتجا غربيا خالصا.

ما أن تتمكن من تحقيق ذلك، حتى تحاول تصعيد الموقف، نحو إقناعنا بأن "العالم متآمر علينا"، أي أن مسألة تعاستنا لا علاقة لها بكل المجريات الداخلية وكامل السلوكيات الخارجية لهذه المنظومة، بل فقط لأن العالم لا يحبنا ولا يود لنا الخير!

فتصدير النظام السوري لملايين الحبوب المخدرة إلى أوروبا، ونظيره الإيراني للصواريخ إلى اليمن، وتنفيذ "حزب الله" لعمليات انتقامية في مختلف مناطق العالم، وتنفيذ مليشيات الحشد الشعبي العراقية لمجازر أهلية، ومثلها ما لا يُحصى السلوكيات والتوجهات، هي أمور تفصيلية في تعاستنا، والأساس هو تآمر الآخرين علينا!

ما تسعى إليه منظومة الممانعة راهنا، المتمثلة بالانشقاق ومعادة العالم، كان أمرا شبه مستحيل وبالغ الخطورة على الدوام، حتى في الأزمنة التقليدية، قبل قرون كثيرة

هذه الخطوة هي أخطر تفصيل في دعاية منظومة الممانعة، ليس لخلفها علاقة متوترة ودائمة بيننا وبين العالم فحسب، بل أولا لدورها في كبح حركة التاريخ في بلداننا. فالإيمان بها، يعني تجاوز كافة أدوات التفكير والتحليل والفهم للأسباب الموضوعية التي تفرز هذا الخراب العمومي الذي نعيش فيه، والركون والتعليل والتصديق بوجود فاعل غيبي مطلق يقف وراء كل شيء، هو "تآمر العالم". الأمر الذي يكبح موضوعيا أية إمكانية لتجاوز أشكال التعاسة التي تحيط بنا.

هاتان الآليتان، تقسيم العالم إلى فسطاطين والتسليم بـ"المؤامرة" العالمية المناهضة لنا، تؤدي بهذه المنظومة لإنتاج أعداد لا تُحصى من الفروض التي تطبقها على جملة الخاضعين لها. تفرض عليهم أولا التخلي عن حقهم في الحريات العامة، بالذات السياسية منها، وبشكل رديف لذلك، مغادرة أية تطلعات للمشاركة في السلطة والسيادة، وبالتالي التنازل عن آلية النقد والمحاسبة، ودائما عن كامل أشكال التواصل والاستفادة والتحالف مع القوى الخارجية، ومطلقا تحمل كافة تبعات ونتائج وتأثيرات الخراب العمومي على تفاصيل حياتها اليومية، من صعوبة الحصول على خدمات صحية وتعليمية مناسبة، إلى استحالة بناء أسرة وحياة كريمة.

♦♦♦

ما تسعى إليه منظومة الممانعة راهنا، المتمثلة بالانشقاق ومعادة العالم، كان أمرا شبه مستحيل وبالغ الخطورة على الدوام، حتى في الأزمنة التقليدية، قبل قرون كثيرة.

إذ مع نجاح الثورات العلمية والصناعية في الدول الغربية، ومعها فيض العلوم والتجارب والفنون الإنسانية، اعتبارا من القرن الثامن عشر، صارت حركة البشرية مُحكمة بالتواصل الحتمي مع تلك المراكز الكونية، وإن كان ثمة خلافات وصراعات سياسية مع بعض التوجهات لدولة أو أخرى منها، لكنها تبقى نسبية ومحددة جغرافيا وزمانيا، وليست إطلاقية كما في نماذج محور الممانعة راهنا. لكن لم تتمكن أية منظومة سياسية قط من العيش والاستمرار بالقطيعة والمعاندة المطلقة لذلك المركز الكوني، الذي أصبح بمعنى ما "العالم". بما في ذلك الإمبراطوريات التقليدية لدول منطقتنا، القاجارية والعثمانية والمصرية، التي قضت قرنيها الأخيرين عبر تواصل وتكامل حميم ذلك المركز.

الأفظع من كل تفصيل، أن هذه المنظومة تعمل على كل تلك القطعية، في وقت ليس لها أي من مقومات القدرة وقابلية الحياة دون الكل العالمي. فمجتمعاتها وأنظمتها الاقتصادية تكاد لا تنتج شيئا، وتعتمد على ما تستورده من الخارج بكل شيء، بما في ذلك أبسط أنواع الأدوية. وفوق ذلك، تُظهر نفسها وكأنها الاتحاد السوفياتي السابق، الذي قد يطرح "عالما بديلا" عما تعاديه.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.