هول الكارثة الواقعة لم يتضح بالكامل بعد. ثمة من يشبّه سوء الإدارة والإفلاس الذي يواجهه لبنان، دولة ومجتمعا، بما عاشته اليونان قبل أعوام. الفارق طبعا أنه كان لليونان، وإن تعاظمت مديونيتها، اتحاد أوروبي يسندها، وعملة هي اليورو، وإن شحّت في حسابات المودعين، تبقى قيمتها مصانة، ولم يكن فيها حزب مدجّج بالسلاح، لا يخضع لأية مساءلة، يخوض غمار معارك في الخارج، يتوعد الآخرين بقتل جديد، ويلزم الجميع بطيّ صفحة من سبق أن قتلهم من المعارضين له.
مقاربة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في أعقاب الحرب الأهلية كانت مباشرة وواضحة. لبنان منهك مستنزف ودون رصيد، ولكنه يذخر بالإمكانيات والطاقات البشرية. الحل بالتالي هو استقطاب الأموال لتجهيز بنية تحتية وتحضير إطار يتيح النهوض والنجاح. ولا بأس بدفع الفوائد المرتفعة لإغراء المستثمرين والمودعين، فمن شأن النجاح أن يحقق الدخل الذي يفي قيمة هذه الفوائد خلال فترة منظورة، فلا تتراكم لتشكل دينا على الأجيال القادمة تسديده.
جرى بناء وسط بيروت وغيره من المشاريع. ولكن المعادلة المتوقعة لم تتحقق. غير أن الصيغة المعتمدة، بما هي عليه من مجازفة و "تفاؤل"، لم تساءل ولم تتبدل. بل استمر العمل بالشقّ الأول منها، على ما هو في واقع الحال من استدانة قسرية مفتوحة من لبنان الغد، بقدر من الخجل لفترة ما، ثم دون أي حرج.
لبعض الدول في المنطقة آبار نفط كان مدخولها في مرحلة سابقة يُستهلك دون حساب، ثم أدركت أن المخزون النفطي معرّض لأن ينضب، فأقامت الصناديق السيادية للتحضير لصدمة الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.
ما لا بد من الإقرار به هو أن الطغمة السياسية المالية الحاكمة في لبنان، بالتضامن والتكافل بين بعضها البعض، قد نجحت بتدوير الثورة والوباء للمزيد من الإمعان بالسطو الممنهج، ولا تزال
لبنان، دون آبار نفط ودون ثروات طبيعية، حقّق الإنجاز بأن توصل إلى ابتكار صيغة اقتصاد ريعي على ما يبدو، فاكتشف بدوره ما يقابل آبار النفط هذه، ألا وهو الاستدانة من الأجيال المقبلة للعيش في بحبوحة فورية. والتعويل كان إما على ثروات الأشقاء، أو على آبار نفط حقيقية خيالية سوف تظهر باللحظة الحاسمة لإعفاء الوطن من مديونيته المتعاظمة، مع التمني بأن يكون يوم الدينونة هذا بعيدا.
بل، بالنسبة للعديد من السياسيين، بما في ذلك من تحذلق بالكلام على أن لبنان قادر أن يوزّع عبقرية مالية للعالم، للولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، حول كيفية الازدهار دون ضبط الموازنة، فلا تعويل ولا قلق ولا انشغال بهموم المستقبل. بل تعملق واستفادة آنية.
من حقّ المواطن اللبناني أن يغضب إزاء طبقة سياسية طوّرت مجازفة التسعينيات المتفائلة، المفرطة بالتفاؤل، لتجعل منها منظومة نهب ممنهج لثروة "الآبار النفطية" التي تشكلها الأموال المستدانة من الأجيال القادمة.
من حق هذا المواطن، وهو اليوم على مشارف انهيار غير مسبوق، قد تنتفي معه كافة مقومات الحياة العصرية، من كهرباء واستشفاء ووقود وأمن غذائي، أن يصرخ ويدين المستفيدين من النهب الممنهج. وهم بالفعل كثر. الطبقة السياسية برمّتها، قديمها وجديدها، وإن على تفاوت، والإقطاع الموغل بالاستدعاء الطائفي، وإلى العام 2005 الاحتلال السوري، من رأس هرمه إلى صغار معتمديه، ومن ثم الاحتلال الإيراني المضمر. على أن القائمة لا تقف عند هذا الحد.
هي مسؤوليات كبيرة للسياسيين والمتمولين والنافذين، من الذين مكنتهم منظومة النهب الممنهج من الاستيلاء على الأملاك العامة مقابل بدل متلاشٍ، ومن استحلاب هندسات مالية، هيّأت للبعض استدانة مبالغ ضخمة بفوائد منخفضة، وإيداعها الفوري في النظام المصرفي للحصول على عائدات مرتفعة، أي ما يشكل هبة متواصلة دون قيد، وأتاحت لهم الاستئثار بالعقود الكبيرة، ليصبح سائق سيارة الزعيم وحارسه الشخصي وكل صاحب حظوة لديه أثرى أثرياء البلد.
إيجاد سبل الاستيلاء على المال العام يكاد أن يكون رياضة يحركها الجشع والإدمان والإثارة، وإلا كيف يفسّر أن هؤلاء النهّابين، بعد أن أتخمت جيوبهم وبطونهم وأفواههم بأموال اللبنانيين، وجمعوا من الثروات ما يتيح لهم ولذريتهم الإفراط بالبذخ إلى حين فناء الأرض، لا يتمالكون أنفسهم، رغم انفضاح أمرهم، من الانغماس بالمزيد من الإبداع بالسطو الوقح؟
ما لا بد من الإقرار به هو أن الطغمة السياسية المالية الحاكمة في لبنان، بالتضامن والتكافل بين بعضها البعض وبغضّ النظر عمّا يطرأ بينهم من التناكف والتناطح، قد نجحت بتدوير الثورة والوباء للمزيد من الإمعان بالسطو الممنهج، ولا تزال.
من حق هذا المواطن، وهو اليوم على مشارف انهيار غير مسبوق، قد تنتفي معه كافة مقومات الحياة العصرية، من كهرباء واستشفاء ووقود وأمن غذائي، أن يصرخ ويدين المستفيدين من النهب الممنهج
الناشطون الإصلاحيون في لبنان، بناءً على تقديرهم لما هم عليه من معطيات قوة وضعف، لا يزالون عند المطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد وإعادة المال المنهوب وبالقضاء العادل المستقل. غير أنه من فائق الصعوبة، بل من المستحيل، تبيّن من هي الجهة القادرة على الشروع بتنفيذ هذه المطالب، أو الراغبة بالأمر ابتداءً.
ربما أن الخطأ بالمقاربة هو اعتبار أن ما يعيشه لبنان هو مواجهة بين "فاسدين" هم الطبقة السياسية برمّتها وشعب لبناني بوضع الضحية، استغفل ونهبت أمواله، وخدع فأعاد انتخاب ناهبيه.
الفساد، بمعنى تجاوز القوانين المرعية للاستفادة غير المشروعة، هو وجه وحسب من المأزق اللبناني تتوجب معالجته قضائيا. إلا أن معظم الاستيلاء على المال العام يتم لا من خلال الفساد بهذا المعنى، بل ضمن منظومة النهب الممنهج والمشرعن، والذي يستوجب استصدار التشريعات بمفعول رجعي لمواجهته.
هي المسؤوليات الكبيرة التي تتحملها الطبقة السياسية المالية، والتي تتطلب نظريا مساءلة قضائية وتشريعية لا يمكن اليوم ترقّب أن تحدث إلا شكليا وعرضيا وبحقّ الضعيف وحسب ضمن هذه الطبقة، انطلاقا أنه من العبث مطالبة جهة غارقة بسلوكها الاستباحي أن تترفع عن فعلها وتقدم طيّعة طائعة على الاقتصاص من نفسها.
ولكن المأزق لا يتوقف عند المسؤوليات الكبيرة، والتي تنحصر بقلة قابلة لأن تكشف هويتها. بل ثمة مسؤوليات أخرى، صغيرة بالمقارنة عند اعتبارها فرديا، ولكنها كبيرة كذلك بمجموعها، تقع على عاتق مجموعة أكبر، بل ربما تشمل كافة اللبنانيين والمقيمين في لبنان في بعض أوجهها.
فالاستفادة من استهلاك الدين القسري المفروض على الأجيال اللبنانية اللاحقة لا تقتصر على الطبقة السياسية والمالية وكبار المودعين. من المودعين الصغار إلى كل من راقه التثبيت الاعتباطي لسعر صرف العملة الوطنية، الجميع متورطون، والجميع شركاء، سواء أدركوا أو غفلوا.
والأمر لا يقتصر على ما للمواطن العادي فيه حيلة. هي الحاجة والعوز أحيانا، ولكنها أيضا "الشطارة" ومنطق "ما وقفت عليّ". ووقائع ودوافع وتبريرات حصيلتها أن قسم كبير من اللبنانيين قد رضي بأن يستفيد من الزعيم ومن الإقطاع، بل قد سعى للحصول على مكاسب وامتيازات خارج الإطار المفترض. إلى حد أن "الإطار المفترض" نفسه أمسى بالفعل الزبائنية و "الواسطة".
الإجماع في مواقف اللبنانيين هو أن الطبقة السياسية بكاملها فاسدة. ثم يحدث لدى الغالبية بعض التمييز، بين الفساد الفج الوقح المتأصل لدى بعض المسؤولين والسياسيين، والفساد الذي هو أقرب إلى التجاوزات التي اضطر إليها البعض الآخر من هؤلاء، كي لا يترك الساحة للأفظاظ بفسادهم، عساه يمرّر بعض المكاسب لجمهوره.
التمني والرجاء أن تؤسس الانتخابات المقبلة لبروز طبقة جديدة من السياسيين. في صفوف الآخرين. مع محافظة صاحب المقام لدينا على مقامه
وهذا القليل الذي تمّ تمريره، سواء كان الإصرار على مشروع يخدم الجماعة المعنية أو الطائفة، أو تعيينات وتوظيف ودفاع عن "حقوق" فئوية، ليس فسادا بل هو استحصال ولو جزئي على المستحقات المهدورة. فالصرخة والإصرار بأن يسقط جميع السياسيين. شرط أن يسقط زعماء الآخرين قبل أن يرحل زعماؤنا. وعند الاستحقاق الانتخابي، مع المطالبة المدوية برحيل الجميع، المصلحة الذاتية، والقناعة المقنّعة بالموضوعية، تقتضي أن يبقى من نحن تحت مظلّته وأن يرحل غيره.
وهذا التصوير لواقع الحال لا يبدو أنه موضع خلاف كبير في أوساط الناشطين على مواقع التواصل. نعم، الجميع متوّهم بأن من يدعمه ضمن الطبقة السياسية مختلف، والجميع على خطأ. "كلّن يعني كلّن". ولكن دون التعرض للمقامات. أي باستثناء سماحة السيد طبعا. أو الشيخ سعد. أو الحكيم، أو فخامة الرئيس. ولا يصح بتاتا الخلط بين صدقه وسجله ورصيده المعنوي وبين الفساد الذي بذل الجهد الصادق لمنعه أو مواجهته.
فالتمني والرجاء أن تؤسس الانتخابات المقبلة لبروز طبقة جديدة من السياسيين. في صفوف الآخرين. مع محافظة صاحب المقام لدينا على مقامه.
لا سبيل لتجاوز هذا المنطق من دون الإقرار بالمسؤولية الحقيقية للمواطن كما للزعيم. لا مساواة هنا بين مكاسب هذا وذاك، وليس في الأمر تشتيت لوجوب الاقتصاص واستعادة المنهوب. ولكن، بغياب المصارحة لا سبيل للمصالحة، لا مع الذات ولا مع الآخر.
ثورة 17 أكتوبر كانت بالفعل تحقيق للتواصل الأفقي، القائم على إدراك الجوامع الوطنية والمصالح المشتركة، وعلى قصور الفرز العمودي الطائفي ومخاطره. هي رصيد يبقى حاضرا للبناء عليه، ولكنها تبقى عرضة للتنفيس ما لم تصاحبها مراجعات، لا تخفف من المسؤوليات الكبيرة للطبقة الحاكمة، ولكنها تقرّ كذلك بالمسؤوليات الصغيرة للآخرين، سعيا إلى الطروحات والقراءات التي لا تعيد إنتاج الإقطاع.

