قبل وادي عربة وأوسلو، وهما حاصل مخاض "غزة أريحا" التي كانت بديلا شرعيا وليس وحيدا عن مؤتمر مدريد الدولي، قبل كل ذلك وذاك، كان من هم في جيلي وأكبر، يستمعون إلى الإذاعة الأردنية كل يوم، ومن كانوا من غرب النهر تحديدا، كان برنامجهم اليومي على تلك الإذاعة تقدمه سيدة مقدسية صوتها كان مألوفا لأغلب الفلسطينيين، اسمها "كوثر النشاشيبي" رحمها الله، وكان برنامجها اليومي اسمه "رسائل شوق" تبدأ شارته بأغنية فيروز "جايبلي سلام" وتبدأ السيدة كوثر بعدها وبصوتها الدافئ تقرأ برقيات ورسائل الناس العاديين جدا بين ضفتي نهر الأردن، شرقا وغربا.
يقال، إن قسما للرصد الأمني تم تخصيصه في أجهزة الأمن الإسرائيلي لمتابعة البرنامج لأن بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كانت ترسل الرسائل المشفرة إلى الضفة الغربية، ويقال إن المخابرات الأردنية أيضا كانت ترصد كل ما يرد إلى برنامج "رسائل شوق" خوفا من رسائل ليس فيها أي شوق.
كانت الضفة الغربية فعليا تحت ما يسمى إدارة الاحتلال، وهي إدارة عسكرية إسرائيلية تتبع وزير الدفاع ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن ضمن مهامها إدارة الشؤون المدنية في الأراضي المحتلة، كذلك التنسيق الأمني مع الأردن، الذي كان لا يزال يدير الأوقاف الدينية ومؤسسات مدنية خدماتية تابعة للحكومة الأردنية، هي ما تبقى من إدارات مدنية كانت ضمن إدارة حكومة المملكة الأردنية الهاشمية قبل يونيو 1967، بحكم أن الضفة الغربية جزء من المملكة الأردنية الهاشمية حسب الدستور الأردني نفسه، ورغم كل المناكفات السياسية التي كانت تدور رحاها بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية التي سعت منذ نشأتها إلى أن تنتزع اعترافا دوليا وعربيا وأردنيا بأنها الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهو ما كان الملك الأردني الراحل حسين يحاول دفعه بعيدا، بقناعة راسخة لديه أن التخلي عن السيادة الأردنية في الضفة ووضعها في يد "منظمة" غير معترف بها كدولة كاملة السيادة سيضع كامل الأرض المحتلة في مهب المجهول بلا نسب، ضمن قواعد وأصول القانون والعلاقات الدولية.
الأردن واقعيا وفعليا خسر ضفته الغربية في حرب يونيو 1967، ومطالب باستعادة سيادته "الدستورية" عليها ضمن القانون الدولي
فعليا، وعلى أرض الواقع، كانت الحركة على الجسر (جسر الملك حسين ـ جسر اللنبي) بين شرق النهر الصغير وغربه نشطة في تنقل الأفراد والبضائع، وضمن إشراف أمني إسرائيلي ـ أردني، وكانت تلك الحركة رغم الاحتلال، هي ذاتها التي يحتاج أي شخص من عمان أو الزرقاء أو إربد شرق النهر أن يأخذها للذهاب إلى مقصده في أي مدينة أو قرية غرب النهر. وفعليا وعلى أرض الواقع أيضا، لم يكن أي عابر للجسر بالاتجاهين أن يضطر إلى تصريف العملة، فالدينار الأردني بقي سائدا في الضفة الغربية في التعاملات المالية بين الناس رغم الاحتلال.
كان هذا فعليا وعلى أرض الواقع قبل الاحتلال وبعده حتى توقيع اتفاق "أوسلو"! وبينما كان ذلك واقعا فعليا كانت قيادات منظمة التحرير الفلسطينية تقاتل قتالا موازيا لنضالاتها "من أجل تحرير الأرض والإنسان" في ساحة انتزاع الضفة الغربية من السيادة الأردنية أمام المحافل الدولية، تلك السيادة التي قام من أجلها قرار مجلس الأمن الدولي 242، بعد احتلال إسرائيل لأراضي في الجولان السورية وسيناء المصرية والضفة الغربية الأردنية.
ما حصل بعدها، أن عبقرية مناضلي "تحرير الأرض والإنسان" ارتأوا أن تحرير تلك الأرض وهذا الإنسان يبدأ في غزة جنوبا، وأريحا شمالا في عمق الغور (الأردني نسبة للنهر).
وكان أن بنيت اتفاقيات أوسلو وسلطة الحكم الذاتي على أسس فكرة "غزة ـ أريحا" أولا، وتفاءل الكل بدولة فلسطينية مستقلة يتم إقرارها في مفاوضات الحل النهائي مع إسرائيل. قامت السلطة، وبقيت الضفة تحت الاحتلال، وها نحن اليوم في عام 2020، نتأكد أن لا مفاوضات حل نهائي ولا أي حل لدولتين، فإسرائيل لا ترى في سلطة الحكم الذاتي بكل "مناضليها من أجل تحرير الأرض والإنسان" ما يؤهلها لتكون شريكا في أي مفاوضات، وفعليا وعلى أرض الواقع، فإن السلطة وهي وريث منظمة التحرير الفلسطينية، لا تستطيع أن تعقد اتفاقا ـ ولو بالحد الأدنى ـ مع حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" التي طردت مناضلي "فتح والمنظمة" واستولت على حكم القطاع المعزول بقوة السلاح.
فعليا ـ مرة أخرى ـ وعلى أرض الواقع، سقطت اتفاقية أوسلو، وبالضرورة والتبعية لها، تصبح سلطة الحكم الذاتي نفسها ساقطة منتهية الصلاحية، وهي وريث منظمة التحرير الفلسطينية التي أسقط قائدها التاريخي المرحوم ياسر عرفات عام 1989 ميثاقها الوطني للتحرير مستخدما الكلمة الفرنسية " C’est Caduc" ـ كادوك، بمعنى أنه باطل أو مر عليه الزمن.
ما لم يسقط حتى اليوم، فعليا وعلى أرض الواقع، هو قرار مجلس الأمن الدولي 242، الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراض محتلة في يونيو عام 1967.
♦♦♦
تعلن إسرائيل نيتها المتكررة، لضم الضفة الغربية، وهو ما يخالف القانون الدولي بوضوح لا التباسات فيه، لكن إسرائيل لا ترى "شريكا" أمامها تفاوضه على الضفة الغربية.
وحاليا، تدير إسرائيل "فعليا وعلى أرض الواقع" شؤون الضفة الغربية والقطاع إدارة احتلال عسكري، من خلال وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي حسب تعريفها الرسمي المعلن " الهيئة المكلفة تطبيق سياسة الحكومة في أراضي يهودا، السامرة وغزة"!
وتلك الوحدة تتبع وزير الدفاع كما أنها عضو في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي. تلك الوحدة، معروفة اختصارا لدى الجميع بكلمة واحدة: "المنسق".
ولو قمت الآن وفتحت موقع فيسبوك، وكتبت في خانة البحث كلمة : "المنسق"، لقادك البحث بدون تعب إلى صفحة رسمية لتلك الوحدة، بواقع أكثر من نصف مليون فلسطيني منضمين إليها، والتفاعل فيها مفتوح لغير المنضمين رسميا، بمعنى أن تفاصيل معيشة ويوميات سكان الضفة الغربية وقطاع غزة هي حالة تفاعلية يومية على تلك الصفحة في موقع فيسبوك، ويمكن لك أن ترى الإعلانات الرسمية الإسرائيلية فيما يخص المعابر والتصاريح التجارية وكل ما يتعلق بحياة الفلسطينيين في تلك الصفحة، بل وإن أردت الاستزادة فلك أن تقرأ التعليقات (حتى لو كانت على إدراج صورة للراحلة رجاء الجداوي التي لم ينس المنسق التعزية بها)، لتجد الأسئلة المتكررة الموجهة للمنسق والمتعلقة بضروريات حياة الفلسطينيين تحت إدارة الاحتلال الإسرائيلي.
تكتشف بعد جولة بسيطة أن صفحة المنسق التابعة للجيش الإسرائيلي، تدير الضفة والقطاع أكثر من كل مؤسسات السلطة، وأن الفلسطينيين فعليا وعلى أرض الواقع يأخذون صفحة المنسق بجدية أكثر بكثير من "نكتة" السلطة الوطنية الفلسطينية وقياداتها.
وفي تلك الصفحة "الرسمية والجادة جدا" وباللغة العربية التي لا يوجد فيها أي خطأ يمكن لك أن تقرأ مهام الوحدة بما نصه:
"تتولى الوحدة تطبيق وتعزيز سياسة حكومة إسرائيل في كافة المجالات المدنية، وتنحصر مهامها في:
• تدعيم النشاطات الإنسانية.
• تعزيز المشاريع الاقتصادية والبنى التحتية في منطقة يهودا، السامرة وقطاع غزة.
• تتولى مهمة التنسيق والارتباط مع السلطة الفلسطينية والسكان الفلسطينيين في يهودا، السامرة وقطاع غزة.
• تتعاون مع المنظمات الدولية العاملة في يهودا، السامرة وقطاع غزة، بهدف تعزيز المشاريع في مجالات البنى التحتية، التعليم، الصحة، الإسكان والمساهمة بمشاريع إنسانية.
فعليا وعلى أرض الواقع، سقطت اتفاقية أوسلو، وبالضرورة والتبعية لها، تصبح سلطة الحكم الذاتي نفسها ساقطة منتهية الصلاحية
• تتحمل مديرية التنسيق والارتباط مسؤولية تنظيم النقل التجاري والشخصي عبر المعابر وفقا لإجراءات التنسيق المدني. اذ تهتم بإصدار التصاريح لإدخال السلع عبر المعابر البرية المختلفة، وترتيب دخول وخروج مواطنين من وإلى قطاع غزة، خصوصا المرضى الذين بحاجة إلى علاج طبي في إسرائيل.
• التواصل مع منظمات وهيئات دولية والتعاون الوثيق معها في إطار المساعدات الإنسانية وتعزيز المشاريع في أراضي يهودا والسامرة.
• ترويج مشاريع المجتمع الدولي وكذلك تنسيق الأنشطة والمساعدة في مجالات الزراعة، المواصلات، الصناعة والتجارة.
• التعاون مع هيئات فلسطينية عبر ممثليات إقليمية في الألوية المختلفة (مديريات التنسيق والارتباط الإقليمية).
• هذا وتعتبر الإدارة المدنية مالكة الصلاحية في مناطق ”C“ في مجالات التخطيط، البناء والبنى التحتية إزاء السكان في المنطقة".
♦♦♦
في المحصلة:
اليوم، يتحدث الجميع عن نية إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية، في سياق خطة أكبر لضم كامل الضفة الغربية إلى إسرائيل.
ولا يزال هناك من يتحدث عن مشروع "الدولتين" الذي سقط فعليا بسقوط اتفاق "أوسلو" الذي لم تعد إسرائيل تعترف به.
من هنا، تصبح الإحالة إلى ما قبل أوسلو ضرورة، بمعنى إحالة إلى ما اتفق عليه المجتمع الدولي باعتبار الضفة الغربية أراض محتلة، مثلها مثل الجولان وسيناء في حرب قامت في يونيو عام 1967، وتم وقفها بقرار مجلس الأمن الدولي "338" آنذاك.
وعليه، فالأردن "رسميا" مدعو للتحرك بهذا الاتجاه، وبعيدا عن العبث التاريخي "لمناضلي تحرير الأرض والإنسان" القابعين في رام الله، ومزايدات "الترف الفكري المتعصب" لمن يطالبون في شرق النهر بتكريس فصل الضفة الغربية عن المملكة، فإن الأردن واقعيا وفعليا خسر ضفته الغربية في حرب يونيو 1967، ومطالب باستعادة سيادته "الدستورية" عليها ضمن القانون الدولي، ولا تملك حكومة نتانياهو حينها أن تقول بأن المملكة الأردنية الهاشمية ليست شريك سلام.
نحن أمام قرارات دولية لا تزال صالحة وفاعلة ولم يتم تنفيذها، وأمام دستور مملكة لم يتم تغيير أساسه الذي قام كيان الدولة عليه، وجغرافيا محتلة بسكانها، والأمر كذلك يصبح المطالبة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ما بعد حرب يونيو 1967 حقا للدولة الأردنية فيما يتعلق بالضفة الغربية، أما حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، فهذا حق مقدس لكنه واجب التنفيذ بعد تحرير "الأرض والإنسان" فعليا وعلى أرض الواقع وضمن شرعية دولية لا تتحمل ترف الإنشاء الزائف.