كان لي زميل يشكو، دائما، من لقاءاته مع بعض كبار السياسيين، لأنه، كما كان يقول، فهو يدخل إلى مكاتبهم يعرف شيئا، ليجد نفسه، وهو يخرج منها، أنه لم يعد يعرف شيئا.
وفي أحد المرّات جاءني مهللا، وأبلغني أنه حل لغز "عدم إنتاجية" اللقاءات التي يعقدها مع هؤلاء.
سألته عن هذا الاكتشاف الذي يُسعده كثيرا، فأجابني:
- " تبيّن لي أنهم هم لا يعرفون شيئا".
بدا لي أن النتيجة التي توصّل إليها "كاريكاتورية"، خصوصا أن من يستهدفهم في كلامه يصنّفون في خانة "الصف الأول" من السياسيين، فجزم لي بأن هؤلاء ومن معهم، يملؤون أوقاتهم بشتى أنواع الثرثرات، منتظرين القرارات التي تأتيهم من هنا أو هناك، وهي في غالبية الأحيان، تأتي متعارضة مع ثرثراتهم.
تذكرتُ ذلك، عندما أبلغني مؤخرا أحد الأصدقاء أن وزيرا في الحكومة الحالية، تربطه به علاقة قديمة ومتينة، يُفكّر جديا بالاستقالة، "لا بل، لقد بدأ في كتابتها".
في شرح خلفيات هذه الاستقالة المحتمَلة، يتبيّن أنّ الوزير الذي أمّنني صديقي على إبقاء اسمه كما كل ما يُمكن أن يشير إليه، طي الكتمان ـ حارما إياي بذلك من واحدة من أهم صفات الصحفيين الذين يُفترض بهم أن يكونوا أوفياء للخبر على حساب البشر ـ مستاء من أنه يتعهّد، في الصباح، بقرار له تبعات على البلاد، فتّتخذ الحكومة، في المساء، قرارا مناقضا، وأنّ غالبية الوزراء، كلّما تمّ طرح موضوع على التصويت، تتلقّى تعليمات مكتوبة للتصويت بهذا الاتجاه أو ذاك، ولو كان معارضا لرؤيتها للمصلحة العامة، وأن رئيس الحكومة اللبنانية حسّان دياب الذي لا يهتم إلا في تحويل مجلس الوزراء الى منصة للدفاع عن نفسه حينا والانتقام لها حينا آخر، "يكاد لا يعرف لا المكان ولا الزمان اللذين يعيش فيهما".
إن السياسيين اللبنانيين، بمن فيهم هؤلاء المصنّفون في خانة حلفاء الحزب، باتوا على قناعة إن نصرالله يُكثر من طرح الاقتراحات، حتى يتجنّب كل بحث في الحل الوحيد، وهو تغيير سلوكه الإقليمي "شرقا
ومن يتأمّل بالحفرة التي وقع فيها لبنان واللبنانيون، يدرك أن زميلي كان محقا.
وقد اختبر كثيرون، على مدى السنوات السابقة، أن المسؤولين، على مختلف مستوياتهم، كانوا يثورون على جميع من حاول أن يتقاسم معهم معلومات عن إمكان وصول لبنان إلى كارثة مالية واقتصادية واجتماعية، ويتعاطون معه، كما لو كان يتحدّث عن تمنيات، ولا يسعى الى مناقشة معلومات ثابتة، بهدف رسم سيناريوهات إنقاذية ووقائية.
وهذا الاختبار، لا يقتصر على "الغرف المغلقة" فالأرشيف الإعلامي يتضمّن الكثير من الأدلة على هذا المنهج الذي طالما سعى الى التستر على الحقائق المرّة بالشعارات الحلوة، حينا وبالتهديد، بقانون العقوبات، حينا آخر.
في واقع الحال، إن أكثر ما يُبكي في لبنان هو أن ما حصل فيه مضحك!
ولنأخذ، مثالا على ذلك، الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله.
وهذا ليس مثالا يتم انتقاؤه عشوائيا، بل عن سابق تصوّر وتصميم، إذ إنه، منذ فترة، يُصرّ على تقديم نفسه خبيرا ماليا واقتصاديا ودستوريا وقانونيا، فيعطي توجيهاته، عن الشاشة، للحكومة التي يحميها، وللجماهير التي "يمون عليها"، وللقضاة الذين يرسم ملامحهم النموذجية، وللتجار والمصارف والهيئات الاقتصادية.
يعرف نصرالله، أكثر من غيره، أن حزبه، بسلاحه ودوره وارتباطاته، ولّاد مشاكل للبنان، ليس على قاعدة التعامل معه كتنظيم إرهابي "يفرض" على لبنان الحكومة التي تناسبه، فحسب، بل أيضا، على قاعدة أن اشتراكه في "حروب الآخرين" يُفقد لبنان الجاذبية الاستثمارية التي تتطلّب نأيا بالبلاد عن حروب الإقليم وصراعات المحاور.
ويعرف نصرالله، أكثر من غيره أيضا، أن بداية الحل الحقيقي لأزمة لبنان، تتطلب اقتناعا من حزبه، بوجوب تغيير سلوكه الإقليمي.
وعلى قاعدة هذه المعرفة، يتدحرج نصرالله في طرح الاقتراحات، ليس على اعتبار أنّها "جلّابة حلول"، بل على أساس أنها صالحة لـ"التغبيش" على المشاكل التي يتسبّب بها حزبه.
مع بدء تدخلّه بالحرب السورية وما تركه من انعكاسات سلبية على الجاذبية السياحية للبنان، أطل "حزب الله" معلنا رفضه للنموذج السياحي اللبناني، ومن ثم مع انخفاض جاذبية النظام المصرفي للودائع، شنّ "حزب الله" هجوما على النموذج المصرفي اللبناني الذي يعتبر رائدا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومع بدء المشاكل المالية والاقتصادية في لبنان، أعلن نصرالله "المقاومة على الفساد" وسمّى أحد النواب المنتمين لكتلة حزبه البرلمانية "قائدا ميدانيا" لها. وكانت هذه محاولة "تغبيشية" لإشاحة النظر عن المواقف والقرارات الدولية التي تحمّل الحزب مسؤولية هذه المشاكل التي تجلّت بتجميد الدول الخليجية كل دعم للبلاد، وابتعاد بيوت الاستثمار العالمية عن لبنان.
ومع تفاقم الأزمة، سعى نصرالله إلى تحميل التجار والمصارف المسؤولية، معتبرا أن الحلول المالية والاقتصادية تكمن في العظات الأخلاقية.
ومع انهيار البلاد، وبعدما اتّضح دور "حزب الله" في توليد المشاكل، ابتدع نصرالله نظرية "التوجه شرقا"، معتبرا أن خلاص لبنان يكمن في سوريا المعاقبة والعراق المضرّج بالدماء وإيران التي يتآكلها الفقر، والصين التي تفتش عن استثمارات منتجة ومستقرة.
ومع بدء الجوع في طرق أبواب اللبنانيين، أعلن نصرالله، بعد تراجع نوعي عن حصرية التوجّه شرقا، "المقاومة الزراعية والصناعية" التي يؤكد الخبراء أنّها لن تكون، ولأسباب علمية، أقل عقما من إعلان "مقاومة الفساد"، على اعتبار أن تعزيز بعض أسس الاقتصاد في لبنان، لا يمكن أن يلغي الكارثة التي يتسبب بها إنهاء الأسس الأخرى الثابتة والتاريخية والمنتجة، كالخدمات والسياحة والمصارف.
شعار "المعول والبندقية"، لن تكون انعكاساته على اللبنانيين، أكثر ممّا كانت انعكاسات "المنجل والمطرقة" على شعب الاتحاد السوفياتي
إن السياسيين اللبنانيين، بمن فيهم هؤلاء المصنّفون في خانة حلفاء الحزب، باتوا على قناعة إن نصرالله يُكثر من طرح الاقتراحات، حتى يتجنّب كل بحث في الحل الوحيد، وهو تغيير سلوكه الإقليمي "شرقا".
و"شبه الإجماع " اللبناني هذا، تجلّى في الكلام الأخير للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الذي رفع عاليا، عشية حلول المئوية الأولى لإعلان "لبنان الكبير"، لواء "تحييد البلاد"، مخرجا بذلك بكركي من "حياد وطني" مؤذ، استمرّ منذ استقالة البطريرك الراحل الكاردينال نصرالله صفير الذي كان قد حوّل بكركي إلى مظلة حمت المطلب الوطني، بإخراج الجيش السوري من لبنان.
إن تعزيز الزراعة والصناعة، بما يتلاءم مع طبيعة لبنان وحجمه وموقعه، مسألة في غاية الأهمية، ولكنّ اعتباره "تعويض" عن خسارة لبنان لمزاياه النوعية الأخرى، هو ضرب من الشعوذة الاقتصادية.
إن لبنان يحتاج للخروج من مأساته إلى تضافر كل العوامل الإيجابية، وفي مقدّمها حسم وجهة استعمال سلاح "حزب الله"، فالتسليم الوطني، عن قناعة أو عن ضعف، بأنّ مصيره برسم الإقليم، لا يُلغي وجوب تسليم نصرالله، عن قناعة أو عن ضعف، بأن مصير اللبنانيين مرتبط بإخراج سلاحه من اللعبة الإقليمية.
شعار "المعول والبندقية"، لن تكون انعكاساته على اللبنانيين، أكثر ممّا كانت انعكاسات "المنجل والمطرقة" على شعب الاتحاد السوفياتي، مع الفارق الهائل في الحجم والمساحة والمواد الأوّلية وطبيعة النظام.

