A man sails in the South Bay in Miami Beach, Florida on July 2, 2020. - Florida on Thursday reported a record of more than 10…
إن مشكلة الإنسان ليست مع الله ولم تكن يوما كذلك، ولكنها مع نفسه. إن الإنسان

لعله أمر مؤسف أن هناك من يحاول باستمرار أن يختطف الله أو يصادره لحسابه، أو ينطق باسمه أو يعتبر نفسه مالكا حصريا له أو يؤسس لمفهوم الرحمة الإلهية المحدودة بجماعة من البشر أو المشروطة باعتقادات معينة.

أقول إنه أمر مؤسف، لأنه لا أحد يملك هذا الحق، مهما كان الدين الذي يتبعه أو الاعتقاد الذي يؤمن به، الحقيقة أن الله لا يمكن أن يكون مسؤولا عن هذه الأديان والاعتقادات، وعلاقته بها لا تخرج عن أو تتعدى إطار أنها هي من تنسب نفسها إلى الله، وليس العكس. ولا يوجد دليل يخالف ذلك من خارج دائرة الدين أو الاعتقاد نفسه. أي لا يوجد دليل مستقل.

استحالة المعرفة

إن مشكلة الإنسان ليست مع الله ولم تكن يوما كذلك، ولكنها مع نفسه. إن الإنسان، بصورة عامة، لا يعرف الله فكيف تكون له مشكلة مع ما لا يعرفه. هو يفترض بأنه يعرف الله ولكن هذا مجرد افتراض. أما الحقيقة فإن ما يعرفه هو تصوره عن الله. وحتى هذا التصور هو لم يخلقه بنفسه، وإنما تكوّن عنده مما سمعه أو قرأه عند الآخرين وطوره فيما بعد وفق مقاسه وما تسمح به مخيلته. بمعنى آخر فإن ما يعرفه معظم الناس عن الله هو ليس نتاج تجربتهم الشخصية، وإنما نتاج احتكاكهم بغيرهم من البشر.

الطريق الوحيد، إذا كان ثمة طريق، لإدراك الله (وليس معرفته)، لمن أراد، هو الطريق الفردي أو طريق التجربة الشخصية

وهذه المعرفة للأسف عادة ما تحل محل التجربة الشخصية وتتماهى معها، لدرجة أن الإنسان يصدق نفسه وهو يتحدث عن الله، من دون أن يدري بأن ما يقوله ليس سوى تصورات وأفكار أخذها من آخرين، أخذوها بدورهم ممن سبقهم وهكذا.

أقول ذلك، لأن معرفة الله تستحيل من خلال استخدام حواسنا، بما في ذلك العقل. الحواس مفيدة ونافعة عندما يتعلق الأمر بمظاهر الوجود المادي، ولكنها محدودة عندما يتعلق الأمر بما هو خارج هذه المظاهر.

التجربة الشخصية

هل سبق لك أن تمكنت من وضع ما تحسه أو تشعر به في كلمات أو نقلتها لشخص آخر بصورة استطاع معها أن يشاركك نفس الشعور أو الإحساس في الوقت نفسه؟

وحتى عندما تظن بأن ذلك يحدث، وهو لا يحدث، فالواقع أنك لن تكون متأكدا من أن ما يشعر به الشخص الآخر هو نفس الشعور الذي حدث لك. فلا يوجد لديك ما يمكن أن تقيس به أو عليه.

مسألة الشعور، مثل مسألة حديث القلب، مثل الحديث عن الله. الإنسان لا يتمكن من الوصول لها إلا من خلال تجربته الشخصية. وأقصد بتجربته الشخصية، ما يحدث له داخل نفسه من مشاعر وأحاسيس وحالات ذوقية، إذا جاز التعبير، وليس شيئا يأتي إليه من الخارج. وحتى في هذه الحالة فإنه يعجز عن وضع ذلك كله في كلمات أو نقلها إلى غيره من البشر. لأن اللغة محدودة وعاجزة. كل ما يستطيع الآخرون أن يروه منه، هو انعكاس تلك التجربة على هيئة الإنسان أو حديثه أو أفعاله أو حضوره. أو كما في القول المأثور "اجعل الله واقعا يجعلك حقيقة".

اعرف نفسك

ولهذا السبب قلت إن مشكلة الإنسان ليست مع الله ولكن مع نفسه. فنفس الإنسان هي أقرب إليه من جميع الأشياء. وإذا لم يعرف الإنسان نفسه فمن المستحيل أن يعرف أي شيء آخر. ومعرفة نفس الإنسان تقربه من معرفة الله، بل هي مفتاح هذه المعرفة، كما قيل في الأثر "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

مسألة الشعور، مثل مسألة حديث القلب، مثل الحديث عن الله. الإنسان لا يتمكن من الوصول لها إلا من خلال تجربته الشخصية

طبعا كلمة "المعرفة" هنا هي مجازية، لأنه لا يمكن معرفة الله. ولكن يمكن إدراك آثاره أو الشعور بها. وسبب عدم المعرفة هو أن الله لا يمكن أن يكون موضوعا للمعرفة، كما نفعل مع سائر الأشياء. فهو ليس في متناول حواسنا أو إدراكاتنا المادية. ولذلك ليس بإمكاننا دراسته أو تحليله أو استخلاص أي شيء حقيقي بشأنه.

كل ما يفعله الإنسان، بما في ذلك، النقاشات العقيمة بشأن وجود الله أو عدمه، هي مجرد "ضوضاء" ذهنية، وفي الغالب هي نقاشات عن التصورات البشرية لله، وليس عن الله نفسه.

القطرة والمحيط

الطريق الوحيد، إذا كان ثمة طريق، لإدراك الله (وليس معرفته)، لمن أراد، هو الطريق الفردي أو طريق التجربة الشخصية، سواء تلك التي تدعو إليها المدارس الروحانية، بما في ذلك الصوفية، أو عن طريق التطور الفردي الحر غير المرتبط بأية تعاليم أو مدارس.

فالإنسان لن يعرف الله مهما قرأ من كتب أو استمع إلى خطب أو درس على يد أي معلم. فهذه المجالات تعطي الإنسان معلومات قد تساعده، لكنها لا تعطيه الإدراك أو المعرفة الروحية. ويظل أفضلها هو ذاك الذي يشير إلينا بالطريق، لكنه لا يفرض الطريق علينا، بل يدعنا نسلكه بأنفسنا، من دون وصاية أو تحكم.

وحين نسلك الطريق فنحن في الواقع نبدأ في تشييد تجربتنا الشخصية، ونبدأ في رحلة التعرف على أنفسنا، وهي رحلة قد تقودنا إلى إدراك الله في أنفسنا. وإذا لم ندركه في أنفسنا فلا يمكن أن ندركه في أي مكان آخر. وحتى حين ندركه فلا يمكن أن ندعي تمثيله، لأنه كيف يمكن لقطرة أن تدعي أنها تمثل المحيط!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.