A girl stands near a woman on the rubble of a damaged building in the rebel-held town of Nairab, in northwest Syria's Idlib…
طفلة سورية تقف على ركام منزل مدمر في بلدة النيرب في إدلب

في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها السوريون منذ ما يقارب السنوات العشر، وتفاقم وطأتها في الآونة الأخيرة بسبب التأثيرات التي نجمت عن الإغلاق الاقتصادي إثر انتشار جائحة كورونا، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية الأخيرة، شهد الشارع السوري مؤخرا ارتفاعا ملحوظا في معدلات نسبة الجريمة. 

وتناقلت الصفحات الإعلامية الإلكترونية التي تنقل عن مصادر حكومية، ويتفاعل معها الرأي العام بشكل كبير، أخبارا عن عدد من الحوادث الجنائية والجرائم المروعة التي حدثت خلال فترة وجيزة زمنيا، وهي جرائم، وإن اعتقل بعض منفذيها، كما أن حدوثها أمر يمكن توقعه في ظل التدهور المعيشي غير المسبوق، إلا أنها تعتبر جرائم تشير إلى تهالك اجتماعي ينذر بالأسوأ، ليس عدديا فقط، بل نوعيا، وذلك قياسا لمنهجية تخطيط الجرائم، وآليات تنفيذها، الممعنة في الإجرام.

واحدة من الحوادث التي سجلت مؤخرا وتستحق التوقف عندها لخطورة دلالاتها، تتعلق بطفلة تم التبليغ عن فقدانها واحتمال تعرضها للخطف، ومن ثم ظهورها في منزل جدتها بعد يومين. وبحسب بيان وزارة الداخلية، ادعت الطفلة إقدام أشخاص على خطفها وزجها في سيارة /فان سوداء، وبعد التأكد من سلامة الطفلة من قبل الطبابة الشرعية والتوسع بالتحقيق، تبين أنها لم تكن مخطوفة، بل هاربة من منزل ذويها "نتيجة إقدام والدها على إجبارها على العمل معه من الصباح الباكر يوميا، وبسبب إرهاقها وتعبها، خططت للهروب والنوم في الشارع لمدة يومين، وجرح يدها بشفرة بجروح بسيطة، لإقناع ذويها بأنها كانت مخطوفة".

إما أن تتضافر الجهود الجدية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأطفال والفئات المهمشة والفقيرة أو أننا سنشهد في القريب سلسلة من الجرائم الحقيقية، منفذوها أطفال

الطفلة التي تبدو في صورتها المتداولة بأنها في حدود العاشرة من عمرها، هي في عمر الأزمة السورية، وضحيتها، وضحية الفقر الذي أجبر والدها على حرمانها من التعليم وتشغيلها، وضحية سلسلة طويلة من الظروف التي يدفع ثمنها الأطفال والنساء بشكل خاص، لكنها ليست الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة، في بلاد لا تعرف الراحة والرخاء والاستقرار، ولا تلوح بارقة أمل لتحسن قريب، أو تلوح أية بشائر لمستقبل أفضل.

الصغيرة التي خططت لعملية اختطاف متكاملة العناصر الجرمية، ابتداء من ابتكارها لأهمية عنصر وجود سيارة للخاطفين وتحديد نوعها ولونها، وتخطيط غيابها عن الأعين، وانتهاء بجرح يدها لتثبيت جرم الاختطاف، سينظر لها المجتمع على أنها طفلة بريئة بالمعنى العام، دفعها قهرها وشقاؤها إلى التفكير بالخلاص، وهو حقها؛ لكنه خلاص في المعنى العميق لم يكن سويا، لا تربويا ولا أخلاقيا، والسيناريو المحكم الذي رسمته بدهاء حول عملية اختطافها، يحمل بذور مخيلة خطيرة، قد تتطور مع تقدمها في العمر والنضج، وقد تتقدم مخططاتها المستقبلية إلى ما هو أكثر خطورة وجدية. 

كل هذا قد يحدث في حال لم تخضع لإعادة تأهيل ومراقبة وإشراف نفسي صارم، يمكن أن يساهم في تخليصها من العنف الكامن في داخلها، والذي ترجم هذه المرة ضد أذية نفسها، لكنه غير معروف أو مضمون لمن سيتوجه في المرات القادمة.

تمثيلية الاختطاف التي حبكتها هذه الصغيرة، لم تأت من فراغ أو من بنات أفكارها بالتأكيد، بل اقتبستها من سيناريوهات العنف الشديد الذي تحفل به العديد من الأفلام الأجنبية ومسلسلات الدراما العربية، التي باتت تتنافس في ضخ العنف في السنوات الأخيرة ويسمح للأطفال بمشاهدتها، واقتبستها من شيوع أجهزة الجوال في أيدي الأطفال، ودخولهم غير المراقب إلى فضاء الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، بما تنشره من مقاطع فيديو لعنف جسدي أو لفظي. 

أطفالنا اختطفت براءتهم، في هذه الأيام المتوحشة، التي لا تريد أن تنتهي

سيناريو اختطاف اقتبست وصاغت ملامحه بعفوية بتأثير من ضخ مستمر لنشرات الأخبار في بعض المحطات، التي تتبارى منذ سنوات في نشر مقاطع الفيديو العنيفة والمتوحشة التي تقوم بها الجماعات الإرهابية، إضافة إلى كل ما يمكن أن تتسبب به أخبار الحروب التي لا تتوقف في هذه البلاد، من تراكم عنف نفسي كامن، يولد عنفا مضادا، ويساهم في رسم ملامح شديدة القسوة للأجيال، يستسهلون فيها جرم القتل، وفظاعات الإرهاب.

تمثيلية الاختطاف التي حبكتها هذه الصغيرة، المسكينة، كان من الممكن أن تصبح حقيقية، بل وأكثر مأساوية بسبب بقائها وحيدة في الشارع ليومين، واحتمال تعرضها لتحرش أو اغتصاب أو قتل وسرقة أعضاء. 

والتعاطف مع مأساتها التي قادتها إلى فبركة اختطافها، مطلوب وضروري، لكنه لا يكون مجديا إذا بقي في إطار التعاطف، والمسؤولية في مثل هذه الحالات مسؤولية عامة، اجتماعية وقانونية وحكومية، تزداد الحاجة إلى تعزيزها يوما بعد يوم، فإما أن تتضافر الجهود الجدية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأطفال والفئات المهمشة والفقيرة، وتقديم الدعم الذي يمكن أن يخفف من عمالة الأطفال، وأصناف لا متناهية من أشكال قهرهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم، أو أننا سنشهد في القريب سلسلة من الجرائم الحقيقية، منفذوها أطفال، تحفل مخيلتهم، بسيناريوهات إجرامية أكثر قتامة، تبدو فيها تمثيلية الاختطاف مجرد مزاح.

أطفالنا اختطفت براءتهم، في هذه الأيام المتوحشة، التي لا تريد أن تنتهي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.