A woman lights a candle at the site where a man killed himself in Beirut, Lebanon July 3, 2020. REUTERS/Mohamed Azakir
إضاءة شموع في مكان انتحار علي الهق

تتخطانا الأحداث المأساوية التي تتسابق كمتوالية لوغاريتمية.  يوم الجمعة في الثالث من يوليو وقف المواطن اللبناني "علي الهق" على رصيف في شارع الحمرا مقابل مقهى الدونات بعد أن شرب قهوته، حاملا إخراج قيد يثبت أنه لبناني لا حكم عليه والعلم اللبناني ويافطة تقول: "أنا مش كافر.. بس الجوع كافر"، ثم أعلن: لبنان حر ومستقل؛ وأطلق رصاصة في فمه حريصا على تغطية وجهه عند سقوطه كي لا يجرح دمه مشاعر المارين. جاء الصليب الأحمر بعد حوالي ربع ساعة، لكن جثمانه بقي ممدا في الشمس 4 ساعات لعدم استقباله في مستشفى.

قدّم لنا علي صورة رمزية مكُثّفة للمشهد المأساوي اللبناني: ينتحر اللبناني، رغم إيمانه، لأنه عاطل عن العمل عاجز عن تأمين قوت عائلته في وطن لم يعد حرا ولا مستقلا. يقول: امتهنوا كرامتي. فلم يجد سوى مشهدية الانتحار، آملا أن يحرّكهم انتحاره.

في نفس اليوم انتحر سائق الفان، سامر حبلي، في صيدا. في اليوم الذي تلاه انتحر سائق فان آخر في صور وشخص رابع.

مساء تعرض المحامي المعارض الذي يفضح ملفات الفساد، واصف الحركة، للضرب المبرح إثر خروجه من إذاعة صوت لبنان.

حمل ليل ذلك النهار فيديو لأب قصد بطفله مقر شركة الكهرباء لتأمين التغذية لجهاز الطفل التنفسي.

في هذا اليوم اللبناني النموذجي، انتشر فيديو سيدة تتصل بالقصر الجمهوري، بيّ الكل، لتخبره: "جعنا، وعّوه، قولوا له الشعب اللبناني العظيم جاع. تصرخ وعّوه وعّوه.. جعنا".

ما تجعلنا السلطة نعيشه هو نموذج عن تفشي التفاهة وتأثير البروباغندا وشيوع الازدواجية والكذب

يوميا تتوالى مشاهد العوز كيفما توجهنا: أسير في شارع بلس بعد الغروب بقليل. تتقدم نحوي سيدتان لائقتا الملبس، عند محاذاتهما لي تسبق واحدتهما الأخرى بعد تبادل النظرات. تشير السيدة بإصبعها بشكل مبهم، فأتوقف لظني أنها تريد أن تسألني عن عنوان أو ما شابه، لكنها تتلعثم وتقول لي: بناتي، ولم أفهم باقي الجملة... اعترضتها غصّة. طبعا لم تعتد السيدة أن تطلب صدقة. تتكرر هذه المواقف التي تعتصر القلب يوميا.

أصل شارع الحمرا. أكثر من شخص يقترب في آخر لحظة: معك ألف (ليرة)؟ أو أعطيني ألف (ليرة، ما يعادل نحو 15 سنت أميركي حاليا).

مر بقربي شاب منتصب كالرمح، كأنه لاعب كرة سلة. لا ينظر إليك، يتطلع نحو أفق غائم يخصه. يسير باسطا يده التي تحمل علبتا علكة. يسير بشرود كالمنوّم...

انتشر عبر واتساب ما رواه زكريا العمر لصديقه: "قبل قليل، وأنا أسير بشارع سبيرز في الصنايع وهو شبه المعتم وخالي سوى من السيارات. انتبه لدراجة نارية يخفف السائق من سرعته بمحاذاتي. فجأة ينزل ويهجم عليّ بالسكين وقال لي إنه لا يردي أذيتي أو سرقتي، بل يريد بعض المال لأن جائع وأولاده في المنزل جائعون ولا يملك مالا لشراء الطعام لهم. طلب مني مالا أو أن نذهب سويا لشراء أغراض من المتجر. أعطيته ما أحمل من مال. أخذ المال، وذهب إلى دراجته، ثم ما لبث أن عاد ليعتذر ويبكي قائلا إن هذه أول مرة يقوم بأمر مشابه.. لكن أولاده جائعون".

في باص خال تماما سوى من السائق وراكب وحيد، يتبادلان الحديث، فيقول السائق: 
"والله العظيم سيارة متل المراية صاحبها بدو يبيعها بألفي دولار! عشرين مليون ليرة!". يقول له الراكب: "أنا بعت سيارتي الجديدة التي اشتريتها بـ 15 ألف دولار بألف دولار واحد، أي 10 مليون لأدفع قسط جامعة ابني. لو بقيوا معي ألم يكن أفضل لي؟". سألته: كنت ستضعها في البيت؟ انتبه وأجابني: "لا، كنت سأضعها في البنك وأتعرض للسرقة أيضا".

تعرضت صديقة لسرقة هاتفها في التاسعة ليلا في منطقة الحمرا فيما تحمله. وزع علينا فيديوهان، أحدها لرجل يشهر مسدسا ويطلب بعض مواد التطهير والتعقيم. الآخر لرجل طلب حفاضات طفل وحليب. يقال إن أكثر من 600 صيدلية تقفل أبوابها إما بسبب عدم قدرتها على متابعة العمل أو بسبب السرقات.

مستشفى بيروت الحكومي نفسه عجز عن تأمين الكهرباء لجميع أقسامه. يعلن لنا مسؤول في أوجيرو (المؤسسة الرسمية المسؤولة عن توفير الإنترنت في لبنان) أن الإنترنت سينقطع عن "البعض"، أي 2 في المئة من مستخدميه، لمدة قصيرة فقط! بسبب عدم القدرة على تغذية محطات التقوية في المناطق.

بعد أزمة الخبز ورفع سعره، تجسدت خطة "حزب الله" الاقتصادية: عرض ربطات خبز على بسطات تحمل صورة حسن نصرالله المبتسم: "طالما السيد موجود، ما حدا بجوع"!. تقول اللافتة التي وضعت على البسطة.

هذه هي كرامة المواطنين "المحفوظة" في لبنان المحرّر ممن كانوا يُعرفون بـ"المقاومة".
أشعر بالغضب والإهانة عندما أسمع أن الفقر وراء هذه المشاهد وأنه خلف حالات الانتحار. إنه اغتيال وإفقار وإذلال وسرقة. إنه الفساد الذي أوصل اللبناني إلى العوز واليأس والانتحار.

يقولون انتحر لأنه فقير. كأنها مسؤوليته. وكأنه القضاء والقدر. يصبح الفقر عاهة طبيعية لا يمكن الاعتراض عليها!

كلا. يجب رفض فكرة الاستسلام هذه أمام حالة إفقارنا. إنها مسؤولية الحكومة وسياساتها والحروب المفتوحة والحدود السائبة والنهب المبرمج الذي تسبب بالانهيار الاقتصادي.

كتب البعض: "علي الهق انتحر لأنه ذليل". لا يا سادة، لقد انتحر لمصادرتكم كرامته. انتحر لحفظ ما تبقى له منها. يريد "حزب الله" ومريدوه إقناعنا أننا نجوع لكن كرامتنا محفوظة. لا يا سادة، لا كرامة مع الجوع. كرامة الإنسان في تأمين حقوقه وليس في التغني بتحرير الحجر.

العنف الممارس علينا يوميا، والإفقار الذي تهينوننا، هما عدوا الكرامة الإنسانية. يعرف اللبناني حقوقه وهو بانتظار قضاء وقضاة شجعان لتطبيق العدالة، واسترجاع العدالة. الكرامة تحفظ بحماية الدستور وليس انتهاكه. تحفظ بتطبيق القرارات الدولية ليس فقط في الجنوب بل في الشرق أيضا، ودون تجزئة أو الخضوع لما يريده الحزب. تحفظ بتحقيق العدالة مع قرار محكمة الحريري الدولية المنتظر.

يجب رفض فكرة الاستسلام هذه أمام حالة إفقارنا. إنها مسؤولية الحكومة وسياساتها والحروب المفتوحة والحدود السائبة والنهب المبرمج الذي تسبب بالانهيار الاقتصادي

ما تجعلنا السلطة نعيشه هو نموذج عن تفشي التفاهة وتأثير البروباغندا وشيوع الازدواجية والكذب.

أخيرا، تحية للبطريرك الماروني الذي وقف ليطالب بحياد لبنان وباستعادة الشرعية. ولمن يستخدم فلسطين و"العدو" فزاعة لمصادرة وطننا لبنان، نقول فلتكفوا عن التشاطر والتلاعب. مساعدة فلسطين لا تتحقق بتدمير لبنان.

نقول للسلطات الحاكمة، إن لعبة التشاطر "la carteà" الممارسة لن تمر علينا، فعند مطالبة المسؤولين استبعاد شركة كرول للتدقيق المالي لصلتها المفترضة بإسرائيل، بينما يقفز بهم المرشد نحو الشرق وصولا إلى الصين (إذا ارتضت بنا)، التي تبلغ نسبة التعامل التجاري بينها وبين إسرائيل ١٤ مليار دولار، الأمر الذي أقلق أميركا نفسها، لأن التعاون يطال تحديدا ميدان الذكاء الاصطناعي والرقمي في أدواته كافة وليس أقلها تقنيات المراقبة والتوجيه وغيرها من أدوات التجسس!

لا تستغبوا اللبنانيين، سيستعيدون وطنهم وكرامتهم وثقافتهم التي أحيتها لجنة مهرجانات بعلبك وحظيت بشكر وتقدير معظم اللبنانيين الذين يريدون أن يحتفظوا بلبنانهم كمنارة للشرق لأنه الجسر مع الغرب. رغما عن أصحاب تلفزيون المنار.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.