A girl plays guitar and a couple kiss under a mural depicting William Shakespeare on the south bank of river Thames, as the…
ألَّف وليم شكسبير عديدا من المسرحيات التي وصفت فيما بعد وفاته بقرون على أنها سياسية

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو 2020. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

كم من معانٍ تربط الماضي بالمستقبل، وتمنحنا في الحاضر بصيرة تضيء الذهن والوجدان؟ كم من عمل فني يعالج واقعا أجنبيا يمكن أن يوحي بواقع آخر مغاير، ويسلط الضوء على بقع معتمة لم تخطر على بال الإنسان في خضم حياته اليومية؟ كم من إسقاطات يمكن أن تنجم عن مخيلة إبداعية في التراث القديم إذا أحسن استلهامها برؤية معاصرة؟ 

في الواقع، لا يقتصر الإسقاط السياسي على تصور مؤلف حديث يعيد كتابة أثر عظيم من آثار الماضي، بل تتفتح المعاني كبراعم زهور الربيع مع كل إحياء جديد يراعي شروط الزمان والمكان والجمهور الذي يخاطبه العمل الفني.

من منا لا يذكر ملحمة هوميروس "الأوديسة" ذات الأربع والعشرين جزءا، التي تلت ملحمته الأخرى الشهيرة "الإلياذة"؟ من منا نسي مغامرات بطلها يوليسيز، (أو كما يسمى بالعربية "أوليس")، بينما زوجته بينلوبي تؤجل قبول الخاطبين الذين يؤكدون لها موته، طامعين في الاقتران بها، فتعدهم بأن تتزوج أحدهم فقط حين تنهي نسج وشاح من الصوف، لكنها تفك قطبه في الليل كي يطول الزمن وهي تماطلهم في انتظار عودة زوجها الغائب؟ 

في الواقع، استوحى كثير من كتاب المسرح أعمالهم من التراجيديات الإغريقية، وأضفوا عليها إسقاطات سياسية واجتماعية معاصرة تنطبق على أحداث سياسية معاصرة في زمانهم وبيئتهم، اتجهت إلى نقد الاحتلال أو الطغيان، من النازية والفاشية حتى الديكتاتورية. 

نذكر من هؤلاء ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ يوجين أونيل في "الحِداد يليق بإلكترا"، جان كوكتو في "أنتيغون"، جان جيرودو في "إلكترا"، جان آنوي في "أنتيغون"، توفيق الحكيم في "الملك أوديب" وعديد سواهم. كذلك قصدت حين ألفت مسرحيتي "الحِداد يليق بأنتيغون" عن حرب أهلية تحركها أطماع السلطة، فتفتك بأمان وتماسك وطن، تحرق أغلى أبنائه كحطبٍ في أتون نارٍ عبثية. 

لا شك أن الحلاج هو شهيد الصوفية الأعظم، بحيث كتب عنه الشاعر الكبير الراحل صلاح عبد الصبور مسرحية تراجيدية رائعة

في الواقع، قاربت السينما ملحمة "الأوديسة"، ويذكر الجمهور بطلها يوليسيز بأداء النجم كيرك دوغلاس بشكل خاص، وما زال هذا العمل الملحمي الخالد يجتذب مقاربات أدبية وسينمائية وتلفزيونية متعددة. الأمر لا يقتصر على الأعمال الأجنبية العالمية وأصحابها، بل يسري على قدرٍ لا يستهان به من التاريخ والإبداع العربيين.

دعونا نأخذ مثالا من السينما المعاصرة، ففيلم "النمر الأسود" لم يحظَ بالنجاح الهائل الذي حققه داخل الولايات المتحدة وخارجها إلا نتيجة كونه يقدم ثقافة مغايرة. كذلك، كان من قبل شأن إدغار رايس بوروز، الذي كتب من خياله المحض روايات طرازان ورحلات إلى كواكب أخرى في الفضاء. كذلك كانت أعمال كاتب الخيال العلمي البريطاني وِلز، وزميله الفرنسي جول فيرن. هذا أيضا شأن بعض أعمال المخرج ستيفن سبيلبرغ في عصرنا الحديث، مثل فيلم "E. T." وفيلم "لقاءات قريبة من النوع الثالث".

ذات مرة، وجهت سؤالا لطالبة أجنبية في الصف الذي كنت أدرسه: "هل سمعت بالتصوف والمتصوفين؟" أجابتني: "قرأت رواية "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية أليف إشفاق عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي". قال آخر: "سمعت بعض الأشياء الغامضة، لكنني ـ بصراحة ـ لم أفهم معظمها". 

قلت: "سأحاول، إذن، أن ألخص لكم الجوهر باختصار وكثافة. وجد المتصوفون في الزهد سعادتهم، فعاشوا حياة بالغة البساطة والتقشف، مبتعدين كل البعد عن كل مظاهر الترف، قانعين بتكريس أنفسهم للإيمان والتأمل، ليكتشفوا بعد تلك الحياة التي كرسوها للبحث عن الله، أن صورة الله إنما تكمن في داخل الإنسان، لا خارجها، فتوحدوا معها". 

أبدت محدثتي دهشتها، وسألتني: "كيف ينظر المتصوفة إلى المال والأملاك المادية؟" أجبت قائلا: "المتصوفة أشخاص استثنائيون. بعضهم خُلدَّ ذكره، مثل محي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وأبو ذر الغفاري وشمس التبريزي والنفري والسيد البدوي وعبد القادر الجيلاني وفريد الدين العطار وسواهم ممن يتبعون فرقا ومذاهب سنية وشيعية مختلفة". 

سألتني جليستي: "وهل حظي جميع المتصوفة بالتقدير في زمانهم؟" ابتسمت بأسى وقلت: "للأسف، لا. بعضهم حظي بمريدين وبقيت أعمالهم خالدة حتى عصرنا الراهن. بالمقابل، أسيء فهم بعض أبرز رموز التصوف، وألَّب عليهم المتعصبون والمتطرفون والمستبدون عامة الناس، فاتهموهم بالكفر والإلحاد كما حدث مع منصور الحلاج، الذي نطق بجملته الشهيرة "أنا الحق"، فحوكم وأدين ظلما وبهتانا، وعوقب بأن بُترت يداه وقدماه، ثم أحرق حيا دون أن يهادن ظالميه. 

لا شك أن الحلاج هو شهيد الصوفية الأعظم، بحيث كتب عنه الشاعر الكبير الراحل صلاح عبد الصبور مسرحية تراجيدية رائعة. يشبه الحلاج بعض شهداء المسيحية من الفلاسفة الرواد مثل هيباتيا في الإسكندرية، التي تعرضت إلى مصير مأوساوي فظيع هي الأخرى، رغم كونها عالمة رياضيات وفيلسوفة مؤمنة". 

سألت محدثتي: "أليست هي التي أنتج الفيلم السينمائي "أغورا" عن قصة حياتها واستشهادها؟" أجبت: "هي بذاتها". ثم أضفت: "وكذلك تعرض ابن رشد إلى ظلم شنيع لأنه قال كلمة الحق. وهناك نماذج عدة لمفكرين ضحوا وعذبوا وأهينوا بسبب أفكارهم، فمات مضطهدوهم، وبقيت الأفكار حية لا تموت".

أردفت مستطردا عن كيف أحيى القاص السوري الشهير زكريا تامر قبل أن يفعل ممدوح عدوان شخصية طارق بن زياد بصورة مشابهة، وجعل العسس يوقفونه ليحاسبوه على إحراق السفن العائدة إلى الدولة، متناسين إنجازاته في فتح الأندلس بمبادرة شجاعة. هكذا صارت عبارة طارق بن زياد في خطابه الشهير: "البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فأين المفر؟" مثارا للتندر والسخرية حول زمن راهن وقعت فيه البطولة ضحية للبيروقراطية، وانعدم فيه احترام الشجاعة والإنجازات الوطنية. 

في ماضٍ بعيد أيضا، كتب الشاعر والمسرحي السوري الراحل محمد الماغوط مسرحيته الرائعة "المهرج" لتعرض في بيروت بفضل الفنان اللبناني المخضرم أنطوان كرباج، قبل أن تسمح بها الرقابة السورية بسنوات أن تنتج في دمشق. أجمل فصول مسرحية "المهرج" هو الفصل الثاني الذي يحيي فيه شخصية عبد الرحمن الداخل، وما يلبث أن يدفع به إلى العصر الحاضر ليلاقي من صنوف الإهانة والإذلال ما يجعل المسرحية تقترب كثيرا من مسرح العبث أو اللامعقول.

شرحت لطالبتي النجيبة لماذا كتب الصديق الشاعر والمسرحي السوري ممدوح عدوان رائعته المسرحية "كيف تركت السيف؟" ليحيي شخصية أبي ذر الغفاري في عصرنا الراهن، بحيث جعله يتعرض إلى الإذلال من قوى تزعم القيام بحماية أمن الدولة. إذا كان الصوفي نصير الفقراء والمؤمن بمبادئ العدل والإنسانية عرضة لهذه المهانة، فما بالنا بالمواطن العادي المسكين؟ ذكرت نقلا عن أبي ذر الغفاري قوله الشهير: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس حاملا سيفه؟" هذه العبارة أسندت أيضا إلى الإمام علي بن أبي طالب، لكن المرجح أن قائلها هو أبو ذر، بينما المؤكد أن الإمام علي هو صاحب العبارة الشبيهة: "لو كان الفقر رجلا، لقتلته".

ألَّف وليم شكسبير عديدا من المسرحيات التي وصفت فيما بعد وفاته بقرون على أنها سياسية. حملت بعض تلك المسرحيات تفسيرات وإسقاطات لم تخطر على بال شكسبير في عصره، حين كان يستقي موضوعات مسرحياته من مصادر مؤرخين معروفين مثل هولنشيد وبلوتارك، بحيث كان يقارب في بعض أعماله التاريخ بأمانة لتصنف على أنها "تاريخية"، بينما يغني التاريخ بخياله الدرامي الواسع في بعضها الآخر ويبدع تراجيديات مؤثرة على مرِّ العصور. 

نزعة عديد من الدول التي ما زالت تعيش في ظل أنظمة شمولية هي الرد على منتقديها متهمة إياهم بأنهم "متحاملون"، وأن مقولاتهم "مسيسة" و"مغرضة"

بالتأكيد، لم يكن شكسبير يتخيل أن مسرحياته ستترجم لاحقا إلى مختلف لغات العالم، وستمثل بالألمانية والفرنسية والإسبانية والعربية والروسية واليابانية وسواها، بل ستقتبس إلى أفلام بشتى الأشكال القديمة والحديثة. نذكر من بين الاقتباسات السينمائية الشهيرة والمتنوعة عن شكسبير "ريتشارد الثالث" البريطاني من إخراج وبطولة لورنس أوليفييه، "عرش الدم" الياباني من إخراج أكيرا كوروساوا، "قصة الحي الغربي" الأميركي المستلهم عن مسرحيته "روميو وجولييت" من إخراج جيروم روبنز وروبرت وايز، "الملك لير" الروسي من إخراج غريغوري كوزنيتسيف، "ترويض الشرسة" من إخراج الإيطالي فرانكو زيفريللي وبطولة إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون، و"هاملت" من إخراج وبطولة الممثل والمخرج البريطاني كينيث براناه.

لم تعد هناك دولة معزولة عن العالم في عصر الإنترنت والفضائيات حتى لو كانت جزيرة نائية. لم يعد بإمكان أي زعيم الادعاء بأن ما يفعله داخل حدود مملكته هو شأنه الخاص، وأن المجتمع الدولي لا يملك حق مساءلته حوله. تلاشى هذا منذ صار العالم قرية صغيرة تحكمها التكنولوجيا من موبايل وكومبيوتر وفضائيات وسواها. 

صار لزاما ـ وليس اختيارا ـ القبول بأن يوجه انتقاد واعتراض وملامة، رغم أن نزعة عديد من الدول التي ما زالت تعيش في ظل أنظمة شمولية هي الرد على منتقديها متهمة إياهم بأنهم "متحاملون"، وأن مقولاتهم "مسيسة" و"مغرضة".

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.