من بعيد، تبدو السيرة الذاتية والمهنية للمرشد الجديد للطريقة الصوفية القادرية (المعروفة أيضا بـ "الطريقة العلية القادرية الكسنزانية") نهرو الكسنزاني غريبة الأطوار، الذي روث "زعامة" هذه الجماعة الدينية عن والده الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزاني، الذي وافته المنية قبل أيام قليلة.
فإلى جانب موقعه الحالي، كمرشد أعلى ورمز روحي مطلق لتبعة هذه الطريقة الصوفية، الذين تُقدر أعدادهم بعدة ملايين، وينتشرون في أكثر من دولة، فإن الشيخ نهرو رجل أعمال ثري، تُقدر ثروته بعشرات ملايين الدولارات. مع ذلك، فإن الشيخ نهرو سياسي نشيط، فهو الأمين العام لتحالف "من أجل وحدة العراق"، ومشرف وشريك في عدد من الأنشطة الحكومية، التي يوزعها على باقي أخوته، الذين كانوا أعضاء في البرلمانات والحكومات العراقية، وكان منهم وزير التجارة العراقي الأسبق ميلاس عبد الكريم، المتهم إلى جانب الشيخ نهرو بالكثير من قضايا الفساد والنهب العام.
مع كل ذلك، فالشيخ نهرو متزوج من الفنانة السورية نورمان أسعد، وذو شبكة من العلاقات الوثيقة بالكثير من الأجهزة الاستخباراتية، لامتلاكه شبكات وأجهزة قادرة على تقديم الخدمات الأمنية والاستخباراتية، للدول والشركات النفطية العالمية، منذ عشرات السنوات. ويملك تطلعا سياسيا لأن يُصبح رئيسا مستقبليا للعراق، ويرعى العشرات من المؤسسات التعليمية والمعاهد الدينية.
في الظاهر، يبدو الجمع بين كل تلك "التباينات" والعوالم أمرا غريبا؛ لكن التفاصيل الدقيقة توحي بأنها جميعا أجزاء تفصيلية في شكل صُرح السلطة الجديد، في ألعابها ومنطقها وأدوات فعليتها. هذا النمط/الغول المحدث، الذي يقوم على نماذج وشخصيات وديناميكيات كالتي للشيخ نهرو.
سخر الحاكمون من العسكر أجهزة الدعاية والعنف والأيديولوجية ومركزية الاقتصاد والزبائنية لخلق آليات سيطرتهم المطلقة على الدولة والمجتمع والمتن العام
خلال العقود الأربعة الأخيرة، على الأقل، نما هذا النموذج باطراد متعاظم، إذ صار أغلب المتزاحمين على هذه السُلطة العامة، يُظهرون نهما وتهافتا استثنائيا لتشييد مثل هذا النموذج، الساعي للظفر بكل شيء، من التُخمة المالية إلى الهيمنة الدينية الرمزية، مرورا بشبكات العلاقات الأمنية والاستخباراتية، وليس انتهاء بالاستحواذ على مراكز المؤسسات الحكومية والمواقع السياسية، ومعها الولوج في عالم الفنون والثقافة والأضواء لو أمكن، وقبل كل شيء، تشكيل ترسانة من التبعة المتراصين أيديولوجيا.
يشكل العراق نموذجا مثاليا لتنامي هذه الظاهرة من السلطويين، لكنه ليس البلد الوحيد في ذلك. ففي كل دولة من دول منطقة الشرق الأوسط، ثمة جذر تأسيسي من ذلك. أناس متلهفون لالتقاط وضمان كافة أشكال الفاعليات السلطوية، المادية والرمزية والسياسية والروحية، يقبضون عبرها على روح الفعل المجتمعي وعُنق الحياة العامة، محولين ذواتهم إلى مركز وقوة للسيطرة الدائمة، التي يُمكن أن يورثوها لأبنائهم وسُلالاتهم من بعدهم، كما يورثون المجتمعات، جيلا بعد آخر.
كان الفنان المصري عادل إمام قد شرح شيئا من ذلك ببساطة شديدة في أحد أفلامه، قائلا: "في البلد دي، لازم تظبط نفسك من فوق وتظبط نفسك من تحت. عشان لو إلي فوق سابوك، إلي تحت يشيلوك. ولو إلي تحت نهشوك، إلي فوق يرفعوك".
♦♦♦
في التاريخ السياسي لمنطقتنا، كان ثمة نموذجان تقليديان مختلفان عن هذه النمط الحديث للشخصية السلطوية.
النمط الأعياني، الذي كان يتألف من طبقة السياسيين/الأعيان التقليديين، الذين أفرزتهم البنى التقليدية وأزمنة الملكيات البرجوازية الأكثر قدما.
طبقة الأعيان التقليديين، التي هيمنت على الحياة العامة للعديد من بلداننا طوال عقدي الأربعينيات والخمسينيات، وخلال جزء من عقد الستينيات في بعض الدول، كانت تعتمد على مزيج من المناطقية والسمعة الحسنة ومرويات مناهضة الاستعمار والمكانة الرمزية، لتخلق بها سلطويتها وهيمنتها على المدن الرئيسية بالذات، ولتعزز من مكانتها وقدرتها على تكريس مكانتها كقوة عمومية فاعلة وقائدة للمجال العام، تملك شبكة من المصالح والديناميكيات التوافقية مع المجتمعات المحلية. حيث كان ذلك المزج بين المكانة والتوافقية، يؤمن لها سطوة رمزية ومكانة سياسية وبعض العوائد المالية، التي تستطيع عبرها أن تُدير شؤونها وتُديم سلطتها.
كل مواقع القوة التي كانت لتلك الطبقة تلاشت بالتقادم، بالذات مع الصعود المزدوج والمتآلف للأحزاب الشعبوية والتنظيمات الانقلابية في الجيوش، والتي ترافقت مع تضخم المدن وتوسع التعليم، بذلك خسرت تلك الطبقة مكانتها كسلطة رمزية ومادية وسياسية.
نموذج السلطويين الثاني كان يتمثل بالعسكريين الانقلابين، ومعهم المقربون من دائرتهم السلطوية الأضيق، الذي كانوا يجمعون روح الانقلابات العسكرية ومؤسساتها الأمنية، بالكثير من الخطابات الشعبوية للأحزاب القومية واليسارية.
مثلما اختار الأعيان المكانية الرمزية كأداة لتثبيت سُلطتهم، اعتبر العسكر الانقلابيون أن الدولة بثرواتها وأجهزتها ومؤسساتها هي مركز سلطتهم الوحيدة، القادرة مطلقا على تأمين كافة حاجاتهم للهيمنة المطلقة على المجتمع والمجال العام.
سخر الحاكمون من العسكر أجهزة الدعاية والعنف والأيديولوجية ومركزية الاقتصاد والزبائنية لخلق آليات سيطرتهم المطلقة على الدولة والمجتمع والمتن العام. فالدولة كانت كمصباح علاء الدين في يدهم، تمنع عنهم أية منافسة ممكنة من القوى والشخصيات التي قد تزاحمهم أو تشاركهم في السلطة، في كافة مندرجاتها.
بتمادي واستمرار تلك الممارسة، ترهلت وضعفت الدولة نفسها، بمؤسساتها وأدواتها وطاقتها الذاتية التي كانت قادرة على توفير الهيمنة لهؤلاء السلطويين. وهو ما أفسح المجال أمام أمرين متباينين: تحول الجيل الثاني من أبناء السلطويين العسكر إلى نموذج السلطوية المالية والرمزية المطلقة، حيث يمثل الشيخ نهرو الكسنزاني نموذجا محليا مُصغرا ومعبرا عن تلك الطبقة. ومن جهة أخرى حدثت الثورات الشعبية، التي كانت تعبيرا عن النقمة الشديدة تجاه هذه الطبقة الساعية للتحكم بكافة مناحي الحياة.
على أن الجامع بين الشكلين من السلطويين التقليديين في منطقتنا، الأعيان والعسكر الانقلابين، هو ميلهم لاعتبار سلطتهم قطاعية أو مجالية، تعتمد على أداة أو فضاء بعينه، توفر لهم إمكانية الاستحواذ والاستمرار النسبي لسلطتهم. لكن النموذج الغولي الحديث، على عكس ذلك تماما، يكاد لا يترك مجالا إنسانيا واحدة، دون المسعى السادي للهيمنة عليه.
♦♦♦
منذ أربعة عقود وحتى الآن، كان ثمة العديد من العوامل التي ساعدت وتساعد هذه النموذج من السلطوية على التوسع والتمركز.
إذ بسبب العولمة المفرطة مثلا، صارت مختلف العوالم قابلة للتداخل والشراكة، تلك التي كانت حتى قبل سنوات قليلة تبدو منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض.
فراهنا ليس ثمة من مسافة واضحة بين عالم الدعاة الدينيين ورجال الأعمال والفنانين والسياسيين وقادة المليشيات والأجهزة الأمنية والشيوخ واللاعبين الرياضيين والإعلاميين اللامعين. إذ ثمة أحساس مشترك بين كل هؤلاء بالحاجة والتكامل والتداخل فيما بينهم، وحيث أن أساس ذلك هو الشعور السلطوي بوحدة الحال تجاه وفي مواجهة المجتمع.
منذ أربعة عقود وحتى الآن، كان ثمة العديد من العوامل التي ساعدت وتساعد هذه النموذج من السلطوية على التوسع والتمركز
يحدث ذلك في وقت تفقد فيه الدولة في منطقتنا كل أدواتها ومعانيها وتأثيراتها. الدولة كفضاء ومؤسسة يجب أن تكون عمومية بالمطلق، تحفظ حدا أدنى من الحقوق والكرامات والأعراف والشروط الموضوعية لمجموع أبناء المجتمع من مواطنيها. تحفظهم أولا عن السلطة، أية سلطة، بما في ذلك السلطة الشرعية المنتخبة حسب قوانين ومواثيق هذه الدولة، فكيف بها تلك المهيمنة دون وجه شرعي، والسادية في تطلعاتها للهيمنة الثنائية والكلية على الدولة والمجتمع في الآن عينه.
إلى جانب ذلك، ثمة تدهور مريع لكل أشكال التطلعات الأيديولوجية والسياسية الخلاصية الجمعية. ففي عموم العالم، وبالذات في منطقتنا، ثمة عوز مريع لأية رؤية تبشيرية، سياسية أو روحية أو اقتصادية، تكون دافعة للمجتمعات والأفراد لأن يتكاتفوا فيما بينهم لتشكيل قوى وتيارات قادرة على التصدي لمثل هذه النماذج من السلطويين الإطلاقين النهمين، المفرغين من أية قيمة مضافة، أو أية إمكانية لتحسين الأحوال العامة في بلدانهم ومناطقهم، أو على الأقل للتوازن معهم، كما فعلت الأحزاب السياسية مع طبقة الأعيان في وقت ما، وكما فعلت في مواجهة العسكر في مرحلة أخرى.
يبدو هذا النموذج كارثيا، لأنه مندفع بكل إصرار نحو الخراب العام. فشكل تكوينه يجمع نمطين من الاستعصاء: الإقطاع السياسي والاقتصادي الوراثي المحدث، المسطح والخالي من أية إمكانية للشراكة والتوافق الاجتماعي. مع السلطوية الإطلاقية القائمة على وعبر السيطرة المادية المباشرة على كافة منابع الثروة المادية والروحية.
لأجل ذلك، فإن هذا النموذج من الإقطاع المحدث الذي ورثته عن حقبة الأعيان، والسلطوية الإطلاقية الذي أخذته عن العسكر الانقلابين، لا يملك أية حلول لجبال المعضلات التي تواجه مجتمعات منطقتنا، وهي بذا تبشر بحروب أهلية ومناطقية، لا يمكن لها أن تنتهي.

