A tourist walks inside the Hagia Sophia Museum in Istanbul on June 26, 2020. - Turkey, a nation of some 83 million, has removed…
سائحة في متحف اسطنبول قبل تحويله إلى مسجد

الإنسان غير موجود في أفق الوعي العربي. لم يتحوّل الإنسان بعد إلى مبدأ أعلى في ثقافة/ في وعي الإنسان العربي المعاصر؛ فضلا عن الواقع العربي الذي يمارس ـ بشتى تجلياته ـ تعرية هذا الوعي/ هذه الثقافة المستعصية على التَّأنْسن باستمرار. فكلاهما: الثقافة والواقع، يؤكدان ـ وباستمرار مطرد ومتكاثف ـ غياب الإنسان كقيمة محورية، كمبدأ أعلى، كمعيار نهائي لمعاينة الوجود الإنساني ذاته، ومن ثم لمعاينة الفعل الإنساني، وتوجيهه/ إرشاده إلى كل ما من شأنه أن يغني الحضور الإنساني في الإنسان.

دعك من ظاهر ما تلوكه تلك الألسن، دعك من صخب ما تجأر به تلك الحناجر، دعك من زخرف ما تخطّه الأقلام، ويتغنّى به الإعلام، ويتكسب به المأجور الدعائي، من امتداح المسلك الإنساني لبني ثقافته، ومن الترويج لخيرية الإنسان المحدود قوميته، أي الإنسان مصنّفا في حدود انتماء الفاعل في مثل هذا الخطاب الدعائي. فكل هذا ليس أكثر من فعاليات قولية تمارس تعويضا ساذجا عن غياب الفعل الإنساني على مستوى الواقع العيني المترع بكل ما يُؤكّد نفي/ إلغاءَ الإنسان على أكثر من صعيد.

"الإنسان" في صفته الإنسانية المجرّدة لا يزال منفيا خارج أسوار فردوس الثقافة العربية. العربي يعي نفسه/ يُعرّف نفسه بالصفات اللاحقة/ المضافة إلى أصله الإنساني: صفة الدين، صفة المذهب، صفة الوطن، صفة المدينة، صفة القبيلة، صفة الانتماء اللغوي (المتوهم انتماء عرقيا)... إلخ الصفات المضافة على الأصل الإنساني. ونتيجة لذلك؛ فرؤيته للأشياء من حوله، وتقييمه للحوادث والوقائع في الراهن وفي التاريخ، وموقفه من السلوكيات الفردية والجمعية؛ مشروط بهذه الصفات الإضافية؛ لا بالأصل الإنساني الذي يُفتَرَض ـ إنسانيا ـ أن يكون متعاليا على كل هذه الصفات.

ما الذي يجعل إنسانا يُمجّد طاغية (وليس فقط يتسامح معه) كالحجّاج بن يوسف أو كأبي جعفر المنصور في القديم، أو كصدام وحافظ الأسد ـ وغيرهما ـ في الحديث؟

لهذا، لا تعجب عندما ترى العربي يُمجّد طاغية بحجم صدام حسين؛ رغم معرفته بالمقابر الجماعية التي ارتكبها، بل وبضحايا أسلحة الدمار الشامل؛ لأن ثمة معيارا أعلى من المعيار الإنساني في وعي هذا العربي، ثمة معيار العروبة، ثمة وهم: بوابة العرب الشرقية، ثمة: الوعيد بتدمير إسرائيل...إلخ، وكل هذه: الصادق منها والكاذب، هي في هذا الوعي أعلى قيمة، وأقدس قداسة من الإنسان. 

وكل هذا يجري بفعل تصوّر هذياني غير إنساني مفاده: أن الإنسان مخلوق إضافي، هامشي على مَتْن ما، خُلق لأجل مجد العرق، أو لأجل مجد القبيلة، أو لأجل مجد الأرض، أو لأجل المجد القومي، أو لأجل الدين...إلخ، فيما الحق (والحق مشروط بالإنسان وعيا وقيمة) أن كل ذلك (صور المجد السابقة) خُلق أو تكوّن أو وُجِد لأجل الإنسان؛ وليس العكس كما يتوهم المُسْتَلبون للأوهام التي خلقوها، أو ـ على نحو أدق ـ للأصنام التي عبدوها؛ حتى وهم يلعنون عبدة الأصنام!

ما الذي يجعل إنسانا يُمجّد طاغية (وليس فقط يتسامح معه) كالحجّاج بن يوسف أو كأبي جعفر المنصور في القديم، أو كصدام وحافظ الأسد ـ وغيرهما ـ في الحديث؟ ما الذي يجعل الإعلامي أو الكاتب أو الباحث يتحدث عن الدور الحضاري لأبي جعفر المنصور، عن بنائه لبغداد، عن منجزات حقيقية أو متوهمة، وكأنها هي المعيار الأسمى، المعيار الحاكم على قيمة الإنسان، في الوقت الذي يتم فيه تجاهل المسلك الإجرامي، بل الطغيان السفّاحيّ (كما في حالة الحجّاج)، ومن ثم، الوقوف المُتَبتّل عند بقايا أطلال قصر متهدم أو حتى عند محاريب جامع مزخرف؛ للتحدث عن "الجانب الحضاري" لأولئك الذين كان التنكيل بالإنسان، بل وسحقه حد التصفيات الجماعية، هي الهواية اليومية لهم؛ عندما كانوا يَتَلهّون بحصد الرؤوس البشرية صباح مساء؛ وكأنهم يقطفون أزهار الياسمين من حدائق قصورهم (رُصِدَ واقعا، لا مجازا، فالحجاج يقول: إن لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. وقد فعل ما هدد به).

هل يمكن الحديث عن منجزات ستالين في تأسيس وتقوية الاتحاد السوفياتي، والخروج به منتصرا في الحرب العالمية الثانية؛ مع معرفتنا بعشرات الملايين من الضحايا، أي مع معرفتنا بأن الإنسان كان مجرد مادة استعمالية لتحقيق الأحلام، بل الأوهام، المتعلقة بالمجد والنصر، أو حتى المتعلقة بالتنمية والتطوير الصناعي؟ هل نقف على الصناعات الثقيلة المتطورة، وخاصة في مجال التسلح؛ لنسبّح بحمد ستالين، لنبحث له عن "الوجه الحضاري" المدفون تحت ركام الصور التي تحكي عن أحد أهم مجرمي التاريخ البشري قياسا بعدد الضحايا؟  

بقي الإنسان دائما ـ في أفق الوعي الثقافي للحضارة المعاصرة ـ كرائد يضبط بوصلة الاتجاه، ويرشد التائهين

هل قصور قرطبة الأموية/ الطوائفية، وهل جوامع إسطنبول العثمانية بقبابها الشامخة، هل مثل هذه المنجزات المادية والمعنوية المعزولة عن السياق الإنساني، أو التي أنجزت بالتعارض مع حقوق الإنساني الأولى، وكثيرا ما تكون بالاضطهاد الإجرامي للإنسان، هي التي تحكم تقييمنا للشخصيات التاريخية وللدول وللحضارات؟!

كثيرا ما أعجب من حال المعجبين بكثير من الحضارات والآثار والشخصيات التي تحكي وقائعها المحايثة عن مسالك غير إنسانية، بل مسالك معادية للإنسان، بل مجرمة بحق الإنسان، وكأنها تمارس معه سلوكا ثأريا دائما. كيف ينسون للمنصور ما فعله؛ لأنه بنى بغداد؟ كيف ينسون لصدام ما فعله؛ لأنه هدد إسرائيل؟ كيف ينسون لعبدالناصر كل ما فعله؛ لمجرد أنه هتف بالقومية العربية؟! والمشكلة أنهم لا ينسون فقط؛ لا يصمتون تجاهلا وتغافلا، بل يلهثون ـ باستحذاء عبودي مازوخي ـ ممجدين الأوهام على حساب الإنسان.

لكن يزول العجب، وأفهم أن ما يحدث طبيعي؛ عندما أدرك أن غياب الوعي بالإنسان هو ما يجمع بين كل من ينتهجون هذه المسالك، هو الخيط الناظم لكل حالات الانبهار بالشكلي والهامشي واللاّإنساني على حساب الإنسان. الإنسان لدى هؤلاء يحضر ـ هذا إن حضر أصلا ـ كقيمة ثانوية، بل كقيمة هامشية. الإنسان لا يحضر لدى هؤلاء بوصفه غاية، بل بوصفه وسيلة، بوصفه من مكملات المشهد التاريخي الذي يُراد توظيفه في السياق الافتخاري، خاصة الفخر في زمن الانسحاق الحضاري الذي لم يترك لأيتامه التائهين غير ما يجترونه من أوهام.

التأسيس للوعي بالإنسان ليس سهلا، ليس عملا إرادويا خاطفا، بل هو عمل تاريخي طويل متراكم، له طابع النمو المُطّرد؛ شرط الاستنفار الدائم للتراجعات والانتكاسات التي تتخلل المسار. وفي البداية، لا بد من جذور، من أسس ضاربة في أعماق الوعي، ثم من انعطافة واعية تُحدّد بوصلة الاتجاه، كما هو الحال في الحضارة الغربية المعاصرة التي لم تصبح هي حضارة الإنسان بمحض الصدفة العابرة، أو بمحض الرغبة الحالمة، أو بمحض الادعاء الكاذب الساذج، بل بتاريخ طويل يمتد لأكثر من سبعة قرون، وهو تاريخ بحد ذاته يشير إلى/ أو يستلهم من تاريخٍ أبعدَ وأعمق من ذلك بكثير.

بدأ عصر النهضة الذي أسس لهذه الحضارة التي يتفيأ العالم ظلالها منذ سبعة قرون أو أكثر بالمذهب الإنساني، أو هو بدأ بها (على خلاف بين مؤرخي الفكر في مفاصلة التواقت)، أو هو محايث يَتخلّق فيما بينها في تفاعل جدلي متعالق، بحيث يشترط أحدهما الآخر. ففي البدايات، بحث الأدباء والمفكرون عن الإنسان المهجور في الأفق الثقافي للعصور الوسطى، وبفعل تدافع الأثر/ التأثير، اهتم بعض الساسة وبعض رجال المجتمع البارزين بهذا المنحى، حيث بحثوا عن حضور الإنسان في عالم الطبيعة، وعن حضوره في المجتمع، وعن حضوره في التاريخ.

التأسيس للوعي بالإنسان ليس سهلا، ليس عملا إرادويا خاطفا، بل هو عمل تاريخي طويل متراكم، له طابع النمو المُطّرد

هذه البدايات هي التي صنعت تراكماتها اللاحقة التي حوّلت وجهة الإنسان ـ في بحثه وارتياده، في أشواقه وتطلعاته ـ إلى "قِبْلةِ الإنسان"، أي إلى الإنسان كقِبْلة/ وِجْهة أولى للهَمِّ والاهتمام، وبالتالي، إلى تعميد الإنسان كغاية؛ ليتحول من بعدُ، وخاصة في عصر العقل: العصر التنويري، إلى قدس الأقداس، إلى معيار معرفي وقيمي أعلى، إلى المبدأ المتعالي على التصنيفات/ التمايزات الدينية والمذهبية والعرقية والوطنية/ القطرية؛ بعد عصور طويلة من سيادة معيار "ما قبل إنساني" أو "ما وراء إنساني"، كما هو الحال في: المعيار الديني، والمعيار الوطني/ الجغرافي، والمعيار العرقي/ القبلي.

هكذا أصبح "الإنسان" ـ من حيث هو إنسان ـ نسغ الثقافة التي صنعت وتصنع الحضارة المعاصرة. وبصرف النظر عن التصرفات الطارئة، وعن المسلكيات المشاغبة، فقد بقي الإنسان كمعيار أولي هو الضمير المتعالي الذي يجري الاحتكام إليه عند الاختلاف والخصام، كما يُرجع إليه عند الإنابة وطلب الغفران. 

بقي الإنسان دائما ـ في أفق الوعي الثقافي للحضارة المعاصرة ـ كرائد يضبط بوصلة الاتجاه، ويرشد التائهين؛ مهما ترامت بهم أمواج الحياة بعيدا، ففي النهاية، وحتى عندما تتشابه الحقائق، وتتابين وجهات النظر، وتتعدد الآراء، ليس ثمة إلا الإنسان غاية الغايات. وكل ما سواه فوسائل ترتاد آفاق التحقق الإنساني في مداه الواقعي أو الممكن. وقداستها كوسائل مشروطة بمقدار ما تحققه للإنسان كغاية، للإنسان بحضوره الكلي، وليس للإنسان بوجوده المصنف، أي كإنسان بصفة ما، على حساب إنسان بصفة أخرى.

هذا هو الأساس الذي تأسست عليه حضارة الإنسان، ومنه تفرّع:  تقديس الإنسان في جوده الإنساني المحض/ حياة الإنسان، وتقديس الحرية الإنسانية التي تتفرع عليها/ ومنها كثير من الحريات، وتقديس الحقوق الطبيعية الذي أصبح انتهاكها يدخل في خانة: جريمة ضد الإنسانية، ومن قبل ومن بعد، الثقة بالإنسان التي مفادها/ مؤداها الثقة بالعقل الإنساني المستقل بنفسه؛ ليكون الإنسان ـ في هذا السياق المتأنسن ـ محور الوجود، حيث كل شيء (الهيئات، الهياكل التنظيمية، المؤسسات، المنظومات الفكرية...إلخ) لأجل الإنسان، وليس الإنسان ـ ابتداء ـ لأجل شيء. وهذا الأساس، وما تفرع منه وعنه، هو ما كان ـ ولا يزال ـ غائبا عن الوعي العربي؛ حتى لدى كثير من المفكرين/ المثقفين العرب، أو من يتوهمون أنفسهم كذلك، فضلا عن اللاهين ـ عبثا ـ على صفحات/ شاشات الإعلام!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.