الإنسان غير موجود في أفق الوعي العربي. لم يتحوّل الإنسان بعد إلى مبدأ أعلى في ثقافة/ في وعي الإنسان العربي المعاصر؛ فضلا عن الواقع العربي الذي يمارس ـ بشتى تجلياته ـ تعرية هذا الوعي/ هذه الثقافة المستعصية على التَّأنْسن باستمرار. فكلاهما: الثقافة والواقع، يؤكدان ـ وباستمرار مطرد ومتكاثف ـ غياب الإنسان كقيمة محورية، كمبدأ أعلى، كمعيار نهائي لمعاينة الوجود الإنساني ذاته، ومن ثم لمعاينة الفعل الإنساني، وتوجيهه/ إرشاده إلى كل ما من شأنه أن يغني الحضور الإنساني في الإنسان.
دعك من ظاهر ما تلوكه تلك الألسن، دعك من صخب ما تجأر به تلك الحناجر، دعك من زخرف ما تخطّه الأقلام، ويتغنّى به الإعلام، ويتكسب به المأجور الدعائي، من امتداح المسلك الإنساني لبني ثقافته، ومن الترويج لخيرية الإنسان المحدود قوميته، أي الإنسان مصنّفا في حدود انتماء الفاعل في مثل هذا الخطاب الدعائي. فكل هذا ليس أكثر من فعاليات قولية تمارس تعويضا ساذجا عن غياب الفعل الإنساني على مستوى الواقع العيني المترع بكل ما يُؤكّد نفي/ إلغاءَ الإنسان على أكثر من صعيد.
"الإنسان" في صفته الإنسانية المجرّدة لا يزال منفيا خارج أسوار فردوس الثقافة العربية. العربي يعي نفسه/ يُعرّف نفسه بالصفات اللاحقة/ المضافة إلى أصله الإنساني: صفة الدين، صفة المذهب، صفة الوطن، صفة المدينة، صفة القبيلة، صفة الانتماء اللغوي (المتوهم انتماء عرقيا)... إلخ الصفات المضافة على الأصل الإنساني. ونتيجة لذلك؛ فرؤيته للأشياء من حوله، وتقييمه للحوادث والوقائع في الراهن وفي التاريخ، وموقفه من السلوكيات الفردية والجمعية؛ مشروط بهذه الصفات الإضافية؛ لا بالأصل الإنساني الذي يُفتَرَض ـ إنسانيا ـ أن يكون متعاليا على كل هذه الصفات.
ما الذي يجعل إنسانا يُمجّد طاغية (وليس فقط يتسامح معه) كالحجّاج بن يوسف أو كأبي جعفر المنصور في القديم، أو كصدام وحافظ الأسد ـ وغيرهما ـ في الحديث؟
لهذا، لا تعجب عندما ترى العربي يُمجّد طاغية بحجم صدام حسين؛ رغم معرفته بالمقابر الجماعية التي ارتكبها، بل وبضحايا أسلحة الدمار الشامل؛ لأن ثمة معيارا أعلى من المعيار الإنساني في وعي هذا العربي، ثمة معيار العروبة، ثمة وهم: بوابة العرب الشرقية، ثمة: الوعيد بتدمير إسرائيل...إلخ، وكل هذه: الصادق منها والكاذب، هي في هذا الوعي أعلى قيمة، وأقدس قداسة من الإنسان.
وكل هذا يجري بفعل تصوّر هذياني غير إنساني مفاده: أن الإنسان مخلوق إضافي، هامشي على مَتْن ما، خُلق لأجل مجد العرق، أو لأجل مجد القبيلة، أو لأجل مجد الأرض، أو لأجل المجد القومي، أو لأجل الدين...إلخ، فيما الحق (والحق مشروط بالإنسان وعيا وقيمة) أن كل ذلك (صور المجد السابقة) خُلق أو تكوّن أو وُجِد لأجل الإنسان؛ وليس العكس كما يتوهم المُسْتَلبون للأوهام التي خلقوها، أو ـ على نحو أدق ـ للأصنام التي عبدوها؛ حتى وهم يلعنون عبدة الأصنام!
ما الذي يجعل إنسانا يُمجّد طاغية (وليس فقط يتسامح معه) كالحجّاج بن يوسف أو كأبي جعفر المنصور في القديم، أو كصدام وحافظ الأسد ـ وغيرهما ـ في الحديث؟ ما الذي يجعل الإعلامي أو الكاتب أو الباحث يتحدث عن الدور الحضاري لأبي جعفر المنصور، عن بنائه لبغداد، عن منجزات حقيقية أو متوهمة، وكأنها هي المعيار الأسمى، المعيار الحاكم على قيمة الإنسان، في الوقت الذي يتم فيه تجاهل المسلك الإجرامي، بل الطغيان السفّاحيّ (كما في حالة الحجّاج)، ومن ثم، الوقوف المُتَبتّل عند بقايا أطلال قصر متهدم أو حتى عند محاريب جامع مزخرف؛ للتحدث عن "الجانب الحضاري" لأولئك الذين كان التنكيل بالإنسان، بل وسحقه حد التصفيات الجماعية، هي الهواية اليومية لهم؛ عندما كانوا يَتَلهّون بحصد الرؤوس البشرية صباح مساء؛ وكأنهم يقطفون أزهار الياسمين من حدائق قصورهم (رُصِدَ واقعا، لا مجازا، فالحجاج يقول: إن لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. وقد فعل ما هدد به).
هل يمكن الحديث عن منجزات ستالين في تأسيس وتقوية الاتحاد السوفياتي، والخروج به منتصرا في الحرب العالمية الثانية؛ مع معرفتنا بعشرات الملايين من الضحايا، أي مع معرفتنا بأن الإنسان كان مجرد مادة استعمالية لتحقيق الأحلام، بل الأوهام، المتعلقة بالمجد والنصر، أو حتى المتعلقة بالتنمية والتطوير الصناعي؟ هل نقف على الصناعات الثقيلة المتطورة، وخاصة في مجال التسلح؛ لنسبّح بحمد ستالين، لنبحث له عن "الوجه الحضاري" المدفون تحت ركام الصور التي تحكي عن أحد أهم مجرمي التاريخ البشري قياسا بعدد الضحايا؟
بقي الإنسان دائما ـ في أفق الوعي الثقافي للحضارة المعاصرة ـ كرائد يضبط بوصلة الاتجاه، ويرشد التائهين
هل قصور قرطبة الأموية/ الطوائفية، وهل جوامع إسطنبول العثمانية بقبابها الشامخة، هل مثل هذه المنجزات المادية والمعنوية المعزولة عن السياق الإنساني، أو التي أنجزت بالتعارض مع حقوق الإنساني الأولى، وكثيرا ما تكون بالاضطهاد الإجرامي للإنسان، هي التي تحكم تقييمنا للشخصيات التاريخية وللدول وللحضارات؟!
كثيرا ما أعجب من حال المعجبين بكثير من الحضارات والآثار والشخصيات التي تحكي وقائعها المحايثة عن مسالك غير إنسانية، بل مسالك معادية للإنسان، بل مجرمة بحق الإنسان، وكأنها تمارس معه سلوكا ثأريا دائما. كيف ينسون للمنصور ما فعله؛ لأنه بنى بغداد؟ كيف ينسون لصدام ما فعله؛ لأنه هدد إسرائيل؟ كيف ينسون لعبدالناصر كل ما فعله؛ لمجرد أنه هتف بالقومية العربية؟! والمشكلة أنهم لا ينسون فقط؛ لا يصمتون تجاهلا وتغافلا، بل يلهثون ـ باستحذاء عبودي مازوخي ـ ممجدين الأوهام على حساب الإنسان.
لكن يزول العجب، وأفهم أن ما يحدث طبيعي؛ عندما أدرك أن غياب الوعي بالإنسان هو ما يجمع بين كل من ينتهجون هذه المسالك، هو الخيط الناظم لكل حالات الانبهار بالشكلي والهامشي واللاّإنساني على حساب الإنسان. الإنسان لدى هؤلاء يحضر ـ هذا إن حضر أصلا ـ كقيمة ثانوية، بل كقيمة هامشية. الإنسان لا يحضر لدى هؤلاء بوصفه غاية، بل بوصفه وسيلة، بوصفه من مكملات المشهد التاريخي الذي يُراد توظيفه في السياق الافتخاري، خاصة الفخر في زمن الانسحاق الحضاري الذي لم يترك لأيتامه التائهين غير ما يجترونه من أوهام.
التأسيس للوعي بالإنسان ليس سهلا، ليس عملا إرادويا خاطفا، بل هو عمل تاريخي طويل متراكم، له طابع النمو المُطّرد؛ شرط الاستنفار الدائم للتراجعات والانتكاسات التي تتخلل المسار. وفي البداية، لا بد من جذور، من أسس ضاربة في أعماق الوعي، ثم من انعطافة واعية تُحدّد بوصلة الاتجاه، كما هو الحال في الحضارة الغربية المعاصرة التي لم تصبح هي حضارة الإنسان بمحض الصدفة العابرة، أو بمحض الرغبة الحالمة، أو بمحض الادعاء الكاذب الساذج، بل بتاريخ طويل يمتد لأكثر من سبعة قرون، وهو تاريخ بحد ذاته يشير إلى/ أو يستلهم من تاريخٍ أبعدَ وأعمق من ذلك بكثير.
بدأ عصر النهضة الذي أسس لهذه الحضارة التي يتفيأ العالم ظلالها منذ سبعة قرون أو أكثر بالمذهب الإنساني، أو هو بدأ بها (على خلاف بين مؤرخي الفكر في مفاصلة التواقت)، أو هو محايث يَتخلّق فيما بينها في تفاعل جدلي متعالق، بحيث يشترط أحدهما الآخر. ففي البدايات، بحث الأدباء والمفكرون عن الإنسان المهجور في الأفق الثقافي للعصور الوسطى، وبفعل تدافع الأثر/ التأثير، اهتم بعض الساسة وبعض رجال المجتمع البارزين بهذا المنحى، حيث بحثوا عن حضور الإنسان في عالم الطبيعة، وعن حضوره في المجتمع، وعن حضوره في التاريخ.
التأسيس للوعي بالإنسان ليس سهلا، ليس عملا إرادويا خاطفا، بل هو عمل تاريخي طويل متراكم، له طابع النمو المُطّرد
هذه البدايات هي التي صنعت تراكماتها اللاحقة التي حوّلت وجهة الإنسان ـ في بحثه وارتياده، في أشواقه وتطلعاته ـ إلى "قِبْلةِ الإنسان"، أي إلى الإنسان كقِبْلة/ وِجْهة أولى للهَمِّ والاهتمام، وبالتالي، إلى تعميد الإنسان كغاية؛ ليتحول من بعدُ، وخاصة في عصر العقل: العصر التنويري، إلى قدس الأقداس، إلى معيار معرفي وقيمي أعلى، إلى المبدأ المتعالي على التصنيفات/ التمايزات الدينية والمذهبية والعرقية والوطنية/ القطرية؛ بعد عصور طويلة من سيادة معيار "ما قبل إنساني" أو "ما وراء إنساني"، كما هو الحال في: المعيار الديني، والمعيار الوطني/ الجغرافي، والمعيار العرقي/ القبلي.
هكذا أصبح "الإنسان" ـ من حيث هو إنسان ـ نسغ الثقافة التي صنعت وتصنع الحضارة المعاصرة. وبصرف النظر عن التصرفات الطارئة، وعن المسلكيات المشاغبة، فقد بقي الإنسان كمعيار أولي هو الضمير المتعالي الذي يجري الاحتكام إليه عند الاختلاف والخصام، كما يُرجع إليه عند الإنابة وطلب الغفران.
بقي الإنسان دائما ـ في أفق الوعي الثقافي للحضارة المعاصرة ـ كرائد يضبط بوصلة الاتجاه، ويرشد التائهين؛ مهما ترامت بهم أمواج الحياة بعيدا، ففي النهاية، وحتى عندما تتشابه الحقائق، وتتابين وجهات النظر، وتتعدد الآراء، ليس ثمة إلا الإنسان غاية الغايات. وكل ما سواه فوسائل ترتاد آفاق التحقق الإنساني في مداه الواقعي أو الممكن. وقداستها كوسائل مشروطة بمقدار ما تحققه للإنسان كغاية، للإنسان بحضوره الكلي، وليس للإنسان بوجوده المصنف، أي كإنسان بصفة ما، على حساب إنسان بصفة أخرى.
هذا هو الأساس الذي تأسست عليه حضارة الإنسان، ومنه تفرّع: تقديس الإنسان في جوده الإنساني المحض/ حياة الإنسان، وتقديس الحرية الإنسانية التي تتفرع عليها/ ومنها كثير من الحريات، وتقديس الحقوق الطبيعية الذي أصبح انتهاكها يدخل في خانة: جريمة ضد الإنسانية، ومن قبل ومن بعد، الثقة بالإنسان التي مفادها/ مؤداها الثقة بالعقل الإنساني المستقل بنفسه؛ ليكون الإنسان ـ في هذا السياق المتأنسن ـ محور الوجود، حيث كل شيء (الهيئات، الهياكل التنظيمية، المؤسسات، المنظومات الفكرية...إلخ) لأجل الإنسان، وليس الإنسان ـ ابتداء ـ لأجل شيء. وهذا الأساس، وما تفرع منه وعنه، هو ما كان ـ ولا يزال ـ غائبا عن الوعي العربي؛ حتى لدى كثير من المفكرين/ المثقفين العرب، أو من يتوهمون أنفسهم كذلك، فضلا عن اللاهين ـ عبثا ـ على صفحات/ شاشات الإعلام!

